هذا الدور قائم بالفعل من خلال قاعدة «بيتوفيك» الفضائية، التي تشكل عقدة مهمة في منظومة الإنذار المبكر الأميركية. فالرادار المطوّر للإنذار المبكر الموجود في القاعدة يؤدي ثلاث مهمات أساسية: الإنذار الصاروخي، ودعم الدفاع الصاروخي، والوعي بالمجال الفضائي. وهو قادر على اكتشاف الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والصواريخ الباليستية المطلقة من البحر التي قد تهدد الولايات المتحدة أو كندا، كما يسهم في تتبع الأجسام الموجودة في المدار حول الأرض.
وتضم «بيتوفيك» أيضاً إحدى عقد شبكة التحكم الأميركية بالأقمار الصناعية، وهو ما يجعل أهميتها تتجاوز مفهوم «القاعدة العسكرية» التقليدي إلى وظيفة أكثر تعقيداً تجمع بين الإنذار الصاروخي والمراقبة الفضائية والاتصالات والتحكم بالأصول الموجودة في المدار.
ومن هنا يمكن فهم القيمة الحقيقية لغرينلاند.
فوفقاً للمنظور الدفاعي الأميركي، يمكن أن تأتي التهديدات عبر الاتجاه القطبي والمحيط المتجمد الشمالي. وكلما اقترب المستشعر من اتجاه التهديد، اتسعت نافذة الإنذار المتاحة أمام القيادة لاتخاذ القرار. ولذلك، فإن وجود الرادارات في غرينلاند لا يعني بالضرورة اعتراض الصواريخ فوق الجزيرة، بل إن وظيفتها الأساسية تبدأ قبل ذلك: الاكتشاف والتتبع وتحديد طبيعة التهديد وإرسال البيانات اللازمة لدعم القرار الدفاعي.
وتزداد أهمية هذه الوظيفة مع تطور الصواريخ وارتفاع سرعتها وتعقيد مساراتها، إذ تصبح الثواني والدقائق الإضافية التي يوفرها الإنذار المبكر ذات قيمة استراتيجية كبيرة. وفي هذا السياق، تتكامل غرينلاند مع منظومات الرصد والإنذار والدفاع الصاروخي الأميركية، ومع القيادة المشتركة للدفاع الجوي لأميركا الشمالية «نوراد».
لكن الاتفاق الجديد الذي وقعته الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند في نيويورك، في 22 أيلول/سبتمبر 2026، ينقل المسألة إلى مستوى آخر. فالأمر لم يعد مقتصراً على «بيتوفيك»، بل يتجه نحو بناء هندسة انتشار أميركية أوسع في الجزيرة.
وينص الاتفاق على السماح للولايات المتحدة بتحديث أنشطتها في قاعدة «بيتوفيك» وتوسيعها، وإنشاء منطقتين دفاعيتين إضافيتين في نارسارسواك جنوب غرينلاند ومسترزفيغ في شرقها. كما يفتح الباب أمام إنشاء مناطق دفاعية إضافية مستقبلاً، إذا اتفقت الأطراف على الحاجة إليها وموقعها وحجمها وطبيعة الأنشطة التي ستجري فيها.
وهذه نقطة استراتيجية مهمة، لأن غرينلاند تنتقل بذلك من نموذج يرتكز أساساً على قاعدة أميركية واحدة إلى إمكان قيام شبكة من المواقع الدفاعية موزعة جغرافياً على الجزيرة.
كما يمنح الاتفاق القوات الأميركية إمكانات واسعة للحركة والوصول، بما في ذلك النشاط الجوي والبحري وتحت سطح البحر، وهو ما يجعل وظيفة غرينلاند المحتملة أوسع بكثير من الإنذار الصاروخي وحده.
فالموقع الذي يستطيع مراقبة الفضاء والصواريخ في الوقت نفسه، واستقبال الطائرات ودعم العمليات البحرية واللوجستية، يتحول تدريجياً من مجرد نقطة إنذار إلى عقدة متعددة المجالات في منظومة الدفاع عن أميركا الشمالية وشمال الأطلسي.
بين الأمن والسيادة
لكن من المهم عدم الخلط بين الأمن والسيادة.
فالاتفاق الجديد لا ينقل السيادة على غرينلاند إلى الولايات المتحدة. الجزيرة لا تزال جزءاً من مملكة الدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي واسع، فيما يحدد الاتفاق حقوقاً عسكرية وأمنية أميركية طويلة الأمد داخلها.
ومن هنا، فإن الأدق هو الحديث عن توسيع كبير لصلاحيات الحركة والانتشار العسكري الأميركي، لا عن انتقال السيادة.
كما أن الاتفاق، على الرغم من توقيعه، لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد استكمال الإجراءات البرلمانية اللازمة في مملكة الدنمارك وغرينلاند وإبلاغ الولايات المتحدة بذلك دبلوماسياً.
وتبرز هنا أيضاً مسألة التمويل. فالبيت الأبيض أعلن أن الاتفاق لن يرتب كلفة على دافع الضرائب الأميركي، لكن نص الاتفاق لا يقدم تفصيلاً مالياً شاملاً يوضح كيفية توزيع جميع تكاليف التوسع المستقبلي. وفي المقابل، يتضمن ترتيبات ترمي إلى تعظيم الفوائد الاقتصادية التي تحصل عليها غرينلاند، بما في ذلك استخدام المصادر التجارية الغرينلاندية في الأعمال والخدمات المرتبطة بالمناطق الدفاعية إلى أقصى حد ممكن.
لذلك، من المبكر تحديد الكلفة النهائية للهندسة العسكرية الجديدة أو الجهة التي ستتحمل مختلف عناصرها.
من غرينلاند إلى الجبهة الشمالية للناتو
لا يمكن قراءة هذا التطور باعتباره اتفاقاً أميركياً-غرينلاندياً منفصلاً عن التحولات الجارية في شمال الأطلسي.
فغرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، والدنمارك عضو في حلف شمال الأطلسي، فيما أصبح القطب الشمالي والجناح الشمالي للحلف جزءاً متزايد الأهمية من منظومة الأمن الأطلسي.
وقد أطلق الناتو في شباط/فبراير 2026 نشاط «Arctic Sentry»، أو «الحارس القطبي»، لتعزيز الردع والدفاع والوعي العملياتي في القطب الشمالي والشمال الأقصى، في ظل تزايد النشاط العسكري الروسي والأهمية الاستراتيجية للممرات القطبية. كما أن انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف جعل سبعاً من الدول القطبية الثماني أعضاء في الناتو.
وبذلك، تقع غرينلاند في قلب مثلث استراتيجي يصل أميركا الشمالية بأوروبا والقطب الشمالي.
ويمكن للوجود العسكري الأميركي فيها أن يسهم في الإنذار المبكر والمراقبة الفضائية والوجود الجوي والبحري وحماية خطوط الاتصال عبر شمال الأطلسي، فضلاً عن دعم الدفاع عن القارة الأميركية نفسها.
لكن الاتفاق يحمل، في الوقت نفسه، بعداً أميركياً خاصاً، وهنا يبرز سؤال استراتيجي: هل ستبقى القدرات الجديدة في غرينلاند جزءاً من هندسة الأمن الأطلسي الجماعي، أم أننا نتجه تدريجياً نحو «أمركة» أمن القطب الشمالي، بحيث تصبح واشنطن اللاعب المهيمن على بنيته العسكرية؟
هذه إحدى أهم المسائل التي ستحددها طريقة تنفيذ الاتفاق، لا نصه وحده.
روسيا والصين.. خصمان مختلفان
بالنسبة إلى روسيا، يحمل التوسع الأميركي في غرينلاند دلالات عسكرية مباشرة.
فالقطب الشمالي، ولا سيما شبه جزيرة كولا، يمثل مركزاً بالغ الأهمية للقوات النووية والأسطول الشمالي الروسي ومنفذاً استراتيجياً إلى شمال الأطلسي. ولذلك، فإن تعزيز قدرات المراقبة والإنذار والوجود العسكري الأميركي في غرينلاند يمكن أن يدفع موسكو إلى زيادة نشاطها البحري والجوي، وتعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية، وتكثيف المراقبة والاستطلاع في بحر بارنتس وبحر غرينلاند والممرات المؤدية إلى شمال الأطلسي.
وهكذا، قد تنظر واشنطن إلى غرينلاند باعتبارها حاجزاً متقدماً في مواجهة النشاط العسكري الروسي، فيما قد ترى موسكو في التوسع الأميركي سبباً إضافياً لتعزيز بنيتها العسكرية في الشمال. والنتيجة المحتملة هي زيادة الطابع العسكري للقطب الشمالي بدلاً من بقائه منطقة منخفضة التوتر.
أما الصين، فالمعادلة مختلفة.
فالتحدي الصيني في غرينلاند أقل عسكرية ومباشرة من التحدي الروسي، ويرتبط بدرجة أكبر بالاستثمارات والموارد والمعادن والبنية التحتية والبحث العلمي والنقل البحري.
ولهذا يتضمن الاتفاق الجديد بعداً يتعلق بفحص الاستثمارات الحساسة. وهو لا يمنح واشنطن ببساطة «حق الفيتو» على الاقتصاد الغرينلاندي، لكنه ينص على تعاون وثيق بين غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة في تطبيق آليا
ت فحص الاستثمارات لمنع الجهات التي تعدّ تهديداً أمنياً من بناء حضور في قطاعات حساسة.
وهذا يعني أن الصراع على غرينلاند لن يكون عسكرياً فقط، بل سيكون أيضاً صراعاً على من يملك حق الدخول إلى اقتصاد القطب الشمالي وبنيته التحتية وموارده الاستراتيجية.
وقد يدفع تضييق المجال أمام الصين في غرينلاند إلى تعميق تعاون بكين مع روسيا في الممر البحري الشمالي والطاقة والمعادن والأبحاث القطبية والبنية التحتية، بما يضيف بعداً آخر إلى التقارب الروسي-الصيني في الشمال.
غرينلاند من قاعدة إلى منظومة
من الناحية العملية، لا نعرف حتى الآن الشكل النهائي للمنشآت الأميركية الجديدة أو حجم القوات التي قد تتمركز فيها.
لكن الاتجاه أصبح أكثر وضوحاً.
هناك «بيتوفيك» بما تمتلكه من قدرات للإنذار الصاروخي والمراقبة الفضائية والتحكم بالأقمار الصناعية، وهناك نارسارسواك ومسترزفيغ بوصفهما منطقتين دفاعيتين إضافيتين، وهناك إمكان إنشاء مواقع أخرى مستقبلاً، إلى جانب توسيع الحركة الجوية والبحرية والعسكرية الأميركية.
ولذلك، قد يكون الخطأ النظر إلى الاتفاق باعتباره مجرد مشروع لإنشاء «قواعد أميركية جديدة».
الأدق أنه يؤسس لإمكان تحويل غرينلاند إلى منصة جغرافية متكاملة للاستشعار والإنذار والوصول العسكري والعمليات الفضائية.
كما أن أهمية غرينلاند لا تتوقف عند الجانب العسكري. فذوبان الجليد يفتح تدريجياً مساحات أكبر أمام الملاحة في القطب الشمالي، ويزيد أهمية الطرق التي تربط المحيطين الأطلسي والهادئ، بالتوازي مع تنامي الاهتمام بالمعادن والطاقة والموارد الموجودة في المنطقة.
وبذلك تتقاطع في غرينلاند ثلاثة مستويات في آن واحد: الدفاع عن أميركا الشمالية، وأمن شمال الأطلسي، والمنافسة على القطب الشمالي.
اتفاق دائم.. وماذا لو استقلت غرينلاند؟
لعل أكثر بنود الاتفاق الجديد إثارة للاهتمام هو ما يتعلق بمدته ومستقبل غرينلاند السياسي.
فالاتفاق لا يحدد تاريخاً لانتهائه، وينص على أنه لا يمكن تعديله إلا بموافقة الأطراف. ولذلك فإن وصفه بأنه «دائم» يستند إلى نص قانوني، وليس مجرد توصيف سياسي.
لكن الأهم أن الاتفاق حاول مسبقاً الإجابة عن السؤال الأصعب: ماذا يحدث إذا أصبحت غرينلاند دولة مستقلة؟
غرينلاند تتمتع اليوم بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك، ولشعبها حق تقرير المصير. وينص الاتفاق على أنه إذا مارست غرينلاند هذا الحق وأصبحت دولة مستقلة، فعلى الدنمارك وغرينلاند ضمان بقاء الدولة الجديدة ضمن حلف شمال الأطلسي، بما في ذلك التقدم بطلب عضوية إذا اقتضى الأمر، وأن تتولى الدولة المستقلة الحقوق والالتزامات الواردة في الاتفاق والترتيبات الدفاعية المرتبطة به منذ تاريخ استقلالها.
وهذه مادة بالغة الدلالة.
فواشنطن لم تعد ترتب وجودها العسكري في غرينلاند انطلاقاً من واقعها الدستوري الراهن فحسب، بل تحاول بناء استمرارية لهذا الوجود حتى إذا تغير الوضع السياسي للجزيرة في المستقبل.
ومن هنا، فإن اتفاق 22 أيلول/سبتمبر لا يتعلق فقط بإنشاء منشآت أو تحديث رادارات. إنه محاولة لبناء هندسة أمنية قادرة على تجاوز التحولات السياسية نفسها.
وإذا نُفذ الاتفاق وفق هذا الاتجاه، فإن غرينلاند لن تتحول بالضرورة إلى قاعدة عسكرية أميركية ضخمة بالمعنى التقليدي، بل إلى شيء قد يكون أكثر أهمية في الحروب الحديثة: المستشعر الأميركي المتقدم على الجبهة القطبية.
