من هنا تبرز فرضية تتجاوز في دلالاتها مسألة تأجيل الانتخابات أو إجرائها: هل يمكن أن يتحول توقيت الحرب والتسوية إلى جزء من إدارة الساعة الانتخابية الإسرائيلية؟
السؤال لا يعني افتراض أن بنيامين نتنياهو قرر إلغاء الانتخابات، ولا يسمح موضوعياً بالقول إن أي تصعيد عسكري يجري لأهداف انتخابية حصراً. لكن السياسة الإسرائيلية تفرض قراءة أكثر عمقاً: فالحكومة التي تواجه استحقاقاً انتخابياً بعد حرب طويلة، وتحقيقات ومساءلات سياسية وأمنية، وانقسامات داخلية، لا تنظر إلى الحرب والتسوية بمعزل عن أثرهما على مستقبلها.
وفي الحالة اللبنانية تحديداً، تصبح المسألة أكثر تعقيداً. فلبنان لا يدخل الحرب باعتباره طرفاً في الانتخابات الإسرائيلية، لكنه قد يجد نفسه متأثراً مباشرة بإيقاعها. وقد تتحول جبهته الجنوبية، إذا لم تُضبط قواعد الاشتباك، إلى مساحة تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية مع حسابات الردع والتفاوض والانتخابات.
وبذلك لا يعود السؤال فقط: متى تنتهي الحرب؟ بل يصبح أيضاً: من يملك قرار إنهائها، وبأي شروط، وكيف يمكن أن تُستخدم نتائجها وتطوراتها الميدانية في إعادة تشكيل المشهد السياسي الإسرائيلي؟
أولاً: بين الحرب والتسوية والانتخابات
أُعلن موعد انتخابات الكنيست في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بعد حل الكنيست، لتكون الانتخابات الأولى منذ هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تبعه من حروب ومواجهات امتدت من غزة إلى لبنان وإيران وساحات أخرى.
لكن مجرد تحديد الموعد لا يعني أن البيئة السياسية التي ستجري فيها الانتخابات قد استقرت. فالشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية لا تشبه المراحل السابقة. الحرب لم تعد حدثاً منفصلاً عن التفاوض، والتفاوض لم يعد بالضرورة مقدمة مباشرة للسلام. قد تبدأ المفاوضات تحت النار، وقد تستمر العمليات العسكرية لتحسين شروط التفاوض، وقد تتحول التسوية نفسها إلى وسيلة لتثبيت نتائج عسكرية وسياسية تحققت خلال الحرب.
وهنا تكمن أهمية توقيت الانتخابات. إذا جرت الانتخابات في ظل حرب مفتوحة، فقد تتحول إلى استفتاء على أداء الحكومة ومسؤوليتها عن الحرب وكلفتها ونتائجها. أما إذا جرت بعد تسوية واسعة أو إنجازات ميدانية قابلة للتسويق، فقد يحاول نتنياهو تقديم نفسه بوصفه القائد الذي قاد إسرائيل خلال أخطر مرحلة ثم نجح في تحويل القوة العسكرية إلى ترتيبات استراتيجية جديدة. وبين السيناريوهين، يصبح الوقت السياسي والميداني عنصراً من عناصر المعركة.
ثانياً: إلغاء الانتخابات ليس قراراً شخصياً
مع ذلك، ينبغي وضع الفرضية في إطارها الدستوري الصحيح. نتنياهو لا يستطيع بقرار شخصي إلغاء انتخابات الكنيست أو تمديد ولاية البرلمان والحكومة. فالقانون الأساسي: الكنيست يضع شروطاً استثنائية للتمديد، ولا يجعل مجرد وجود الحرب سبباً تلقائياً لتعليق الانتخابات. والتأجيل، إذا أصبح مطروحاً بصورة جدية، يحتاج إلى مسار تشريعي استثنائي وإلى أغلبية واسعة، بما يجعل الأمر مختلفاً تماماً عن قرار حكومي عادي.
وهذه النقطة جوهرية؛ لأن الحديث السياسي عن «إلغاء الانتخابات» قد يكون مضللاً. المسألة الواقعية هي إمكان تأجيلها استثنائياً إذا وجدت ظروف مادية تحول فعلاً دون إجرائها. أما تحويل الحرب إلى ذريعة دائمة لتأجيل الانتخابات، فيفتح باباً بالغ الخطورة: أن تصبح الحكومة قادرة على إنتاج حالة أمنية استثنائية تبرر بقاءها خارج الاستحقاق الانتخابي.
عندها تنقلب العلاقة بين الحرب والديمقراطية. ففي النظام الطبيعي، تخضع الحكومة لإرادة الناخب حتى في زمن الحرب. أما في السيناريو المعاكس، فقد تصبح الحرب نفسها وسيلة لتعليق المساءلة السياسية. ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: هل يستطيع نتنياهو إلغاء الانتخابات؟ بل: هل يمكن أن تتشكل ظروف استثنائية تجعل تأجيلها يبدو قانونياً وضرورياً، فيما يكون القرار في جوهره سياسياً؟
ثالثاً: لماذا قد يحتاج نتنياهو إلى الوقت؟
لا يحتاج نتنياهو بالضرورة إلى إلغاء الانتخابات حتى يستفيد من عامل الزمن. قد يكون تأجيل لحظة الحسم السياسي، أو الوصول إلى الانتخابات بعد إنجاز عسكري أو دبلوماسي، أكثر فائدة له من محاولة تعطيلها.
فالسابع من تشرين الأول/أكتوبر ترك جرحاً سياسياً عميقاً في صورة القيادة الأمنية الإسرائيلية. والسؤال حول مسؤولية الحكومة والأجهزة الأمنية لم يعد سؤالاً حزبياً عابراً، بل تحول إلى جزء من النقاش حول الدولة والأمن ومؤسساتها. كما تراكمت ملفات أخرى: الحرب الطويلة، الكلفة الاقتصادية، الخلاف حول تجنيد الحريديم، التحقيقات المتعلقة بالإخفاقات الأمنية، والمحاكمة في قضايا الفساد.
ومن هنا تصبح الانتخابات بالنسبة إلى نتنياهو أكثر من منافسة بين الليكود وأحزاب المعارضة. إنها، إلى حد كبير، اختبار شخصي لمستقبله السياسي. لكن في المقابل، لا تعني معارضة نتنياهو أن سقوطه محسوم. فالمشهد المعارض لا يزال متعدد القيادات والاتجاهات، ولا يكفي أن تتراجع شعبية نتنياهو كي تتشكل تلقائياً حكومة بديلة. فالنظام الانتخابي النسبي الإسرائيلي يجعل السؤال الحاسم هو القدرة على بناء ائتلاف يملك الأغلبية اللازمة للحكم.
ولهذا يحتاج نتنياهو إلى تحسين موقعه قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع. وقد يتحقق ذلك عبر أحد مسارين: انجاز عسكري يمكن تقديمه بوصفه استعادة للردع، أو تسوية إقليمية يمكن تقديمها بوصفها ثمرة مباشرة للحرب الإسرائيلية. وفي الحالتين، يصبح الوقت والتصعيد الميداني ثمينين للغاية.
رابعاً: تلة علي الطاهر والميدان الجنوبي في الحساب الانتخابي
هنا تكتسب الجبهة اللبنانية أهمية استثنائية، وتتجلى خطورة إقحام الميدان العسكري في البازار الانتخابي الإسرائيلي.
فالحرب على لبنان ليست بالنسبة إلى إسرائيل مجرد ملف حدودي، بل هي جزء من منظومة الردع وجزء من صورة الأمن الداخلي التي تقوم عليها شرعية أي حكومة. وفي هذا الإطار، يأتي التركيز الميداني والإصرار الإسرائيلي على السيطرة على مواقع استراتيجية حاكمة—وفي مقدمتها تلة علي الطاهر الاستراتيجية—ليطرح تساؤلات جديّة حول الوظيفة السياسية لهذا التصعيد. من هنا لا تُقرأ السيطرة على التلة في السياق التكتيكي والعسكري المباشر، بل تتحول في هذه اللحظة السياسية إلى عنصر محوري في إدارة “الساعة الانتخابية” لنتنياهو:
-صناعة ذريعة لاستمرار العدوان: توفر السيطرة على نقاط حاكمة مثل تلة علي الطاهر مبرراً ميدانياً متجدداً لإبقاء الجبهة اللبنانية في حالة احتكاك واشتعال دائمين، مما يمنح الحكومة الإسرائيلية الذريعة لمنع الوصول إلى استقرار ينهي حالة الحرب قبل موعد الاقتراع.
-إعادة بناء صورة الردع: يسعى نتنياهو عبر هذا الاختراق وإظهار السيطرة على موقع استراتيجي كـ”علي الطاهر” إلى تقديم إنجاز أمني وقائي ملموس للناخب الإسرائيلي، مفاده إبعاد التهديد المباشر والسيطرة على التلال الحاكمة لحماية المستوطنات الشمالية.
-تحويل الحرب إلى بند انتخابي رئيسي: مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي في إسرائيل، أضحت الحرب ومستجداتها الميدانية بنداً مركزياً في برنامج نتنياهو الانتخابي؛ حيث يُستغل التصعيد في تلة علي الطاهر لإعادة تقديم القيادة الحالية بوصفها حارسة الأمن القومي والوحيدة القادرة على فرض معادلات جديدة.
لكن الخطر قائم في الاتجاه المعاكس أيضاً. فالحرب الطويلة والسيطرة على مواقع مكلفة دون نهاية واضحة قد تعيد إنتاج الأسئلة نفسها التي طرحت منذ ثلاث سنوات: ماذا تحقق؟ ما الكلفة؟ لماذا استمرت الحرب؟ وما الذي يمنع تجددها؟
وهنا يصبح نتنياهو أمام معادلة دقيقة: الحرب القصيرة غير المحسومة قد لا تمنحه الانتصار الذي يحتاجه، والحرب الطويلة قد تمنحه الإنجاز العسكري الذي يبحث عنه لكنها تزيد كلفته السياسية. لذلك قد تصبح التسوية، أو تثبيت مكاسب ميدانية كـ”تلة علي الطاهر”، في لحظة معينة، أكثر فائدة انتخابية من استمرار العمليات الشاملة.
خامساً: التسوية ليست بالضرورة نهاية للحرب
من الخطأ افتراض أن التسوية الإقليمية تعني ببساطة الانتقال من الحرب إلى السلام. التسوية التي يجري البحث فيها قد تكون في جانب منها محاولة لتحويل النتائج العسكرية والسيطرة الميدانية إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
وقد تشمل غزة، ولبنان، وإيران، وسوريا، والبحر الأحمر، والعلاقات العربية ـ الإسرائيلية. في هذا السياق، لا يحتاج نتنياهو بالضرورة إلى اتفاق سلام شامل كي يقدم نفسه منتصراً. قد يحتاج إلى حزمة من النتائج القابلة للتسويق داخلياً:
-ترتيبات أمنية جديدة في غزة.
-إبعاد التهديد عن الحدود الشمالية والتمركز في نقاط استراتيجية حاكمة.
-ضمانات أميركية في مواجهة إيران.
-ترتيبات إقليمية جديدة وتوسيع دائرة التطبيع.
إذا تحقق ذلك، يستطيع نتنياهو القول للناخب الإسرائيلي إن الحرب لم تكن حرب استنزاف بلا نتيجة، بل كانت الطريق إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل. لكن التسوية تحمل خطراً على نتنياهو في الوقت نفسه؛ فأي اتفاق جدي سيفرض تنازلات قد لا تكون مقبولة بالنسبة إلى شركائه في اليمين الديني والقومي، مما يهدد تماسك ائتلافه الحاكم.
سادساً: هل يمكن أن يتحول التصعيد إلى أداة انتخابية؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية. ليس من الموضوعية القول إن كل تصعيد إسرائيلي سببه الانتخابات حصراً، فالأنشطة العسكرية لها أسبابها الميدانية والاستراتيجية. لكن الموضوعية نفسها تفرض مراقبة العلاقة بين التصعيد والساعة السياسية.
إذا اقترب موعد الانتخابات وحدث تصعيد واسع في الجنوب اللبناني—كالتركيز على تلة علي الطاهر ومحيطها—أو مواجهة جديدة في غزة، فإن السؤال المشروع سيكون: هل فرضت التطورات الميدانية نفسها على الحكومة، أم أن الحكومة تستخدم هذه النقاط الميدانية والتصعيد لإعادة صياغة البيئة الانتخابية؟
الفارق بين الأمرين يتحدد بمراقبة القرارات: أهداف العمليات، مدتها، شروط وقفها، وتوقيت الإعلان عن الإنجازات الميدانية. فالخطر الحقيقي هو أن تصبح استمرارية الحرب وتوسيع نقاط التماس مرتبطين باستمرارية السلطة والبقاء السياسي.
سابعاً: لبنان ليس تفصيلاً في المعادلة الإسرائيلية
بالنسبة إلى لبنان، تكمن الخطورة في أن يصبح الجنوب اللبناني وقراه وتلاله الاستراتيجية—مثل تلة علي الطاهر—جزءاً من الحساب الانتخابي الإسرائيلي والبازار السياسي في تل أبيب.
فإذا اقتربت الانتخابات ولم تحقق الحكومة الإسرائيلية اتفاقاً تستطيع تسويقه داخلياً، قد يصبح التصعيد والتمسك بالنقاط الحاكمة وسيلة لرفع سقف التفاوض وإعادة تثبيت صورة الردع. وفي المقابل، إذا استطاعت إسرائيل الوصول إلى ترتيبات أمنية واسعة، فقد يحاول نتنياهو تقديمها باعتبارها انتصاراً يثبت أن الحرب حققت هدفها.
وفي الحالتين، يجب ألا يسمح لبنان بتحويل حقوقه السيادية وتلاله إلى أوراق تفاوضية مرتبطة بمستقبل حكومة إسرائيلية. فالانتخابات الإسرائيلية مؤقتة، والحكومات تتغير، لكن مصالح لبنان وحدوده وسيادته تبقى ثابتة. ومن هنا ينبغي أن يقوم الموقف اللبناني على ثوابت واضحة: وقف الاعتداءات، الانسحاب الإسرائيلي الكامل، حماية السيادة اللبنانية، تثبيت مرجعية الدولة، وتطبيق القرارات الدولية بصورة متوازنة.
ثامناً: السيناريو الأكثر ترجيحاً
يبدو سيناريو الإلغاء الكامل أو التأجيل الطويل للانتخابات الإسرائيلية ضعيفاً ما لم تقع ظروف استثنائية قاهرة. الأكثر ترجيحاً هو أن يحاول نتنياهو التأثير في البيئة التي ستجري فيها الانتخابات عبر:
-التحكم بإيقاع العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية.
-استغلال السيطرة على المواقع الحاكمة كتلة علي الطاهر لتبرير استمرار الحالة الأمنية.
-إدارة توقيت الاتفاقات وإظهار الإنجازات في اللحظة المناسبة لتقديم نفسه كقائد مجرب.
وهذا أكثر واقعية من محاولة تعطيل الاستحقاق الانتخابي بصورة مباشرة. فنتنياهو لا يحتاج إلى إلغاء الانتخابات إذا استطاع الوصول إليها في اللحظة الميدانية والسياسية التي يعتقد أنها الأفضل له.
خاتمة: عندما يصبح الزمن والميدان جزءاً من الحرب
إن فرضية إلغاء انتخابات الكنيست أو تأجيلها ليست مجرد قرار إداري، بل مدخل لفهم العلاقة المتزايدة بين الحرب والسياسة في إسرائيل. فنتنياهو قد لا يملك القدرة القانونية المطلقة على التلاعب بموعد الانتخابات، لكنه يملك القدرة السياسية والعسكرية على إدارة التوقيت والميدان.
ومن هنا، تصبح السيطرة على مواقع مثل تلة علي الطاهر والتحكم بجبهة لبنان جزءاً من معادلة أوسع تقاطع فيها اعتبارات الردع، الأمن، التفاوض، والانتخابات.
لكن لبنان لا يستطيع أن يبني خياراته على توقيت الانتخابات الإسرائيلية أو البازار السياسي الإسرائيلي. ما يحتاجه لبنان هو استراتيجية دولة صلبة لا تتغير بتغير الحكومات في تل أبيب، وتفاوض متمسك بالحقوق والسيادة، وموقف وطني يفصل بين الحقوق اللبنانية الثابتة وبين الحسابات الشخصية والانتخابية لنتنياهو أو غيره.
وفي النهاية، قد لا تكون المعركة الحقيقية حول موعد الانتخابات الإسرائيلية، بل حول أي إسرائيل ستذهب إلى الاقتراع، وأي لبنان سيخرج من هذه المواجهة، وأي شرق أوسط سيولد من رحم التوازنات الجديدة. فإذا كانت المعارك العسكرية تعيد رسم حدود القوة، فإن إدارة التوقيت والميدان هي التي تملأ بياض السياسة.
