السادات في سبتمبر الأخير.. عندما ضاقت السلطة بمصر

لم تكن محض مصادفة، أو سوء تقدير، حملة الاعتقالات الواسعة، التى شنها الرئيس الأسبق «أنور السادات» فى (5) أيلول/سبتمبر (١٩٨١) قبل (45) عاماً بالضبط. الضيق بالمعارضة اعتراف عملى بحجم التنازلات التى قدمت والاعتقالات الواسعة بدت علامة نهاية. شملت الاعتقالات (1500) شخصية عامة من كل الاتجاهات السياسية والدينية. بالمفارقة أطلقت عليها صفة «الثورة»!

«ما هذا القرار أيها الرجل؟ تعلن ثورة في 15 مايو(أيار) ثم تصفيها في 5 سبتمبر(أيلول)؟

تزج في السجن بالمصريين جميعًا، من مسلمين وأقباط، رجال أحزاب ورجال فكر؟

لم يعد في ميدان الحرية إلا الانتهازيون».

كانت تلك عبارة احتجاج على اعتقالات سبتمبر(أيلول)، أوردها «نجيب محفوظ» على لسان الجد الوفدي «محتشمي زايد» في روايته «يوم قتل الزعيم».

«ما هو إلا ممثل فاشل».

«صديقي بيجين.. صديقي كيسنجر.. الزي هتلر والفعل شارلي شابلن».

وكانت تلك صيحة رفض أوردها على لسان الحفيد الناصري «علوان فواز محتشمي».

برغم عنوان الرواية، التي أضفت صفة الزعامة على «السادات»، لا يوجد حرف واحد فيها يؤكد هذا المعنى.

بأثر النكسة ووطأة الانفتاح، عجز الحفيد عن إتمام زواجه من خطيبته، التي تشاركه الأفكار نفسها: «أعلنت الخطوبة في عهد الناصرية وواجهتنا الحقيقة في عصر الانفتاح».

«ـ هل ينفعنا قتل مليون؟».

«ـ قد ينفعنا قتل واحد فقط».

بنص الحوار بين الخطيبين اليائسين.

جرت إدانة عملية اغتيال «السادات» في ذلك النص الروائي على لسان الخطيبة «راندة سليمان مبارك»: «يا للفظاعة! ألا توجد وسيلة إلا القتل».

توقفت رحلة «السادات» في حادث المنصة الدموي، في 6 أكتوبر/تشرين الأول التالي، كأثر مباشر لاعتقالات سبتمبر(أيلول)، غير أن خياراته حكمت مصر بعده لأزمان طويلة تالية.

لم يكن الرجل هو الموضوع بقدر ما كان مشروعه المضاد.

لم تكن لدى «جمال عبدالناصر» ثقة كبيرة في ما قد يحدث بعده.

في رواية ملفتة للانتباه لرجل التصنيع الدكتور «عزيز صدقي»، بتاريخ 4 يوليو/تموز 2005، على صفحات جريدة «العربي»، فإن «عبدالناصر» قال له عام 1968: «إحنا مش هنعيش كتير.. واللي جاي بعدنا معرفش هيعمل إيه.. واللي أنت بتعمله مش هيقدروا يهدوه».

لم يكن ممكنًا لثورة بحجم «يوليو» أن تستمر بالتطور والتجديد والإضافة إذا لم يكن هناك نظام أكثر انفتاحًا على قواعد دولة القانون والمؤسسات والتعددية السياسية، مستقرًا على دستور يضمن أهداف الثورة ويصونها.

عند نهاية رحلة «السادات» تبدت مفارقتان:

الأولى؛ أن الذين اغتالوه في حادث المنصة هم من راهن عليهم مطلع سبعينيات القرن الماضي لضرب التيارين الناصري والماركسي.

بتعبير وزير داخليته «النبوي إسماعيل» (2003): «الجماعات الأصولية عفريت أخرجه السادات من القمقم ولم يعرف كيف يصرفه».

والثانية؛ أن الذين شاركوا في جنازته هم أنفسهم الذين حصدوا جوائز حرب أكتوبر (1973) على حساب الذين قاتلوا وضحوا على جبهات القتال لكي يرفع البلد رأسه من جديد.

في مطلع يناير/كانون الثاني (1981)، أشارت صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية إلى أن هناك تقريرًا جديدًا للاستخبارات الأميركية يوصي بالنص: «يكفي السادات عشر سنوات».

بعد عشرة شهور قُتل السادات في حادث المنصة!

بغض النظر عن أية أسرار وخفايا في قصة اغتياله، فإنه كانت هناك مصلحة إسرائيلية وأميركية في التخلص منه للوصول إلى نقطة استقرار مستدامة مع نائبه «حسني مبارك»، دون أية اضطرابات تتسبب فيها شخصيته.

الاغتيالات السياسية مدانة بذاتها، غير أنه من المثير ما تنبأ به شاعران كبيران قبل حادث المنصة الدموي في قصيدتين.

الأولى ـ قصيدة «البتاع» لـ«أحمد فؤاد نجم» في السبعينيات:

«باع البتاع بالبتاع

وعشان يعيش على طول

عيّن حرس بالبتاع

وبرضه مات مقتول».

والثانية ـ قصيدة «الجزر والمد» لـ«عبدالرحمن الأبنودي» في أوائل الثمانينيات:

«ارخي وشد..

لكن.. انشف..

ممكن يعملها خروف أعجف».

كانت البيئة السياسية مسممة بالكامل، وسيناريوهات العنف ماثلة في المشهد.

بأثر التجربة المريعة في حادث المنصة الدموي، تجنب الرئيس الأسبق «مبارك» سيناريو سبتمبر، أو أن يجد نفسه في صراع صفري مع كل أطياف الحياة السياسية.

في اعتقالات سبتمبر ضمت القائمة كل الفاعلين بالمشهد العام، كأنه اعتقال رمزي جماعي لكل ما يتحرك في الحياة في مصر.

كان من أبرز المعتقلين:

«محمد حسنين هيكل»، «فؤاد سراج الدين»، «فتحي رضوان»، «ميلاد حنا»، «شاهندة مقلد»، «لطيفة الزيات»، «محمود أمين العالم»، «حلمي مراد»، «عصمت سيف الدولة»، «صلاح عيسى»، «حمدين صباحي»، «أبوالعز الحريري»، «جابر عصفور»، «رشدي سعيد»، «عبدالمنعم تليمة»، «كمال أبوعيطة»، «عمر التلمساني»، «عبدالعظيم المغربي» و«عبدالعظيم مناف».

وصل التفلت العصبي إلى التحفظ على «البابا شنودة الثالث»، رأس الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في دير الأنبا «بيشوي»، بالإضافة إلى عدد من الأساقفة والكهنة الأقباط.

لمرة نادرة، ألمح «هيكل» إلى أسباب إلحاحه في معارضة «السادات»، التي وضعته على رأس المعتقلين: «هو ظني بأنني قمت بدور أساسي في مجيء السادات رئيسًا بعد رحيل جمال عبدالناصر، وبدور كذلك في تأييده بظروف أحاطت بمصر أيامها» ـ قاصدًا أحداث 15 مايو/أيار (1971)، التي تردد أنه مهندسها.

اختلف ـ أولًا ـ على الإدارة السياسية لحرب أكتوبر.

إقرأ على موقع 180  الصراع على القدس وفلسطين ببعده الديني.. نماذج الرحابنة وقباني وطوقان (1)

واختلف ـ ثانيًا ـ على التوجهات الاجتماعية الجديدة.

وقد كانت هناك صلة عند الجذور بين السلام مع إسرائيل والانفتاح الاقتصادي بالطريقة التي جرى بها.

«حاول السادات أن ينشئ طبقة جديدة تساند فكرة السلام».

«كان سؤال هنري كيسنجر: أين الطبقة الاجتماعية التي يمكن أن تسند أي تحول استراتيجي؟».

«وقد أسفر الانقلاب الاجتماعي عن خلق طبقة أكثر تدينًا وأقل أخلاقًا».

«في سنة 1975 كنت أمام وضع اجتماعي يتغير دون أن يقول لنا أحد من أين جاءت القطط السمان، ولا كيف حصلت على ثرواتها؟».

كان ذلك هو المشروع المضاد لكل ما مثلته يوليو، وقد وصل ذروته بتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد»، وعبّر عن عمق أزمته في اعتقالات أيلول/سبتمبر.

(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
عبدالله السناوي

كاتب عربي من مصر

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  شرعية القيادة.. ومحاذير الإنتقال من المنافسة إلى الصراع