من الضروري التذكير بأن «اليونيفيل 2»، التي وُلدت في أغسطس/آب 2006 من قرار مجلس الأمن 1701، تميّزت بـ«تعزيز العدد والعدة والمهام»، كما نذكر دائماً، مقارنة باليونيفيل الأولى التي أُنشئت عام 1978 بقرارَي مجلس الأمن 425 و426.
لم تنجح محاولات لبنان لتمديد مهام اليونيفيل (unifil)، ولو لفترة قصيرة تقل عن عام، برغم توافر الدعم من دول صديقة، أمام ما هو فيتو أميركي، عبّر عنه موقف واضح وحازم بإنهاء مهام القوة الدولية. وقيل إنه كان يجب أن تبدأ محاولات التمديد قبل فترة طويلة من صدور قرار مجلس الأمن 2790، في 28 أغسطس/آب 2025، الذي مدّد للمرة الأخيرة لليونيفيل. وفي حقيقة الأمر، كان القرار الأميركي متخذاً في هذا الخصوص، ولم يكن من المنتظر النجاح في «إقناع» واشنطن بخلاف ذلك.
ما العمل عشية «اليوم التالي»، وبخاصة أمام وجود ثلاثة عوامل يجب النجاح في التعامل معها؟
أولها ضغط عامل الوقت، إذ سنذهب إلى المجهول بعد أقل من ثلاثة أشهر. وثانيها ضغط التطورات الميدانية، مع استمرار الحرب الإسرائيلية وتصعيدها، في القوة النارية وفي الجغرافيا، كما نذكر دائماً، وتثبيت الحرب كجزء من المشهد التفاوضي منذ بدايته، وكعنصر أساسي في إدارة المفاوضات. وثالثها تحديد المهمة المطلوبة لأي قوة يجري تشكيلها، وتكوين هذه القوة، في ظل الفيتو الإسرائيلي على مشاركة دول عديدة، وفي طليعتها فرنسا، إلى جانب تحديد مهامها ومرجعيتها القانونية الدولية.
إن التعثر هو سيد الموقف حتى الآن، وبخاصة أن المطلوب القيام بمهمة أصعب من تلك التي قامت بها اليونيفيل. فلم يعد الأمر يتعلق بالحفاظ على وضع قائم، والإسهام في تثبيته أو تعزيزه، وكذلك في إدارته. المطلوب هو مواكبة مسار جديد يُفترض أن ينطلق من المفاوضات، وصولاً إلى إمساك الجيش اللبناني، كلياً ووحيداً، بالوضع على الأرض من جنوب الليطاني حتى الحدود الدولية للبنان.
وهذه مرحلة أولى تهيئ وتساعد على احتكار السلاح من قبل السلطة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وكذلك احتكار قرار الحرب والسلم؛ وهو الشرط الضروري والمعيار الأهم لعودة الدولة، ككل دولة، إلى مهامها ومسؤولياتها ووظيفتها الأساسية.
هذا المسار ما يزال متعثراً. بل إن ثمة مخاوف موضوعية من حدوث انفجار كبير والانزلاق إلى حرب مفتوحة، والعودة إلى محاولة احتواء الموقف عبر «سياسة المراهم» أو التفاهمات المؤقتة والمتجددة. وهذا أمر لا يشجع أي طرف دولي على الاندراج في مهمة سمتها الأساسية الغموض، وانتظار حصول تفاهمات دولية ـ إقليمية قد تؤدي إلى تهدئة غير ثابتة، ولكن ليس إلى نزع فتيل الانفجار.
البعض يتحدث، كحل مؤقت، عن خيار اللجوء إلى هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO)، الموجودة منذ عام 1948. والبعض الآخر يتحدث عن خيار «مؤقت وانتقالي» أيضاً، كما نسمع، يقوم على تعزيز دور وقدرات UNSCOL، أي المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان. وهذا، بالطبع، لا يفي أيضاً بالهدف المنشود، في ظل ما أشرنا إليه من تحديات ومخاطر متزايدة وشديدة التعقيد، ونحن نذهب نحو المجهول.
في ظل لعبة السباق مع الوقت، تبرز مفارقة مثيرة للاهتمام: كل تأخير، بسبب التحديات والصعوبات القائمة، يزيد من حدة هذه التحديات والصعوبات نفسها.
ويبقى المدخل الصحيح والواقعي والموضوعي لـ«اليوم التالي»، وللمسار الأممي أو الدولي الذي يجب أن يواكبه، هو التوافق الفعلي، وبالتالي الفعال، بين أصحاب القرار الدولي في هذا الخصوص. ومن ضمن هؤلاء، أساساً وأولاً، واشنطن، التي هي مهندس المفاوضات وراعيها.
والمطلوب توافق على اعتماد «استراتيجية فعل» تقوم على ثلاثية واضحة. أولها الوقف الكلي للحرب الإسرائيلية المتصاعدة والمستمرة، التي هي، كما نذكر دائماً، الورقة الأساسية والفعلية في إدارة المفاوضات من الجانب الإسرائيلي. وثانيها اعتماد منطق التزامن في الخطوات المطلوبة من الطرفين. وثالثها اعتماد التبادلية في تلك الخطوات، بمواكبة دولية وأممية.
هذا هو الطريق الوحيد لمسار التغيير المطلوب و«عودة الدولة» إلى الجنوب، ومعها إلى لبنان، فعلياً وكلياً. إنه المسار الصعب، ولكنه غير المستحيل، الذي يوفر الاستقرار، وهو الشرط الأكثر ضرورة لولوج طريق الإنقاذ الوطني والازدهار.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية
