“ثمة ثغرة قاتلة في «يوم الإنزال الاقتصادي» الذي أعلنت عنه إدارة دونالد ترامب أخيراً ضد إيران. فقد أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن حملة العقوبات والضغوط الأميركية الجديدة صُممت بهدف «قطع كل شريان اقتصادي يُبقي النظام الاستبدادي» في إيران على قيد الحياة. لكن أكبر شريان اقتصادي لإيران على الإطلاق، أي الصين، لم يرد اسمه.
لطالما كانت الصين أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن نحو 90 في المئة من صادرات النفط الإيرانية تتجه إليها عبر شبكة من «أساطيل الظل». كذلك تتيح الصين لإيران الوصول إلى «نظام المدفوعات بين المصارف عبر الحدود» (CIPS)، الذي يسهّل التحويلات المصرفية خارج منظومة الدولار الأميركي. وقد ارتفع حجم التعاملات عبر هذا النظام، منذ اندلاع الحرب على إيران، من 680 مليار يوان يومياً إلى 790 مليار يوان.
وعليه، إذا كانت الولايات المتحدة تريد بالفعل إلحاق ضرر اقتصادي بالغ بإيران، فلا بد لها من استهداف الصين.
لكن بكين لا تبدو مذعورة على الإطلاق. فعندما سُئل بيسنت مراراً، خلال مؤتمر صحافي، عما إذا كانت «عملية المنبوذ الاقتصادي» ستستهدف بكين، تجنّب الإجابة المباشرة ولم يذكر الصين بالاسم، مكتفياً بالقول: «لا أحد بمنأى عن العقوبات الأميركية».
وعندما سُئل عن سبب اكتفاء وزارة الخزانة بإطلاق التهديد بدلاً من فرض العقوبات مباشرة، أجاب بيسنت ببساطة: «لماذا أرغب في تفجير النظام المالي العالمي؟».
وبالنظر إلى فتور الرد الصيني، لا تبدو بكين شديدة القلق حيال الخطوات الأميركية الجديدة. فقد ندد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية بالإعلان الأميركي، واصفاً إياه بأنه «غير قانوني»، لكنه لم يذهب أبعد من ذلك بكثير.
ووصف محلل صيني، في مقال نشره «مركز معلومات الإنترنت الصيني»، وهو منصة إعلامية تابعة لمجلس الدولة، إعلان بيسنت بأنه «فعل نابع من العجز»، معتبراً أن الهدف منه يتصل بمعالجة الإحباط الداخلي الأميركي أكثر مما يتصل فعلياً بالضغط على إيران. كما أشارت وسيلة إعلام صينية خاصة إلى مدى غموض العقوبات الأميركية الجديدة وبطء تنفيذها.
ومع ذلك، سبق للصين أن أعلنت صراحة أنها سترد إذا استهدفت الولايات المتحدة شركاتها. والرئيس الصيني شي جين بينغ الذي زار مصر مؤخراً يدرك أن بلاده تمتلك القدرة على ذلك. وهذا أمر يدركه أيضاً، على الأقل، بعض المسؤولين في إدارة ترامب.
وقد سلّحت بكين نفسها، في الآونة الأخيرة، بإطار قانوني يتيح لها الرد. ففي أيار/مايو، فعّلت الصين للمرة الأولى سياستها الجديدة المعروفة بـ«قواعد الحجب»، رداً على العقوبات الأميركية المفروضة على عدد من أكبر مصافي النفط الصينية المستقلة.
وتشكل هذه القواعد، عملياً، حظراً قانونياً على امتثال أي شركة، داخل الصين أو خارجها، للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. وحتى الآن، اختارت بكين عدم إنفاذ هذه القواعد بصورة كاملة، لكنها تواصل إرسال الإشارات إلى واشنطن بأنها مستعدة لاستخدامها متى اقتضت الحاجة.
والأهم من ذلك أن الصين تعرف أنها تمتلك ورقة شديدة القوة.
فإلى جانب قدرتها على اتخاذ تدابير انتقامية مباشرة، تستطيع بكين أيضاً تصعيد منافستها مع واشنطن. ومن أقوى الأدوات التي تمتلكها حظر تصدير المعادن النادرة، وهي تعلم أنها قادرة على استخدام هذا السلاح مجدداً.
وقد أدى تجميد صادرات المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة في العام الماضي إلى توقف بعض قطاعات التصنيع الأميركية، ولا سيما الصناعات الدفاعية، وأجبر ترامب على التراجع سريعاً عن بعض إجراءاته المتعلقة بالرسوم الجمركية على الصين.
وأطلقت الولايات المتحدة تصريحات كبيرة بشأن تطوير سلاسل توريد بديلة، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في خفض اعتمادها الإجمالي على الصين. فهي تنافس عقوداً من الاستثمارات الصينية في قدرات تكرير ومعالجة هذه المعادن، فضلاً عن أن واشنطن نفسها نقلت، عن طيب خاطر، الكثير من عمليات المعالجة هذه إلى الخارج بسبب ما تسببه من تلوث شديد.
وفوق ذلك، تبدو الصين مستعدة بوضوح لاختبار مدى جدية تهديدات واشنطن.
فالولايات المتحدة فرضت بالفعل عقوبات على واحدة من أكبر مصافي النفط الصينية المستقلة، فضلاً عن 40 شركة شحن، فيما تستهدف الحزمة الأخيرة 60 وسيطاً أصغر حجماً. لكنها لم تستهدف حتى الآن المصارف الصينية الأكثر أهمية التي تدعم هذه المصافي، كما لم تحاول تفكيك المنظومة المعقدة التي تحول الصين من خلالها الأموال إلى إيران.
ومن وجهة نظر بكين، لا يتضمن الإعلان الأميركي الأخير ما يدل على وجود رغبة جدية في تصعيد نظام العقوبات.
وهذا يناسب الصين تماماً.
فالرئيس شي جين بينغ يحتاج إلى الاستقرار الاقتصادي كي يواصل إصلاح الاقتصاد الصيني، الذي يعاني منذ تداعيات جائحة كوفيد وانفجار فقاعة العقارات، والتحول به من الاعتماد على الصادرات نحو تعزيز الطلب الداخلي. ويتطلب ذلك علاقة مستقرة مع الولايات المتحدة.
وانطلاقاً من ذلك، تسعى بكين أيضاً إلى ضمان انعقاد القمة المقررة في أيلول/سبتمبر بين ترامب وشي جين بينغ في الولايات المتحدة.
ولن تفسر الصين أي عقوبات أميركية مؤثرة فعلياً إلا باعتبارها ذريعة لفتح جبهات جديدة في الحرب التجارية بين البلدين. وبغض النظر عن الطريقة التي تصوغ بها واشنطن المسألة، تنظر بكين إلى إيران باعتبارها عامل تشتيت عن علاقتها الثنائية المتوترة مع الولايات المتحدة.
وفي نهاية المطاف، لا تبدو الصين ولا الولايات المتحدة راغبتين في إعادة إشعال الحرب التجارية أو تصعيد التوتر بينهما.
وهذه الدينامية تصب، في المحصلة، في مصلحة إيران.
فإذا كانت الولايات المتحدة غير راغبة أو غير قادرة على ممارسة ضغط اقتصادي جدي ومنسق على أهم شريان اقتصادي لإيران، فلن يبقى أمامها سوى التعويل على أن يكون استمرار حصار الموانئ الإيرانية كافياً لتحقيق أهدافها، وذلك على الرغم من عقود أثبتت خلالها إيران قدرتها على الصمود أمام هذا النوع من الضغوط.
تدرك الولايات المتحدة أن خنق إيران اقتصادياً يتطلب الضغط على الصين أيضاً. لكن ما دامت إدارة ترامب تفضّل تفادي حرب تجارية جديدة، وتريد تجنب حظر صيني آخر لصادرات المعادن النادرة، فإن قبضة الضغط على إيران ستظل، في أفضل الأحوال، نصف محكمة”.
(*) ترجمة بتصرف عن “فورين بوليسي“
