“الدعم” آخر أوراق النظام الزبائني اللبناني قبل “الصولد” الكبير

دعا رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري اللجان النيابية المشتركة في مجلس النواب إلى جلسة تعقد قبل ظهر غد (الأربعاء) لدرس موضوع الدعم والاحتياطي الالزامي لمصرف لبنان.

من حيث الشكل، فان المدعوين يمثلون كل الطبقة السياسية الحاكمة (والمتناحرة في آن)، كما حصل في جلسة اقرار توصية التدقيق الجنائي الشهيرة في توسيع “بيكارها” حد شمول الجميع بخطر ذلك التدقيق على قاعدة “كلنا يعني كلنا” غير القابلة للتصديق، أي أن العصفور أكبر من القفص، وما أقر ليس إلا وهماً في شراء وقت لم يعد في قوسه من منزع، برغم الفصل الأخير المتمثل في كتاب التمني الموجه من وزير المال غازي وزني إلى حاكم مصرف لبنان للتجاوب مع قرار مجلس النواب!

وفي الشكل أيضاً، للمدعوين إلى الجلسة قواعد شعبية فقيرة تريد الدعم ولا تقوى على الغائه او حتى ترشيده، بعدما انهارت قوتها الشرائية ولامست أدنى مستوى منذ أكثر من 20 سنة، بفعل هبوط الناتج من 54 مليار دولار الى 18 ملياراً فقط وفقاً لحسابات صندوق النقد الدولي.

فالنتيجة المتوقعة هي توصية “فهلوة”جديدة لشراء الوقت ريثما تتألف الحكومة وتبدأ مفاوضة صندوق النقد الدولي للحصول على جرعة اوكسيجين مالي تحول دون اختناق النظام الذي يعلم أن “الدعم” آخر الأوراق المتبقية في جيبه الزبائني المفخوت.

أما في المضمون، فيجدر تسطير بعض الملاحظات كالآتي:

أولاً، ما يسمى “دعماً” ليس كذلك بالمعنى الاقتصادي للكلمة. فالدولة لا تشتري بسعر السوق لتعيد البيع بسعر اقل للفئات المحتاجة إلى دعم. بل هو استمرار في تأمين دولار من مصرف لبنان  بسعر 1500 ليرة للمحروقات والأدوية والقمح و3900 ليرة (سعر منصة مصرف لبنان) لزوم استيراد عدد من المواد الغذائية، وهذا ليس بين أدواره المحددة بوضوح في قانون النقد والتسليف. اذاً، المشكلة هي في سعر الصرف بالدرجة الأولى، وليست في تحديد الأكثر حاجة لتأمين قوت يومهم أو حاجة استهلاكهم الأساسية. لذا، يدعو صندوق النقد الدولي الى توحيد اسعار الليرة والمشتتة حاليا بين 1500 و3900 ونحو 8000 ليرة للدولار الواحد.

فمهما كانت نتيجة اجتماع الغد، يبقى الاستحقاق الحقيقي، برأي صندوق النقد، مؤجلاً الى حين ليس ببعيد، بانتظار اتفاق على شرائح الفقراء المحتاجين لدعم مالي ببطاقة قوامها نحو مليون ليرة شهرياً لكل عائلة توزع على 500 ألف عائلة فقيرة، ثم تترك الأسعار حرة نسبياً بارتباطها بسعر الصرف المرن الذي سيعتمد مستقبلاً سواء أكان  4000 او 5000 ليرة للدولار الواحد.

استمرار “الدعم” على النحو القائم حالياً يؤدي الى نفاد الاحتياطي الالزامي سريعاً، وهذا ما سيفاقم الأزمة الى حد يصعب معه أي شراء إضافي للوقت بإنتظار الدعم الخارجي الذي بات مشروطاً بقساوة إصلاحية هذه المرة، وليس متروكاً على غاربه بشيكات على بياض

ثانياً، السيناريو المذكور يعني انفاق نحو مليار دولار سنوياً (بالليرة اللبنانية) لمساندة الفقراء بدلاً من نزف 8 الى 9 مليارات دولار من الاحتياطي الإلزامي لتغطية استيراد المحروقات والدواء والطحين وسلع غذائية أخرى يستفيد منها الغني أكثر من الفقير بالنظر الى فرط استهلاكه قياسا باستهلاك أقل بكثير للطبقات الفقيرة.

ثالثاً، استمرار “الدعم” على النحو القائم حالياً يؤدي الى نفاد الاحتياطي الالزامي سريعاً، وهذا ما سيفاقم الأزمة الى حد يصعب معه أي شراء إضافي للوقت بانتظار الدعم الخارجي الذي بات مشروطاً بقساوة إصلاحية هذه المرة، وليس متروكاً على غاربه بشيكات على بياض كما ساد الأمر منذ مؤتمر باريس واحد في 2001.

رابعاً، تعرف الطبقة السياسية أن ساعة الحقيقة تقترب، وأن عليها التضحية بشيء ما لضمان استمرار بقائها. وهنا عودة الى قضية توزيع الخسائر التي يتجنبها الجميع حتى الآن، ولا مهرب من استحقاقها عاجلاً أم آجلاً على حساب المصرفيين وكبار المودعين وكل من استفاد من الفوائد الخيالية التي دفعت في الهندسات المالية وفي سندات الدين العام. وكما هو واضح، فان الدعم مرتبط أيضاً باستحقاقات أخرى والقرار بشأنه ليس عزفاً منفرداً. فالأزمات مترابطة متناسلة ولا علاج موضعياً بعد اليوم، ولا مناص من استخدام المبضع الذي استخدمته خطة حكومة حسان دياب (لازار) مهما ناور المناورون برأي صندوق النقد الدولي.

خامساً، هناك ارتباط عضوي بين ما يسمى “دعماً” وبين تعرفة الكهرباء، فشراء الفيول بدولار سعره 1500 ليرة يقترب من نهايته. وبالتالي على اللبنانيين ترقب رفع التعرفة وفق شرائح تذهب صعوداً مع زيادة الاستهلاك وفقاً لـ”روشتة” صندوق النقد.. خلاف ذلك سيعني انقطاع الخدمة جزئياً او كلياً بعد نفاد الدولارات المطلوبة للصيانة والاستثمار والفيول.

سادساً، في الشأن الصحي، المشكلة أكبر واكثر تعقيداً. وهذا ما تنبهت له احزاب مثل التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية التي اطلقت في الأيام القليلة الماضية مبادرات على هذا الصعيد لتخفيض فاتورة باهظة كان باستطاعتنا دفعها  أيام “العز الوهمي”، وبتنا اليوم عاجزين حيالها مع نقص الدولارات ودخول عصر التقشف. إذ لم نعد نملك ترف التطلع الى خدمات صحية سويدية، بل علينا الاقتناع بخدمات تشبه تلك التي في مصر وسوريا والهند، مع ما يعني ذلك من اعتماد على أدوية وطبابة أقل كلفة (بالدولار) من التي نعتمدها حالياً.

ظهور منتجات غذائية مدعومة في سوبرماركات الكويت وغانا وربما أوستراليا غداً يعيد طرح النقاش بشكل آخر، ليس لتحميل التجار وزر الجشع وحسب بل للاقرار بأن المنافذ الشرعية مثل المطار ومرفأ بيروت عبارة عن بؤر فساد تحرم مافياتها الدولة من ايرادات بنحو 500 مليون دولار سنوياً

سابعاً، لن يخلو النقاش في اجتماع اللجان المشتركة غداً (الأربعاء) من تناول مسألة حق المودعين في ما تبقى لهم من دولارات في مصرف لبنان. وفي هذا الإطار وجهات نظر متضاربة بين من يمعن في انكار كارثة المودعين ويطلب استمرار الدعم على النحو المعمول به حتى آخر سنت، وبين من يدعي سمع نداءات المودعين ويرغب في الظهور بمظهر المدافع عنهم والمحافظ على ما تبقى لهم.

إقرأ على موقع 180  خطأ بايدن "القاتل".. خطآن استراتيجيان

 وفي الحالتين، ثمة شعبوية لم تعد تنطلي على أحد بعد انكشاف نوايا من طرح ووافق على التدقيق الجنائي الشامل في حسابات الوزارات والمصالح المستقلة والمجالس والصناديق والمؤسسات العامة بالتوازي مع التدقيق في حسابات مصرف لبنان. وما كلمة “بالتوازي” إلا محاولة لتمييع التدقيق أو تأجيله أو الدفع نحو استحالته أو الرهان على متاهات دهاليزه الكفيلة بتطييره عن بكرة أبيه (مثلاً من اية إدارة سيبدأ التدقيق ومن أية فترة وحتى أية فترة؟).

ثامناً، أما “حزب المصرف” فله رأي واضح مفاده وقف الدعم فوراً، وهو في ذلك صادق ووفي لأنانيته التي تحمّل الدولة وحدها حجم الكارثة وخسائرها، ويطالب بـ”أمواله” كاملة حتى لو إقتضى الامر وضع يده على املاك عامة بعنوان “الصندوق السيادي”. وحاكم مصرف لبنان ليس بعيداً عن هذا الحزب في المبدأ، لكنه يفضل الاستمرار في إرضاء حماته السياسيين الذين ما برحوا يدافعون عنه ويحمونه حتى يومنا هذا.

تاسعاً، سيثير بعض النواب قضية التهريب وأثره السلبي على الدولارات اللازمة للاستيراد والدعم. ولن تخلو تلك الاثارة من تصويب سياسي ما، على أساس اتهامات جاهزة ضد حزب الله في هذا المجال الذي يعتقد مناوئوه أنه شريك فيه مع النظام السوري ومستغلي المعابر غير الشرعية. لكن ظهور منتجات غذائية مدعومة في سوبرماركات الكويت وغانا وربما أوستراليا غداً يعيد طرح النقاش بشكل آخر، ليس لتحميل التجار وزر الجشع وحسب بل للاقرار بأن المنافذ الشرعية مثل المطار ومرفأ بيروت عبارة عن بؤر فساد تحرم مافياتها الدولة من ايرادات بنحو 500 مليون دولار سنوياً، وفقاً لمصادر وزارة الخزانة الأميركية.

عاشراً، لن يغيب عن ذهن اللجان النيابية المشتركة ما آلت اليه اكذوبة التحقيق الجنائي الشامل، وما بدأ تناوله على الصعيد الدولي من ضرورة البدء بتدقيق جنائي في حسابات مصرف لبنان أولاً، كما أكدت مصادر رسمية فرنسية وأميركية لصحيفتي “لوموند” الفرنسية و”وول ستريت جورنال” الأميركية. فلم تعد المسألة فولوكلوراً محلياً، بل نحن تحت مجهر رصد دولي يحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم. ولا فكاك منه اذا اردنا دولارات إنقاذية لاقتصادنا المنهار. خلاف ذلك يعني أن المجتمع الدولي سيهملنا ويدع الاهتراء ينهش قلب نظامنا بعد تآكل أطرافه، وهذا أدهى وأمر من أية عقوبات يتلهى بأخبارها المصطادون في المياه العكرة لحسابات سياسية آسنة.

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  الإسرائيلي "عميت" من تجنيد عملاء في لبنان إلى "حلوى الإدمان"