انتُخب دونالد ترامب للمرة الثانية في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 لأسباب عدة، كان من أبرزها تعهده بإنهاء «الحروب الأبدية»، لا بدء حروب جديدة. وفي خطاب تنصيبه الثاني والأخير، قال إن نجاحه سيُقاس ليس فقط بالحروب التي تنتصر فيها أميركا، بل أيضاً بالحروب التي لا تدخلها.
وبعد نحو عام من هذه التعهدات، دخلت الولايات المتحدة الحرب على إيران، وشنت ضربات مباشرة على الأراضي الإيرانية، وقتلت المرشد الأعلى للبلاد ىية الله علي خامنئي، ونشرت ما يُقدّر بنحو 50 ألف عسكري في الشرق الأوسط، كما وسّعت انخراطها العسكري والسياسي في العراق ولبنان واليمن ضد الميليشيات المتحالفة مع إيران.
وهكذا وجد ترامب نفسه، بإرادته وبعد ضغوط إسرائيلية وأخرى مارسها صقور الحرب الجمهوريون، داخل مستنقع تعهّد شخصياً بتجنبه.
وتشير تقارير إلى اجتماع محدود وشديد السرية عُقد في البيت الأبيض في شباط/فبراير الماضي، قدّم خلاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس الأميركي عرضاً مفصلاً يدعو إلى هجوم عسكري أميركي ـ إسرائيلي مشترك على إيران. ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، قال نتنياهو إن البرنامج الصاروخي الإيراني يمكن تدميره خلال أسابيع قليلة، وإن النظام سيضعف إلى درجة تعجز معها طهران عن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، فيما سيكون احتمال رد إيران بضرب المصالح الأميركية محدوداً. وبحسب التقرير، أكد نتنياهو أن إيران في وضع بالغ الضعف، وأن ضربة أميركية ـ إسرائيلية مشتركة وحاسمة يمكن أن تقود إلى نصر شبه مؤكد وانهيار سريع للنظام الإيراني.
إلا أن صمود إيران بعد أكثر من ستة أشهر من القتال يشير إلى أن تلك التصورات لم تكن دقيقة. وبدلاً من الحسم السريع، وجدت واشنطن نفسها في منطقة رمادية بين الحرب والسلم، فيما تبدلت المبررات الأميركية للحرب وتناقضت: بدأت بحماية المحتجين الإيرانيين، ثم انتقلت إلى القضاء على تهديد مزعوم بالأسلحة النووية، ثم إلى حديث صريح عن تغيير النظام، وصولاً إلى العمل على إعادة فتح مضيق هرمز بعدما أغلقته إيران وتعطل جزء مهم من التجارة العالمية، ما انعكس ارتفاعاً في أسعار الطاقة حول العالم، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها، بنسب تُقدّر بما بين 25 و40 في المئة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.
***
في أوائل كانون الأول/ديسمبر 2025، صدرت استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب الثانية، وكانت صريحة وواضحة في لغتها وأهدافها. ففي حين اعتادت الاستراتيجيات السابقة، في الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء، تقديم القوة الأميركية باعتبارها أداة لدعم نظام دولي قائم على القواعد، رفضت استراتيجية ترامب هذا النهج صراحة.
وأكدت الاستراتيجية أن زمن تحمّل الولايات المتحدة أعباء دعم النظام العالمي بأكمله وتوفير مظلات أمنية وعسكرية واسعة قد انتهى، داعية الدول الثرية والمتطورة التي اعتمدت طويلاً على الحماية الأميركية إلى تحمل المسؤولية الأساسية عن دفاعها واستقرارها.
لكن إذا كانت استراتيجية الأمن القومي تمثل النظرية الرسمية للإدارة بشأن الدور الذي تريده واشنطن لنفسها، فإن الحرب على إيران كشفت واقعاً أكثر تعقيداً بكثير.
فداخل ائتلاف ترامب برز تياران أيديولوجيان رئيسيان: الأول يدفع نحو استمرار الحرب والحفاظ على انخراط أميركي واسع في الشرق الأوسط، والثاني عارض الحرب منذ البداية ويتمسك بمبدأ تقليص الالتزامات الخارجية. وبينهما يحاول كل طرف التأثير في الرئيس ترامب، ما أفضى إلى قدر واضح من عدم الاتساق في بلورة سياسة واشنطن تجاه إيران، سواء في إدارة الحرب عسكرياً أو في التعامل معها دبلوماسياً.
ولم تكن هذه الخلافات مجرد صراع أيديولوجي داخل الإدارة، بل عكست في جوهرها تنافساً بين رؤى مختلفة لمستقبل السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران. وهو تنافس يطرح أسئلة أوسع عن طبيعة الدور الأميركي المتغير، وأدوار الشركاء الإقليميين الذين يمتلكون حساباتهم الاستراتيجية الخاصة، ومدى قدرة هؤلاء الشركاء على الوثوق بالضمانات الأمنية الأميركية، حاضراً ومستقبلاً.
لقد أنتجت الحرب تحولات هيكلية تطال عدداً من الخيارات التي حكمت السياسة الأميركية في المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية، وأعادت فتح السؤال عن جدوى استمرار الوجود الأميركي بصورته الراهنة، سواء بالنسبة إلى مصالح الولايات المتحدة نفسها أو مصالح دول المنطقة.
***
يواجه صانعو القرار الأميركيون الآن سلسلة من الخيارات ذات العواقب بعيدة المدى، بينها ما إذا كان ينبغي إعادة بناء القواعد والمنشآت التي تضررت خلال حرب إيران، وكيفية إعادة توزيع القوات، وما إذا كان يتعين بيع المزيد من الأسلحة إلى الشركاء الإقليميين.
وخلال الأشهر الخمسة الماضية، دمّرت إيران أو ألحقت أضراراً بمبانٍ ومعدات في ما لا يقل عن 15 موقعاً عسكرياً أميركياً. وحتى إذا قررت الولايات المتحدة تجميع قواتها في قاعدة أو قاعدتين رئيسيتين، فستظل هذه القوات أهدافاً محتملة لإيران وحلفائها، ما يعني تخصيص موارد كبيرة لحمايتها. ومن دون انسحاب كامل، ستجد واشنطن نفسها مضطرة إلى مواصلة حماية قواتها ودعم شركائها، بما يبقي الباب مفتوحاً أمام الانجرار إلى نزاعات جديدة، أو الدخول فيها بقرار أميركي مباشر.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى التي خلّفتها حرب إيران: الولايات المتحدة باتت أكثر حضوراً عسكرياً في الشرق الأوسط مما كانت عليه منذ سنوات، في اللحظة نفسها التي تقول فيها استراتيجيتها الرسمية إنها تريد تقليص هذا الحضور وتحميل حلفائها مسؤولية أكبر عن أمنهم.
فمع وجود نحو 50 ألف عسكري أميركي في المنطقة، أصبح السؤال يتجاوز مصير الحرب نفسها إلى طبيعة الدور الأميركي الذي سيولد من رحمها: هل نحن أمام مستنقع شرق أوسطي أميركي جديد، أم أمام نموذج مختلف للمشاركة الأميركية يجمع بين الرغبة في الانكفاء والاستعداد لاستخدام قوة عسكرية هائلة عند الضرورة؟
ستتوقف الإجابة على حقائق ما تزال تتشكل: مدى استدامة وقف إطلاق النار، سلوك القيادة الإيرانية في المرحلة المقبلة، مستقبل الانتشار العسكري الأميركي، وقبل كل شيء قدرة إدارة ترامب على حسم الصراع الفكري داخلها بين دعاة الانكفاء، وأنصار البقاء العسكري في الشرق الأوسط، وصانعي الصفقات الذين ينظرون إلى الوجود الأميركي باعتباره ورقة تفاوضية قابلة للاستخدام.
وإلى أن يُحسم هذا الصراع، ستبقى السياسة الأميركية عالقة بين عقيدة تقول «ارحلوا» وواقع استراتيجي يدفعها إلى البقاء؛ وبين رئيس وعد بإنهاء «الحروب الأبدية» فوجد نفسه يقود حرباً جديدة لا يعرف، حتى الآن، كيف يخرج منها.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
