من «اللامنتمي» إلى الوطن المفقود.. حكاية الاغتراب السوري

للسؤال عن كيفية بناء المواطنة السورية في زمن الجراح وجهٌ آخر، أقلّ ظهوراً وربّما أكثر عمقاً: كيف نبني الانتماء لدى إنسان لم يعُد واثقاً من معنى الانتماء نفسه؟ وكيف يقتنع بالمواطنة إذا كانت كلمات مثل «الوطن»، و«الدولة»، و«القانون»، و«العدالة»، و«الثورة»، و«المقاومة»، و«المصلحة الوطنية» قد استُهلِكت خلال عقود في خطابات متناقضة، حتى باتت الكلمة الواحدة قادرة على أن تعني الشيء ونقيضه؟ إنّ أزمة المواطنة السورية هي أيضاً تاريخٌ طويلٌ من الاغتراب.

أتى الاغتراب الأوّل مع نكسة 1967. ومثّله شغفٌ لافتٌ للانتباه في سوريا بكتاب عنوانه «اللامنتمي» للكاتب الإنكليزي كولن ويلسون، الذي كان قد تُرجم إلى العربية سنة 1958. وكان السوريون مفتونين قبل 1967 بوجوديّة «الالتزام» وأفكار جان بول سارتر وألبير كامو: أنّ الإنسان حرّ حتّى تجاه المجتمع الذي يعيش فيه، وأنّ حريّته مسؤولية. فاندمج هذا الالتزام الإيجابي مع أفكار التحرّر والنضال ضد الاستعمار والوحدة العربية وبناء الدولة الحديثة.

كانت هزيمة 1967، بالطبع، عسكريّة. احتلّت إسرائيل الجولان وسيناء والقدس الشرقيّة والضفة الغربية، ناهيك عن فلسطين التي كانت قد سُلِبت قبل ذلك. لكن الصدمة الأشدّ لم تكن في خسارة الأرض وحدها، بل في انهيار منظومة كاملة من اليقين ومن معاني الكلمات والمبادئ. هنا بدأ الاغتراب السوري الأول: ليس بأن يشعر الإنسان أنّه غريب عن مجتمعه، كما في بعض صور الاغتراب الوجودي، بل بأن يصبح غريباً عن اللغة التي كان يفهم مجتمعه والعالم من خلالها.

قبل النكسة كان السؤال الوجودي: كيف نصنع حريتنا؟ وبعدها أصبح السؤال: هل ما زلنا أصلاً قادرين على الفعل؟ كانت صدمة تاريخية جماعية. الكلمات بقيت، لكن معانيها انهارت. اللغة والمفاهيم هُزِمت أيضاً. وترسّخ شعورٌ بالعجز. وحتّى سارتر، رمز «الالتزام» لدى جيلٍ كامل، انحاز إلى إسرائيل. وتحوّلت كلمة «اللامنتمي» نفسها تقريباً إلى توصيفٍ لجيل بات يشعر بأنّه خارج العالم الذي يُفترَض أنّه ينتمي إليه.

انطلق أدونيس فور الهزيمة ليكتب «بيان 5 حزيران». وكتب صادق جلال العظم «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، وياسين الحافظ «الهزيمة والأيديولوجية المهزومة»، وسعد الله ونوس «حفلة سمر من أجل 5 حزيران». وأنشد نزار قباني «هوامش على دفتر النكسة»، مصرّاً على تسميتها نكسة لا هزيمة.

لكن الهزيمة، وهذا النقد القاسي للذات، لم يؤدّيا إلى مساءلة حقيقيّة للمجتمع والسلطة، وإعادة التفكير في المفاهيم والبنى المجتمعيّة القائمة. فقد كانت السلطة أسرع من النقد، فاحتوته، واستخدمت المفاهيم ذاتها لتبرير استبدادها وفرض ضبطٍ أشدّ قسوةً على المجتمع، تحت شعارات «المواجهة» و«الصمود» وغيرها. هكذا اتجهت شرائح واسعة من المجتمع، على مدى العقود التالية، إلى الاحتماء بمرجعيّات اجتماعية ودينية أكثر محافظةً. وكان الانتشار المتزايد للحجاب أحد المظاهر الاجتماعية لهذا التحوّل، لا سببه ولا تعبيره الوحيد.

وفي المقابل، بقيت مفردات التحرّر والعروبة حاضرة، لكن قيمتها الفعلية تآكلت وفقدت قدرتها على الإقناع. كان المواطن يسمع خطاباً عامّاً ويعرف أنّه لا يصف الواقع، والسلطة تعرف أنّه يعرف، لكنه يستمرّ في تكراره والتظاهر بالتصديق، وهي تستمرّ في التظاهر بأنّها مصدّقة. ويستمرّ الجميع في اللعبة. إنّه نوعٌ من السخرية الجماعية، وربما كان هذا أخطر من الكذب نفسه.

تحوّل الاغتراب بذلك إلى نوعٍ من الصلافة أو الكلبيّة (cynicism): أن يعرف الجميع أن الخطاب لا يطابق الواقع، ومع ذلك تستمرّ اللعبة لأن لا أحد يملك القدرة أو المصلحة في إيقافها. ومن هنا بدأ سقوط القيم الفكرية والاجتماعية والسياسية. فعندما يصبح النجاح في الحياة مرتبطاً بالقرب من السلطة أكثر من ارتباطه بالكفاءة، تصبح الكفاءة سذاجة. وعندما يصبح القانون قابلاً للالتفاف عليه، يصبح احترامه عبئاً. وعندما يرى الإنسان أن الشعارات الأخلاقية، وحتّى الدينيّة، لا تمنع أصحابها من ممارسة نقيضها، يبدأ هو نفسه بفصل الأخلاق عن السلوك. وهكذا يتحوّل السؤال من: «ما الصحيح؟» إلى: «ما الذي ينفع؟». ومن: «بماذا أؤمن؟» إلى: «ماذا يجب أن أقول كي أعيش؟».

التقط هاني الراهب في أدبه كيف تتآكل العلاقات الاجتماعية والإنسانية من الداخل، فيما وصف ممدوح عدوان وجهاً من وجوه هذا الاغتراب بـ«حيونة الإنسان».

ثم جاءت سنة 2011، وانفجر كل ما تراكم خلال عقود. كانت في بدايتها محاولة لاستعادة القدرة على الفعل، والقول إنّ التغيير ممكن، قبل كلّ الانقسامات والحروب والتدخّلات الخارجية التي أعقبتها. كانت محاولةً للخروج من شلل الحرية، لكنّ الأمر انتهى بكارثة.

دخل السوريون في تجربةٍ لم يعُد لفظ «الاغتراب» (alienation) القديم كافياً لوصفها. مدنٌ دُمِّرت، وأحياءٌ مُحيت، وعائلات تشتّتت، وملايين غادروا البلاد، وملايين نزحوا داخلها. معتقلون ومفقودون وقتلى ولاجئون، وجيلٌ كامل نشأ في أماكن لا يعرف فيها وطنه إلاّ من حكايات أهله.

في الاغتراب الكلاسيكي يشعر الإنسان بأنّه غريبٌ عن مجتمعه. أما السوري في سنوات الحرب فقد أصبح غريباً أحياناً عن بيته نفسه، وعن مدينته، وعن ذاكرته، بل وعن اللغة التي يستخدمها لتفسير ما يحدث. هل ما جرى «ثورة» أم «مؤامرة» أم «جهاداً» أم «حرباً على الإرهاب» أم «حرباً أهليّة»؟ هكذا لم يعُد السوريون مختلفين فقط حول المستقبل؛ بل أصبحوا مختلفين أيضاً حول تسمية الماضي والحاضر نفسيهما.

إقرأ على موقع 180  لا توافق عربياً على عودة دمشق.. و"التسعة" يجتمعون في عمّان خلال أسبوع

ثمّ سقطت السلطة الاستبداديّة إلى غير عودة. وبرز الأمل في أن يكون واحدٌ من أكبر أسباب الاغتراب السوري قد انتهى. وبالفعل انتهى عالمٌ كاملٌ. لكن نهاية عالم لا تعني تلقائياً ولادة عالمٍ آخر يستطيع الجميع الانتماء إليه.

القوى التي تصدّرت السلطة الجديدة في دمشق خرج جزءٌ أساسيّ من قياداتها من بيئة إسلامية جهادية، مرّت بتحولات فكرية وسياسيّة متعاقبة. وقد قام جانبٌ مهمّ من خطاب تلك البيئة، في مراحل سابقة، على تقسيمٍ صارمٍ للعالم بين معسكرات متعارضة، وعلى مفاهيم الولاء والعداء، وعلى موقفٍ شديد الارتياب من الغرب ومن كثيرٍ من أشكال التعدّد الديني والسياسي.

لكن السلطة تغيّر الأفكار، أو على الأقلّ تغيّر طريقة استخدامها. فسرعان ما أصبح المطلوب هو اعتراف الغرب، ورفع العقوبات، وجذب الاستثمار، وفتح السفارات، والحصول على الدعم الدولي. وأصبح خصوم الأمس شركاء لا غنى عنهم في بناء شرعية السلطة الجديدة.

ليس العيب هنا في الواقعية السياسية. فكلّ دولة تحتاج إلى العلاقات والمصالح والتسويات. ومن مصلحة سوريا فعلاً الخروج من العزلة وإعادة بناء البلاد والعلاقات مع العالم. لكنّ القصّة أعمق. إنها تكمن في الفارق الهائل بين يقين الأيديولوجيا حين تكون خارج السلطة وبراغماتيتها حين تصل إليها. فعندما يقال لجيل كامل إن قضيةً ما عقيدة لا تقبل المساومة، ثم تتحوّل عند اختبار السلطة إلى ملفّ تفاوض؛ وعندما يصبح من صُوّر بالأمس عدواً وجوديّاً شريكاً أساسيّاً مطلوباً اليوم؛ وعندما تتحول الحدود بين الحلال والحرام، والولاء والعداء، والمبدأ والمصلحة، إلى حدود شديدة المرونة، فإن المجتمع لا يتعلّم بالضرورة الواقعية.

إنّه يتعلّم شيئاً أكثر خطورةً: أنّ المبادئ ليست سوى أدوات مؤقتة، وألاّ يصدِّق أحداً. وهذا هو الاغتراب السوري الجديد. فبعد 1967 كان السوري يقول: «لقد هُزمنا وهُزمت آمالنا». وخلال عقود الاستبداد أصبح يقول: «لا أستطيع تغيير شيء». وخلال الحرب قال: «لم أعُد أعرف أين وطني». أما اليوم فقد يصبح السؤال: «هل هناك أصلاً شيء اسمه مبدأ؟ ودولة ووطن وشعب وقانون؟».

المجتمع الذي يؤمن بفكرة، مهما كانت متشدّدة، يستطيع أن يدخل في صراعٍ معها وأن يراجعها. أما المجتمع الذي يفقد الإيمان بفكرة المبدأ نفسها، فقد يصبح مستعداً لقبول أيّ شيء تقريباً ما دام يحقّق له الأمن أو المال أو النفوذ. وعندئذ تنهار الحدود الأخلاقية بين الوسيلة والغاية.

ليست المشكلة الكبرى اليوم فقط في كتابة دستور أو تشكيل حكومة أو الحصول على اعتراف دولي. التحدّي الأصعب هو إعادة بناء الإيمان بأنّ للكلمات معنى: أنّ القانون يعني القانون، وأنّ المواطنة لا تتغير بحسب الطائفة، وأن العدالة ليست انتقاماً، وأن الحرية ليست شعاراً مرحلياً، وأن امتلاك السلطة لا يمنح صاحبها احتكار الحقيقة.

بعد 1967 قرأ السوري «اللامنتمي» لأنّه شعر بالغربة في عالم لم يعُد يفهمه. أما بعد هذه الحرب الطويلة، فقد أصبح السؤال أشد قسوةً: كيف يستطيع الإنسان أن ينتمي من جديد إلى وطنٍ تغيّر فيه كل شيء، من دون أن يفقد حقّه في الشك، وذاكرته، وقدرته على التمييز بين المبدأ والمصلحة؟ ربما يكون هذا هو السؤال الوجودي السوري الحقيقي للمرحلة المقبلة.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
سمير العيطة

رئيس التحرير السابق للوموند ديبلوماتيك النشرة العربية؛ رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  "سلاح الفلسفة" في المناسبات العُمّالية.. أداة تجميل للرأسمالية!