اليوم، في مقالنا الثاني، سنذهب خطوة أعمق في عالمنا الفكري؛ لأن طرح السؤال ليس كافيًا، بل كيف نفكر في هذا السؤال؟ وبأي أدوات؟ هنا يأتي دور أعظم معلم في تاريخ الفلسفة: سقراط. الرجل الذي لم يترك لنا كتابًا واحدًا، لكنه ترك لنا أداة لا تزال تُستخدم في عيادات الاستشارة الفلسفية حتى يومنا هذا. أداة بسيطة في شكلها، عميقة في تأثيرها: هي فن طرح الأسئلة، أو ما يُعرف بـ”الطريقة السقراطية”.
في هذا المقال، سنفتح باب عيادة سقراط الافتراضية، ونتعلم كيف يمكن للسؤال الذكي تغيير حياة الإنسان أكثر من أي إجابة جاهزة.
حوار من أثينا إلى اليوم
تخيل أنك تجلس في ساحة عامة في أثينا، منذ أكثر من ألفين وأربعمائة عام. يقف أمامك رجل ذو ملامح حادة، أنف أفطس، وعينان ثاقبتان. إنه سقراط، الرجل الذي لم يكتب سطرًا واحدًا في حياته، لكنه غيّر مسار الفلسفة إلى الأبد. يقترب منه أحد المارة، فيبدأ حوارًا كهذا:
- سقراط: أيها الشاب، أخبرني، هل تعتقد أن الغنى يجعل الإنسان سعيدًا؟
- الشاب: بالتأكيد، المال يشتري كل شيء.
- سقراط: وهل يشتري الصداقة؟ وهل يشتري الاحترام؟ وهل يشتري الرضا عن النفس؟
- الشاب: لا، بالطبع لا.
- سقراط: إذًا، كيف تقول إن الغنى يشتري كل شيء، وهو لا يشتري أهم الأشياء؟
- الشاب: أظن أنني كنت مخطئًا، يا سقراط.
- سقراط: لست مخطئًا، وإنما غير دقيق. دعنا نبحث معًا.. ما هي الأشياء التي تجعل الحياة جديرة بالعيش؟
هذا الحوار ليس مجرد لعبة ذهنية، إنه أداة عمل. ما زال يستخدمها المستشارون الفلسفيون حتى يومنا. إنها الطريقة السقراطية، أو ما يُعرف بـ”التوليدية”، أي فن التوليد الفكري، حيث يساعد المستشار مسترشده على “ولادة” أفكاره الخاصة، بدلًا من فرض أفكار جاهزة عليه.
الطريقة التوليدية: تفكيك اليقينيات
تجمع الطريقة التوليدية في طبيعتها البساطة والخداع إذا صح التعبير؛ بدلًا من إعطاء الأجوبة، تبدأ في طرح الأسئلة.. أسئلة مزعجة.. أسئلة تكسر المعتقدات الراسخة. أسئلة تكشف التناقضات الخفية في طريقة تفكيرنا.
تخيل عميلًا يقول للمستشار الفلسفي: أنا فاشل لأنني لم أحقق النجاح الذي حقّقه أقراني.
فبدلًا من أن يرد المستشار بعبارات تشجيعية فارغة (لا، أنت لست فاشلًا)، أو أن يُحلّل أسباب الفشل نفسيًا، سيطرح أسئلة مثل:
- ماذا تعني بكلمة “فاشل” بالضبط؟ بهدف الكشف عن التعريفات الملتبسة أو غير الواضحة.
- بأي معيار تحكم على نجاح أقرانك؟ وهل هذا المعيار هو معيارك أنت أم معيار مجتمعك؟ ليصل بين الصوت الداخلي والضغوط الخارجية.
- إذا كان أحدهم أكثر نجاحًا ماديًّا منك، فهل هذا يعني بالضرورة أنه يعيش حياة أفضل؟ ليختبر العلاقة بين النجاح والسعادة.
- لو حققت كل ما يسميه المجتمع نجاحًا، هل ستتوقف أسئلتك المزعجة؟ أم أن الفجوة ستستمر؟ ليصل إلى الجذر الوجودي.
ما نحن بصدده، هو تشكيل وعي جديد لا تشخيص. قد يدرك العميل وجود معايير للنجاح ليست معاييره، وللشعور بالفشل كحقيقة ولكنها ليست موضوعية؛ إنها قراءة خاطئة لحياته.
الاستشارة الفلسفية ليست “إعطاء نصائح”
تتميز الاستشارة الفلسفية عن المساعدة الذاتية أو الإرشاد التنموي كونها لا تقدم حلولًا جاهزة. حيث تملأ كتب المساعدة الذاتية المكتبات بعناوين مثل: “سبع خطوات للسعادة”، و”عشرة مفاتيح للنجاح”، و”كيف تكون قائدًا عظيمًا”. ولكن مشكلة هذه الكتب بتقديم وصفات جاهزة، وكأن البشر جميعًا متشابهون، والحياة مشكلة رياضية لها حل واحد صحيح.
في الجانب الآخر، تقوم الاستشارة الفلسفية على مبدأ سقراطي مؤسس، إذ تختلف الإجابة من شخص لآخر، واكتشاف هذه الأجوبة يستند على اعتمادك على نفسك كجزء من قيمتها. فالمستشار ليس معلمًا يُملي، بل “مُولّد أفكار”؛ هو شخص يساعدك على ولادة فهمك الخاص لحياتك.
يقول سقراط بنفسه: “لا يمكنني تعليم أحد أي شيء، جلّ ما أستطيع فعله هو جعله يفكر”.
الحوار السقراطي في الممارسة الفلسفية المعاصرة
في عيادة الاستشارة الفلسفية اليوم، قد يبدو الحوار بهذا الافتراض:
- الدكتور: تحدثت عن شعورك بالفراغ برغم نجاحك المهني. دعنا نتفق على تعريف للنجاح أولًا: ما هو النجاح في نظرك؟
- العميل: النجاح هو أن تكون محترمًا في مجالك، وتحقق دخلًا جيدًا، ويكون لك تأثير.
- الدكتور: هل حققت هذه الأشياء؟
- العميل: نعم، إلى حد كبير.
- الدكتور: إذًا، لماذا تشعر بالفراغ؟ أليس النجاح هو الحل؟
- العميل: يبدو أن النجاح ليس هو الحل.
- الدكتور: ربما كان تعريفك للنجاح ناقصًا؟ أو ربما كنت تسعى وراء تعريف المجتمع لا تعريفك الشخصي؟
- العميل: ربما.
- الدكتور: دعنا نجرّب تعريفًا آخر: ما هي اللحظات التي شعرت فيها بأن حياتك لها معنى، بعيدًا عن المال أو المنصب؟
- العميل: عندما كنت أتطوع في مركز لتعليم الأطفال، شعرت أن لي قيمة. وعندما أساعد صديقًا في أزمته.
- الدكتور: إذًا، المعنى كان حاضرًا في العطاء والتواصل، وليس في الإنجاز الفردي. لماذا لم تدرج هذا في تعريفك للنجاح؟
- العميل: لأنني لم أرى الأمر بهذه الطريقة قط.
هل ترى ما حدث هنا؟ لم يُعطِ المستشار إجابة، ومع ذلك قاد المسترشد عبر سلسلة من الأسئلة ليكتشف بنفسه تعريفه الخاطئ للنجاح، وهو سبب شعوره بالفراغ. ما يهمنا اليوم هو ما يمكن تسميته “وضوحًا لا حلَّاً”. فـالوضوح، كما يعتقد السقراطيون، هو الخطوة الأولى نحو حياة أكثر اتساقًا مع الذات.
لماذا نخاف من الأسئلة الحقيقية؟
الحقيقة أننا، كبشر، نميل إلى الهروب من الأسئلة الجوهرية. نملأ حياتنا بالانشغالات، والتلفاز، ووسائل التواصل، والعمل الإضافي، أي شيء يمنعنا من الجلوس مع أنفسنا والسؤال: “هل هذه الحياة التي أريدها حقًا؟” الحوار المزعج.. لأنه يكشف أن كثيرًا من إجاباتنا كانت واهية. لكن هذا الإزعاج هو بداية النصح. يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: “الجواب على السؤال لا يقل أهمية عن الشجاعة لطرح السؤال نفسه.”
الطريقة السقراطية والعلاج المعرفي: التفاعل المثير
من المثير للاهتمام أن العلاج النفسي المعرفي – السلوكي (CBT)، أحد أشهر مدارس العلاج النفسي اليوم، يعتمد على مبدأ يشبه الطريقة السقراطية، إذ يقوم على تغيير الأفكار غير العقلانية لتغيير المشاعر والسلوك.
لكن الفرق جوهري بين العلاج المعرفي والاستشارة الفلسفية:
- في العلاج المعرفي، يُنظر إلى الأفكار الخاطئة على أنها أعراض مرضية تحتاج إلى تصحيح، وبالتالي يهدف الدكتور النفسي إلى شفاء المريض.
- أما في الاستشارة الفلسفية، تُنظر إلى الأفكار غير المدروسة على أنها دعوة للتفكير، وعليه يهدف المستشار الفلسفي إلى تشكيل وعي الفرد.
ولكن أحيانًا تظهر التجربة العملية بضرورة الجمع بين النهجين. فكما يصف لو مارينوف، أن بعض المشاكل النفسية تعالج بشكل أفضل بالأسئلة الفلسفية العميقة عن الحياة والقيمة، بدلًا من البروتوكولات العلاجية التي قد تبقى سطحية إذا لمست جذورًا وجودية.
خلاصة: فلسفة الأسئلة لا الإجابات
في الاستشارة الفلسفية، نحتفل بأسئلتنا أكثر من إجاباتنا. لأن الإجابات النهائية نادرة، وغالبًا ما تكون مؤقتة، لكن الأسئلة الجيدة، الصارخة، الصادقة، هي التي تبقى معنا وترشدنا. هي التي تحول الحياة من روتين مبرمج إلى رحلة استكشاف مستمرة.
في أي لحظة، يمكننا أن نكون سقراط لأنفسنا، أن نسأل: هل ما أفعله يعكس ما أؤمن به حقًا؟ وربما، قد نحتاج إلى مستشار فلسفي ليمسك بيدنا في تلك الرحلة، ليس ليقودنا، ولكن كي يسير معنا.
(*) الطريقة السقراطية (Socratic Method): هي أسلوب حواري وفلسفي في التعلم والاكتشاف يعتمد على المناقشة التفاعلية وطرح الأسئلة الموجهة والمتتابعة بدلاً من إعطاء الأجوبة المباشرة أو تلقين المعلومات. تعود هذه الطريقة إلى الفيلسوف اليوناني سقراط، الذي كان يجوب شوارع أثينا مستجوباً الناس حول مفاهيم مثل: العدالة، الفضيلة، الشجاعة، أو المعرفة بهدف دحض المفاهيم الخاطئة وتفكيك المسلمات للوصولِ إلى جوهر الحقيقة.
(**) راجع المقال الأول من هذه السلسلة بعنوان: عنندما لا تكفي الأجوبة.. لماذا نحتاج إلى الإستشارة الفلسفية؟
