من هنا يبرز السؤال حول وزن حركة عدم الانحياز ودورها وتموضعها العملي أمام التحديات القائمة والقادمة. ويرى البعض أن الحركة أصبحت جزءاً من الماضي، ولم يعد لها دور فاعل ومؤثر في عالم اليوم. فيما يرى آخرون أن الحفاظ على دور لها يتطلب التفكير بصورة عملية في أولوياتها أمام التحديات الجديدة، وهو سؤال سيبقى قائماً.
في سياق متصل، عقدت منظمة شنغهاي للتعاون قمتها الأخيرة مطلع هذا الشهر في قيرغيزستان. وكان الموضوع الأساسي كيفية تعزيز دورها ووزنها في النظام العالمي المتعدد الأقطاب الذي هو في طور التشكل، في «عالم ما بعد الحرب الباردة» وانتهاء «لحظة الأحادية الأميركية».
يأتي ذلك فيما تواجه الأمم المتحدة تحديات أساسية فرضتها المتغيرات الدولية. ويبرز بينها دور مجلس الأمن الدولي وضرورة توسيعه، ليصبح أكثر تمثيلاً لعالم اليوم، وبالتالي أكثر فاعلية في مواجهة تحديات مختلفة ومتزايدة. وما يزال هذا الموضوع مطروحاً على طاولة الحوار، بأشكاله المختلفة، على الصعيدين الدولي والإقليمي.
وفي السياق نفسه، تواجه المنظمات الإقليمية تحديات تتعلق بفاعليتها وقدرتها على خدمة الأهداف المشتركة الواردة في مواثيقها وقراراتها.
لقد اتسعت الفجوة بين إعلان الأهداف المشتركة والقدرة الفعلية على تحقيقها. ويعود ذلك، بصورة أساسية، إلى الاختلاف في السياسات والأولويات بين الدول الأعضاء.
وباتت هذه سمة تكاد تشمل مجمل المنظمات الإقليمية التقليدية، وتنعكس في ضعف سياساتها المشتركة أو غيابها على أرض الواقع.
ولعل أبرز الأمثلة هو الاتحاد الأوروبي، الذي اعتُبر طويلاً النموذج الأكثر نجاحاً وفاعلية في خدمة الأهداف التي قامت من أجلها المنظمة. لكن الظاهرة نفسها تتبدى أمامنا، وإن بدرجات متفاوتة، في منظمات إقليمية أخرى. نراها في الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة الدول الأميركية، على سبيل المثال لا الحصر.
فالحاجة إلى التعاون قائمة، بل تتزايد. لكن الفجوة تتسع بين الأهداف المعلنة والمتكررة وبين القدرة على ترجمتها إلى سياسات عملية.
لذلك، أصبح التعاون الفعلي اليوم أقرب إلى تعاون «بالقطعة». أي تعاون حول قضايا محددة يتوافر بشأنها توافق حقيقي يمكن ترجمته عملياً.
خلاصة الأمر أننا نعيش في ما يسميه البعض «القرية الكونية». وقد يكون وصفها بـ«المدينة الكونية» أكثر دقة، لأنه يعكس تعدد التمايزات وتنوع المصالح داخلها.
في هذه المدينة، لم يعد التعاون الفعلي ممكناً دائماً وفق صيغة واحدة. إنه يتطلب مقاربات مختلفة، وصيغاً وأشكالاً وسرعات متعددة للتعاون بين الدول الأعضاء في كل منظمة. فمصالح هذه الدول قد تلتقي في بعض القضايا وتتمايز في أخرى، من دون أن تتصادم بالضرورة.
لعل هذا أحد أهم دروس المرحلة وأبرز تحدياتها: كيف نبني تعاوناً مرناً وفاعلاً في عالم تتعدد فيه المصالح والأولويات والسرعات؟
والإجابة عن هذا السؤال باتت ضرورية لخدمة التعاون الدولي، أياً كان حجمه أو مجاله أو دوره في عالم اليوم.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
