مؤخراً، طالعنا الرئيس ترامب بتصريحات تفيد بأن الحرب مع إيران سوف تنتهي قريباً، وربما حول موعد الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، وستكون، حسب قوله، «نهاية جيدة جداً للولايات المتحدة ونهاية سيئة لإيران». وكان لافتاً للانتباه في كلام ترامب حديثه عن أن الحرب ستدخل «مرحلة مختلفة» خلال فترة قصيرة. وكان قد قال، في تصريح آخر، إن الحرب ستنتهي «مباشرة بعد» الانتخابات النصفية.
ويُلاحظ أن نائب الرئيس جي دي فانس أصبح، في الآونة الأخيرة، يردد كلام ترامب ويؤكد عليه، وغابت عنه استقلاليته النسبية التي بدت خلال الفترة الماضية؛ فإذا به يلتصق سياسياً برئيسه، ويذكرنا بنواب الرئيس في العالم الثالث الذين يُبالغون في التأكيد على ما قاله الرئيس قبلهم!
وقال فانس، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» على متن الطائرة الرئاسية Air Force Two، إن الرئيس ترامب محق في توقعه دخول الحرب «مرحلة مختلفة تماماً» خلال شهرين تقريباً. وأوضح أن المرحلة المقبلة ستتركز، وفق تصوره، على منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والعسكرية. وأضاف: «لا يمكننا التنبؤ بما يجري في المستقبل، لكنني أعتقد أن الرئيس محق في قوله إن هذا الأمر سيدخل مرحلة مختلفة تماماً خلال شهرين».
فما هي هذه «المرحلة المختلفة» التي تحدث عنها ترامب وأيدها وروّج لها نائبه فانس؟
بداية، نستعرض بإيجاز ماذا فعل ترامب في مراحل الحرب السابقة.
مفاجأتان سبقتا الحرب
المفاجأة الأولى وقعت في حزيران/يونيو 2025، عندما كان موعد جديد للمفاوضات مقرراً في 15 حزيران/يونيو، فيما بدأت إسرائيل هجومها في 13 حزيران/يونيو، قبل أن تنضم الولايات المتحدة بعد نحو أسبوع إلى العمليات وتقصف منشآت نووية إيرانية، بينها فوردو، باستخدام قاذفات B-2 Spirit وقنابل خارقة للتحصينات.
أما المفاجأة الثانية فجاءت عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران يوم السبت 28 شباط/فبراير من العام الحالي، بينما كانت هناك اتصالات وتحركات دبلوماسية مستمرة بشأن جولة جديدة من جولات المفاوضات النووية.
وفي كل مرة، كان الهجوم يستهدف بنك أهداف قيادية في إيران، من الجيش والاستخبارات والحرس الثوري والعلماء النوويين. وفي المرة الثانية، قُتل مرشد الثورة علي خامنئي، رأس الهرم السياسي في البلاد، ومعه نخبة من القادة.
واكتسب ترامب ثقة زائدة بالنفس عندما قُتل هذا العدد الكبير من القادة الإيرانيين، وقوبل تلقيه نبأ اغتيال خامنئي خلال حفل عشاء بتصفيق الحضور، فيما يشبه التصفيق للشريف، قائد الشرطة، في أفلام الوسترن الاميركية.
ثلاثة عشر ألف هدف.. ولكن الحرب استمرت
في أحد التقديرات الرسمية للعمليات العسكرية، أعلن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الاميركية، أن القوات الاميركية ضربت أكثر من ثلاثة عشر ألف هدف في إيران. كما كرر ترامب مراراً أن قواته دمرت جزءاً كبيراً من البحرية الإيرانية ومنظومات الدفاع والصواريخ ومصانع الأسلحة والبنية النووية الإيرانية.
لكن هذه الصورة لا تكتمل من دون التوقف عند الخسائر المدنية. فقد خلصت بعثة أممية لتقصي الحقائق إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن ضربة اميركية استهدفت مدرسة «شجرة طيبة» في ميناب شكّلت جريمة حرب، وقالت إن أكثر من 150 شخصاً قُتلوا فيها، بينهم 120 طفلاً.
كذلك أغرقت غواصة اميركية الفرقاطة الإيرانية IRIS Dena قبالة سواحل سريلانكا، أثناء عودتها من تمرين بحري في خليج البنغال. وكان على متن السفينة نحو 180 شخصاً، وأعلنت السلطات السريلانكية مقتل العشرات وإنقاذ 32 شخصاً.
ويُضاف إلى ذلك ما أصاب منشآت ومبانٍ مدنية وثقافية ومعالم أثرية تاريخية خلال حرب واسعة امتدت آثارها إلى أنحاء متعددة من إيران.
الصواريخ الإيرانية بددت وهم الحسم
اعتقد ترامب وحلفاؤه، وخصوصاً نتنياهو وبعض العنصريين في الولايات المتحدة، أن الأمور انتهت. لكن الصواريخ التي تمكن الإيرانيون من إطلاقها باتجاه إسرائيل واستمرار قدرة طهران على الرد أظهرا أن الحرب لم تُحسم.
ولا شك أن استمرار القصف الصاروخي الإيراني، ولو بوتيرة متواضعة، دفع ترامب إلى البحث عن نصر يأتي إما من الميدان وإما من مفاوضات مباشرة مع إيران؛ لأن استمرار الحرب مدة طويلة يضرب مصداقيته، وهو الذي قدم نفسه باعتباره الرجل الذي جاء لإنهاء «الحروب التي لا نهاية لها» Endless Wars، فإذا به يبدأ حرباً لا تبدو نهايتها قريبة.
وقد أكدت تقديرات استخبارية وعسكرية اميركية خلال الحرب أن إيران احتفظت بجزء من قدراتها الصاروخية برغم الضربات الكثيفة، وذهب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني الجنرال محسن رضائي إلى الحديث عن منظومات صاروخية جديدة في مقابلته الأخيرة مع “الجزيرة”.
هنا نعود إلى السؤال الأساسي: ما هي «المرحلة المختلفة»؟
ما الذي يمكن أن تعنيه «المرحلة المختلفة» التي يتحدث عنها ترامب، ويروج لها فانس، ويتوقعان دخولها خلال نحو شهرين؟
لا توجد حتى الآن معلومات علنية تسمح بحسم المقصود. وفانس نفسه لم يوضح ما إذا كان التعبير يعني تصعيداً عسكرياً جديداً، أو خفضاً للعمليات، أو انتقالاً أكبر إلى الضغط الاقتصادي ومنع إيران من إعادة بناء قدراتها.
لكن، من زاوية عسكرية، يمكن تصور مجموعة من السيناريوهات، متفاوتة الاحتمال والخطورة:
أولاً؛ السلاح النووي التكتيكي:
السيناريو الأكثر خطورة هو اللجوء إلى أسلحة نووية تكتيكية ذات قدرة تدميرية هائلة وتأثير إشعاعي وحراري، لاستهداف منشآت محصنة أو مواقع يعتقد أنها تضم قدرات صاروخية أو صناعات عسكرية.
يبقى هذا احتمالاً بالغ التطرف، لأن استخدام السلاح النووي سيغيّر طبيعة الحرب والنظام الدولي كله، ويطلق تداعيات يصعب ضبطها عسكرياً وسياسياً.
ثانياً؛ «أم القنابل»:
هناك أيضاً إمكان توسيع استخدام الأسلحة التقليدية شديدة التدمير، ومن بينها قنبلة GBU-43/B Massive Ordnance Air Blast – MOAB، التي عُرفت إعلامياً باسم Mother of All Bombs، أي «أم القنابل».
هذه القنبلة طُوّرت واختُبرت عام 2003، لكن أول استخدام قتالي لها كان في نيسان/أبريل 2017 ضد مجمع أنفاق لتنظيم «داعش ـ خراسان» في أفغانستان. وهي من أقوى الذخائر التقليدية غير النووية في الترسانة الاميركية.
ثالثاً؛ الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية:
سيناريو آخر يتمثل في توسيع الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية: خلق أهداف وهمية وإظهارها كحقيقية، وخداع منظومات الاستطلاع والاستخبارات، والتسلل إلى أجهزة القيادة والسيطرة والاتصالات في إيران، وتنفيذ عمليات لم تكن ممكنة بالوسائل التقليدية.
وهذا المجال ربما يكون أكثر واقعية من السيناريوهات الأكثر تطرفاً، لأن العمليات الحديثة باتت تعتمد بصورة متزايدة على الدمج بين الاستخبارات والفضاء والسيبرانية والذكاء الاصطناعي.
رابعاً؛ الكيميائي والبيولوجي السيناريو الأشد خطراً:
يبقى احتمال استخدام الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية بالغ الخطورة ومنخفض الاحتمال، لأن أي انتقال إلى هذا المستوى سيغيّر الوضع الدولي بصورة دراماتيكية، ويفتح الباب أمام ردود فعل يصعب احتواؤها.
فالأسلحة الكيميائية استُخدمت على نطاق واسع في الحرب العالمية الأولى، وظهرت لاحقاً في نزاعات أخرى، وأي عودة إليها في حرب بين الولايات المتحدة وإيران ستعني تجاوز خط دولي بالغ الخطورة.
خامساً؛ عملية واسعة النطاق:
أضاف ترامب مؤخراً كلاماً عن احتمال عملية واسعة النطاق ضد إيران.
صحيح أنه أخضع إيران لحصار بحري شديد يهدف إلى تضييق الخناق عليها اقتصادياً، لكن وصف أي عملية بأنها «واسعة النطاق» قد يفتح نظرياً الباب أمام عمليات إنزال جوي، أو محاولات للسيطرة على نقاط استراتيجية، أو عمليات إبرار على الساحل الإيراني في الخليج وبحر عُمان، أو استخدام قوات خاصة من اتجاهات غير متوقعة.
هذه الاحتمالات تبقى تقديرات نظرية، ولا توجد معلومات علنية تثبت أن قراراً اميركياً اتُخذ بتنفيذ أي منها.
أسابيع من الانتظار
سوف ننتظر ما تبقى من الشهرين الفاصلين عن موعد الانتخابات النصفية لنعرف ما هي «المرحلة المختلفة».
وفي هذه الفترة، علينا الحذر من كل ما يمكن تصنيفه «مختلفاً» في الحرب، ولا سيما إذا كانت إيران نفسها تخطط لمفاجآت عسكرية مقابلة، على غرار المفاجأة اليمنية في الساحل الغربي.
أي انتقال إلى مستوى جديد من التصعيد يمكن أن يقلب الأوضاع في غرب آسيا، ويضع النظام الأمني الإقليمي والدولي أمام اختبار بالغ الخطورة.
قديماً تحدث الكاتب المصري الكبير الراحل محمد حسنين هيكل عن «خريف الغضب» ويبدو أن هذا الخريف يقترب منا الآن أكثر من أي وقت مضى.
