أولاً؛ حتمية الجغرافيا: معادلة التضاريس والردع الناقص
تُشكل الجغرافيا الحاكم الفعلي لمسار المعارك وعجز الأطراف عن فرض حسم عسكري مطلق:
المرتفعات الشمالية الغربية (صعدة وصنعاء): يمنح هذا المعقل الجبلي المدافعين عمقًا ديموغرافيًا وتضاريس معقدة تُسهّل الاحتماء والتفرق وإعادة الانتشار؛ مما يجعل التفوق الجوي عاجزًا بمفرده عن إنتاج سيطرة أرضية مستقرة.
الساحل الغربي والمخا وباب المندب: تكمن قيمته الاستراتيجية في كونه شريان الإمداد البحري وركيزة القدرة على تهديد خطوط الملاحة الدولية.
العمق السعودي الممتد: توفر المساحة الشاسعة للمملكة عمقًا استراتيجيًا، لكنها تفرض في الوقت ذاته عبء حماية أهداف متباعدة (مدن، مطارات، منشآت طاقة)؛ مما مكّن قوة أصغر حجماً من فرض تكاليف اقتصادية وأمنية باهظة عبر الصواريخ والمسيّرات دون الحاجة للاحتفاظ بأراضٍ داخل العمق السعودي.
ثانياً؛ خريطة النفوذ وتوازنات الردع العسكري
ميدانيًا، تُظهر خريطة السيطرة مأزقًا متوازناً؛ إذ يحتفظ الحوثيون بمركز المرتفعات والمناطق الأكثر كثافة سكانية، في حين تتمركز الحكومة المعترف بها دوليًا والقوى العسكرية الموالية لها في المحافظات الجنوبية والشرقية.
ومع حركة الجبهات المتقلبة—حيث شهد الساحل الغربي نحو المخا وباب المندب عمليات وموجات هجومية وهجومية مضادة—يتضح أن التغييرات الميدانية تبقى متحركة ولا تعني سيطرة نهائية. كما أن تحمّل القوات اليمنية الميدانية للعبء البري الأساسي بإسناد جوي سعودي ودعم استخباراتي أميركي لم ينجح في كسر حلقة الجمود.
ثالثاً؛ حصيلة ومواقف القوى الرئيسية
-جماعة أنصار الله: حققت الصمود الميداني وتطوير أدوات ردع عابرة للحدود ومهددة للملاحة، لكنها فشلت في بناء دولة ذات اقتصاد مستقر أو تحصيل قبول سياسي يمني شامل.
-السعودية: نجحت في كبح السيطرة الحوثية الكاملة على اليمن، لكنها فشلت في ردع التهديد الموجه إلى عمقها، وتدرك أن التفوق العسكري لا يمنح أمنًا مطلقًا للمشاريع الاستثمارية والتنموية.
-الحكومة الشرعية: احتفظت بالشرعية الدولية والنفوذ الجغرافي الشاسع، إلا أنها مكبلة بتشتت مكوناتها وضعف مؤسساتها وتضارب أجندات حلفائها.
رابعاً؛ اقتصاد الحرب
تستمر الحرب لأن قدرة كل طرف على “منع الآخر من الانتصار” تفوق قدرته على “فرض تسوية منفردة”. وتتغذى هذه الحالة على أزمة ثقة عميقة؛ فالرياض تخشى استغلال الحوثيين للهدنة لتعظيم القدرات، والحوثيون يخشون فقدان أوراق القوة، والقوى اليمنية الأخرى تتوجس من التهميش في أي صفقة ثنائية. هذا التوجس يُغذّي ظاهرة “اقتصاد الحرب”، حيث تشكلت شبكات مصالح من الجبايات والتهريب ترى في استمرار الصراع المورد الأهم.
خامساً؛ أبعاد التدخل الخارجي
-الدور الإيراني: دعم متواصل للحوثيين لاستغلالهم كأداة ضغط إقليمية، مع احتفاظ الحركة بأجندتها المحلية.
-المظلة الأميركية: تركيز على أمن الطاقة، الملاحة، وكبح نفوذ طهران.
-عُمان والدول المتأثرة: وسائط عمانية متوازنة مقابل تأثر مباشر لأمن البحر الأحمر لدى مصر ودول القرن الأفريقي.
سادساً؛ التنافس العربي
يُشكل التباين في أجندات وأولويات الأطراف العربية الفاعلة أحد أبرز عوامل إطالة أمد الصراع وتشتيت المعسكر المناهض للحوثيين. إن تباين المصالح—كالتنافس على النفوذ في الموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية، ودعم فصائل وقوى يمنية بمرجعيات أيديولوجية وسياسية متضاربة (مثل القوى الجنوبية المطالبة بالانفصال مقابل القوى المتمسكة بالشرعية والوحدة)—أدى إلى خلق جبهات مفككة ورؤى متضاربة لإدارة الصراع وإحلال السلام. هذا التنافس العربي–العربي أضعف الموقف التفاوضي للشرعية، ومنح الحوثيين فرصة للاستثمار في هذه الانقسامات وتثبيت أقدامهم.
سابعاً؛ التشابك الإقليمي والدولي
لم يعد الصراع في اليمن محليًا؛ بل أصبحت جغرافيا باب المندب تمنحه أثرًا عالميًا مباشرًا عبر رفع تكاليف الشحن والتأمين وتهديد سلاسل الإمداد. كما يتداخل الملف مع حروب الشرق الأوسط والتنافس الإيراني–الأميركي، إلى جانب تأثره بالحروب الكبرى (كالحرب الروسية–الأوكرانية) عبر أسواق الطاقة والتسليح، وإن كان هذا التشابك لا يعني وجود غرفة عمليات موحدة تدير كل هذه الصراعات.
ثامناً؛ مآلات المستقبل
لتقويض حالة الجمود والعبور نحو استقرار حقيقي، لا بد من خريطة طريق متدرجة تبدأ بوقف متبادل للهجمات عابرة الحدود وحماية الملاحة البحرية، يتبع ذلك مباشرة اتخاذ إجراءات اقتصادية وإنسانية عاجلة تشمل دفع الرواتب وفتح الطرق الرئيسية وتقديم المساعدات. ثم الانتقال إلى مفاوضات يمنية–يمنية شاملة تتناول ملفات الحكم والموارد وشكل الدولة والقضية الجنوبية، وتُختتم بدمج ومأسسة السلاح ضمن نظام وطني موحد يخضع للمساءلة وبضمانات حماية متكاملة.
تاسعاً؛ السيناريو الأرجح
يُستبعد الحسم العسكري الكامل، ويرجح التحليل الذهاب نحو تفاهم تدريجي مشروط بضغط عسكري وتفاوض سياسي. فالسعودية تريد أمن حدودها ومشاريعها الاقتصادية والملاحة، وأنصار الله يسعون لتثبيت مكاسب سياسية واقتصادية. غير أن الاكتفاء باتفاق ثنائي دون حل جذري للأزمة بين القوى اليمنية سيجعل الهدنة مجرد “استراحة محارب” مؤقتة، ويترك الدولة مجرد كيان اسماً، بينما يظل المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر.
عاشراً؛ من النزاع الممتد إلى السلام المستدام
إن الاستمرار في المراهنة على خيار الحسم العسكري، أو الارتكان إلى حالة “لا حرب ولا سلم”، لم يعد خيارًا قابلاً للاستدامة لأي من أطراف الصراع؛ إذ أن كلفة استمرار الحرب باتت تتجاوز بمراحل أي مكاسب قد يُحققها طرف على حساب الآخر. لقد أثبتت سنوات الصراع أن أمن الإقليم، واستقرار الملاحة البحرية، وحماية المقدرات الاقتصادية لا يمكن أن تتحقق عبر حلول جزئية أو صفقات ثنائية تعزل الداخل اليمني عن محيطه، أو تُغيّب القضايا الجوهرية للشعب اليمني.
إن السلام المستدام في اليمن ليس مجرد رغبة أخلاقية، بل هو ضرورة استراتيجية إقليمية ودولية؛ تقتضي الانتقال من منطق “إدارة الصراع” إلى منطق “تفكيك أسبابه”. وهذا يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتُقدّم المصلحة الوطنية الشاملة عبر تسوية تاريخية شجاعة: تسوية تُعيد للدولة قدرتها ومؤسساتها، وتضمن لكل المكونات مشاركة عادلة وآمنة، وتضع حدًا لارتهان المصير اليمني للتجاذبات الإقليمية والتنافسات العربية–العربية.
من دون هذه الرؤية الشاملة، ستظل أي هدنة مُعلنة مجرد “استراحة محارب” مؤقتة يُعاد فيها التذخير لموجة قتال جديدة؛ أما تحويل الهدنة إلى سلام دائم، فهو المسار الوحيد الذي يضمن الخروج من نفق الأزمة المظلم، ويمنح اليمنيين—والمحيط الإقليمي والدولي بأكمله—الأمن والاستقرار المأمولين.