من صالونات الثقافة إلى دهاليز المخابرات.. وجوه من لغز بن بركة

بحلول اليوم في التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، يكون قد مضى على جريمة اختطاف واغتيال المعارض المغربي المهدي بن بركة واحد وستون عاماً. ستة عقود طويلة ظلّ خلالها هذا الملف جرحاً نازفاً في ذاكرة الوطن، وطَيّ غموض محكم لم يُكشف عن كامل تفاصيله أو مكان دفن جثمانه حتى اليوم، إذ جرى طمس الأدلة وتصفية معظم الشهود والعناصر المنفّذة من عصابات الجريمة المنظمة في المعتقلات السرية المغربية لاحقاً، لإخفاء معالم الجريمة بشكل نهائي.

آش بيك دارت الاقدار

ما بان ليك أثر ولا خبرو بيك البشارة

كيف الطوير طار ما عاد للأوكار

ربي مولاي.. سيدي ربي مولاي

الناس خفاو حديثك

وكتمو اسرارك علي

خوفي تكون حاصل فشباك الغير

أو في السما صادفتي لحدية.

(من أغنية لمجموعة جيل جيلالة (1).

***

المهدي بن بركة

لم يُعثر رسمياً على جثة الشهيد المهدي بن بركة حتى يومنا هذا، إذ تشير الروايات التاريخية والتحقيقات إلى التخلّص منها بطرق طمست آثارها، كالإذابة في الحمض أو الحرق. كما تعاني مسارات التحقيق القضائي من تعقيدات وعراقيل مستمرة مرتبطة بتفعيل «السر الدفاعي» ومنطق «أسباب الدولة» من قبل العواصم المعنية. ويعود جزء كبير من هذه السرية المطبقة إلى كون الملف يمثّل مثلثاً معقّداً من المصالح الاستخباراتية والسياسية المتشابكة بين أطراف عدة: المغرب وفرنسا وإسرائيل عبر جهاز الموساد، وهو ما جعل الدول الكبرى تفضّل طيّ الملف وحماية أسرار أجهزتها الأمنية بدلاً من كشف الحقيقة الكاملة للرأي العام.

وكان من الطبيعي أن يطوي الموت، مع تعاقب الأعوام، كلَّ من اقترب من سراديب هذا الملف أو عايش خباياه؛ فقد رحل عبر العقود الماضية رموز السلطة والأمن والسياسة ممن ارتبطت أسماؤهم بالقضية، بدءاً من رأس الهرم، الملك الحسن الثاني، مروراً بالجنرالين محمد أوفقير وأحمد الدليمي، وصولاً إلى ضباط الأجهزة والشهود والمساعدين المباشرين، كعميل المخابرات صاحب مذكرات «السر» أحمد البخاري، المتوفى عام 2025، والممرض بوبكر الحسوني، المتوفى عام 2015، وضابط المخابرات ميلود التونزي، المعروف بـ«الشتوكي». ويُضاف إلى هؤلاء معظم عناصر الاستخبارات والشرطة الفرنسية والوسطاء والجواسيس الدوليون الذين غيّبتهم السنون جميعاً. بل حتى الواجهة الحقوقية المدافعة عن العائلة شهدت ترجّل آخر أقطابها برحيل المحامي الفرنسي موريس بوتان في آب/أغسطس 2026، عن عمر ناهز 97 عاماً.

أما الجنرال حسني بنسليمان، القائد التاريخي للدرك الملكي وأحد أبرز وجوه المؤسسة العسكرية والأمنية والرياضية في المغرب الحديث، فهو استثناء بارز وسط تلك الأسماء، إذ يظل حتى اليوم على قيد الحياة، محافظاً على صمته المعهود ووضعيته كأحد آخر رموز تلك الحقبة الحساسة.

وبذلك تكون علبة الأسرار البشرية لهذا الملف التاريخي قد أُغلقت نهائياً بموت أغلبية الشهود والمعاصرين، ليبقى لغز القضية حبيس الأرشيفات السرية للدول المعنية، بين المغرب وفرنسا وإسرائيل.

لكن المفارقة المثيرة في مسار ذاكرتي الشخصية أنني التقيت يوماً بأحد الأسماء المتورطة في القضية، إذ جالسته وحاورته في مناسبات عدة، من دون علم مسبق بأنني أمام أحد المتهمين الذين وردت أسماؤهم كأطراف مشاركة في جريمة اختطاف واغتيال زعيم اليسار المغربي المهدي بن بركة.

من أفيش القهوة إلى صالون الناشر

تتقاطع المسارات في الصحافة أحياناً عبر بوابة الإشهار، لا عبر زوايا المقالات. ففي ربيع عام 1984، وحين أطلقت مجلة «السؤال»، استوقفتني الصفحة الإشهارية الملوّنة المستقرة على الغلاف الأخير لمجلة «لاماليف»، التي كانت تصدرها باللغة الفرنسية الصحافية زكية داوود وزوجها الناشر محمد لغلام. كان الإعلان يروّج لقهوة «صوبرالي».

يومها قصدت صديقي الفنان المصمّم والخطاط أحمد الجوهري، الذي كان يصمّم علب القهوة وأفيشاتها لصالح الشركة، وطلبت منه أن يتوسّط لي لدى صاحبها لينعم على مجلتنا بالحظوة الإشهارية نفسها.

أخذني الجوهري بسيارته إلى شارع السفير بنعايشة في منطقة عين السبع بالدار البيضاء. وهناك التقيت للمرة الأولى بالسيد العربي هابي، صاحب المصنع، وهو رجل نشيط ومنشرح الصدر، ينضح بالحيوية ويعتمر كبرياء رجل أعمال يعرف تفاصيل حرفته. أخذني السي العربي في جولة بين الآلات الحديثة لتغليف القهوة وتصنيعها، مستعرضاً أنواعاً رفيعة كان يستوردها من البرازيل والبيرو وساحل العاج. وبعد أن احتفينا بفنجان من القهوة المقطّرة في مكتبه، سلّمني أفلام الكليشيه الخاصة بدعاية «صوبرالي» لتُنشر في «السؤال».

تطورت علاقتي بالعربي هابي، وصرنا نلتقي بين الحين والآخر، تارةً في مكتبه المطلّ على مخازن وأرصفة ميناء الدار البيضاء، وتارةً في منزل أحمد الجوهري بشارع مصطفى المعاني. وفي إحدى تلك الجلسات، مدّني السي العربي برقم هاتف شقيقه الطيب هابي، مبيّناً أنه ناشر بالرباط يبحث عن صحافي يمتلك الخيوط المهنية لمساعدته في الترويج الإعلامي لمجلته الأكاديمية الصادرة بالفرنسية داخل الصحف المغربية الناطقة بالعربية.

أخو صدام في «الهيلتون»

لمّا التقيت بالطيب هابي، وجدت أمامي رجلاً لبق الحديث، ذكياً وكريماً، يفيض هيبةً ووسامةً. وكانت مواعيده في الغالب تتحدّد في صالون فندق الهيلتون بالرباط (سوفيتيل حالياً).

أطلق الطيب هابي مجلة علمية وتاريخية رفيعة المستوى بعنوان «مجلة المغرب – أوروبا» (Revue Maroc Europe)، صادرة عن دار نشر يملكها، هي «إديسيون لا بورت» (Editions La Porte)، وأشرف على تسيير وإدارة واحدة من المكتبات الشهيرة في شارع محمد الخامس بالعاصمة (Aux Belles Images). ويعود تأسيسها إلى أربعينيات القرن الماضي، خلال فترة الحماية الفرنسية بالمغرب.

كانت مكتبة ورواق «أو بيل إيماج» تُعدّ واحدة من أعرق المعالم الثقافية والفنية في الرباط، حيث شكّلت لعقود طويلة مركز إشعاع أدبي وفني، ومقصداً لأبرز الأدباء والتشكيليين، ومنتدى لقاء للنخبة الثقافية، من خبراء ومفكرين ودبلوماسيين ومؤرخين. واشتهرت المكتبة باستيراد أهم الكتب والمجلات والمطبوعات الفرنسية، فضلاً عن تنظيم المعارض التشكيلية لأبرز الفنانين المغاربة والأجانب. وكانت تُدار من قبل سيدة فرنسية تقيم بالرباط، هي مدام رينيه أمييل (Mme Renée Amiel)، وقد أعاد الطيب هابي النشاط الفني للرواق، فاسحاً المجال أمام الفنانين المغاربة، بمن فيهم الشباب.

أما «مجلة المغرب – أوروبا»، فكانت تُطبع في حجم كتاب ضخم تحت شعار: «تاريخ، اقتصاد، مجتمع: الأمس، اليوم، غداً».

كانت المادة العلمية للمجلة غزيرة، تخوض في رحاب العلوم الإنسانية والتاريخ الاقتصادي، وتسبر أغوار العلاقات المعقّدة بين المملكة المغربية والقارة الأوروبية. وبرغم أن الطيب هابي كان يتولى الصفة الرسمية مديراً للنشر ورئيساً للتحرير، فإن العقل الأكاديمي المحرّك لتلك الشبكة البحثية كان المؤرخ الفرنسي البارز جان لوي مييج، بمعاونة المؤرخ المغربي زكي مبارك.

كان جان لوي مييج (1923–2018) من المختصين في تاريخ المغرب خلال القرن التاسع عشر. وُلد ونشأ في الرباط، وقد نال شهرة أكاديمية واسعة عقب مناقشته عام 1959 أطروحته الشهيرة «المغرب وأوروبا»، تحت إشراف شيخ المؤرخين شارل أندريه جوليان.

الطيب هابي

أما المؤرخ المغربي زكي مبارك (1940–2019)، فقد كرّس اهتماماً خاصاً لدراسة تاريخ المغرب الحديث، لا سيما ما تعلّق بملفات المقاومة وجيش التحرير. تعرّفت إلى الأستاذ زكي مبارك عندما خلَف الصحافي الكبير عبدالله الستوكي على رأس مديرية الصحافة عند انطلاق الدورة التاسعة لألعاب البحر الأبيض المتوسط عام 1983، وكان الستوكي قد ذهب ليتفرّغ لإطلاق المجموعة الإعلامية للحزب الوليد، الاتحاد الدستوري، الذي تأسس تحت رعاية أحمد رضا كديرة، مستشار الملك الحسن الثاني.

ولم يكن زكي مبارك بمعزل عن تقاطعات السلطة، فقد كان مقرّباً من الدوائر النافذة، وشغل في فترة من الفترات مهمة مترجم لصالح العراقيين، في مرحلة كانت فيها فرنسا مزوّداً رئيسياً لترسانة بغداد العسكرية. وقد شاركه في تلك المهمة ذاتها كاتب مغربي مقيم بفرنسا، عُرف تاريخياً بارتباطه الوثيق بمخابرات نظام صدام حسين، لتتداخل بذلك خيوط الفكر والتاريخ وكواليس السياسة في سيرة رجل طالما تحرّك في تخوم المعرفة والظل.

هكذا انخرطت في مهمة الترويج الإعلامي للمجلة الفصلية، من خلال صياغة تقارير صحافية حول مضامين أبحاثها، لأوزّعها على الجرائد الوطنية بفضل علاقاتي الممتدة مع الزملاء، متلقّياً تعويضاً مناسباً عن هذا الجهد الإعلامي.

ما زالت حاضرة في ذهني تلك المصادفة التي شهدها الصالون الفسيح لفندق «الهيلتون». فبينما كنت أتبادل أطراف الحديث مع الطيب هابي، أومأ إليّ بإشارة خاطفة نحو رجل يقف بجانب إحدى السواري. لم يكن ذلك الشخص سوى برزان التكريتي، أخ الرئيس العراقي وسفيره لدى الأمم المتحدة بجنيف (1988–1999)، حيث أمسك هناك بزمام الملفات المالية والاستخباراتية الحساسة لنظام البعث. وما من شك في أن وجوده بالرباط آنذاك كان لغاية مهمة خاصة أوفده فيها شقيقه صدام حسين إلى الملك الحسن الثاني.

استمرت لقاءاتي بالطيب هابي وتكررت بين الرباط والدار البيضاء، وفي إحدى المرات تواعدنا على اللقاء في عنوان يقع في امتداد حي المعاريف بالعاصمة الاقتصادية، وهناك تبيّن لي أنه يمتلك، برفقة شقيقه العربي، شركة متخصصة في تجارة أجهزة الطباعة والمعدات المطبعية.

العميل المحتجز والرجل الخفي

ظلّ الانطباع عن الطيب هابي يترسّخ لديّ باعتباره ناشراً وأحد الفاعلين ضمن المشهد الثقافي، إلى أن قرأت بعد سنوات أخباراً ومقالات صحافية هزّت هذه الصورة النمطية. فقد اتضح أنه لم يكن مجرد رجل ثقافة، بل كان ضابطاً وعميلاً سابقاً مرتبطاً بأجهزة الاستخبارات وشبكات الدولة الموازية في المغرب. فبعد مسار وظيفي استمر زهاء ثلاثة عقود، وعقب دراسته بمسقط رأسه في وجدة ثم بمدينة فاس، تدرّج في سلك الأمن الوطني بمدن طنجة وتطوان ومكناس، لينتقل لاحقاً إلى جهاز «الكاب وان» (CAB 1) ومديرية الدراسات والمستندات (DGED).

ظهر اسم الطيب هابي ضمن بيان للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يشير إلى قائمة أسماء أفلتت من العقاب، وأن لدى الجمعية قرائن بشأن احتمال تورّط أصحاب تلك الأسماء في انتهاكات حقوق الإنسان إبان سنوات الرصاص. كما ورد اسم الطيب هابي في تقرير عربي عن حقوق الإنسان نُشر عام 2001.

في تلك التقارير الحقوقية، يُنوَّه بالطيب هابي باعتباره قد تحرّك ضمن الدوائر القريبة من السلطة المغربية في عهد الحسن الثاني، وأقام صلات مع شبكات استخباراتية خارجية، مثل الاستخبارات الخارجية الفرنسية (DGSE) في حقبة ما، ليُشار إليه بالبنان لمعرفته العميقة بدواليب التأثير والشبكات الموازية والعمليات الأمنية خلال حقبة ما يُعرف بسنوات الرصاص في المغرب.

ولعلّ الأكثر حضوراً في الأرشيفات والروايات التاريخية، لا سيما تلك التي أثارها المؤرخ الصحافي والروائي بيير أكوس، ونقلتها منابر صحافية مثل أسبوعية «ماروك إيبدو»، هو تردّد اسم الطيب هابي في التحقيقات الفرنسية كأحد المشتبه بهم في ملف اختطاف واغتيال زعيم المعارضة المهدي بن بركة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 1965، حيث ذُكر لتورّطه المباشر أو لدوره المفترض في الشبكات العملياتية والتشعّبات المرتبطة بالقضية، وتردّدت فرضيات صحافية تُسقط عليه الكنية الغامضة «الشتوكي».

إقرأ على موقع 180  رحيل المناضل المغربي أسيدون.. وداع الأغصان وعهدُ الكوفية

لكن التحوّل الدراماتيكي في حياته جاء عقب مقتل الجنرال أحمد الدليمي في كانون الثاني/يناير 1983 بضاحية مراكش، إذ طالت الطيبَ هابي الحملةُ التي استهدفت رجالات الدليمي، فاعتُقل سرياً وظلّ اختفاؤه لغزاً لا تعلم عنه أسرته شيئاً، ولم يُفرج عنه إلا بعد أكثر من سنة من الاحتجاز السري.

وبعد مرور اثني عشر عاماً على ذلك الاعتقال المظلم، أطلّ الطيب هابي من جديد، لكن هذه المرة بثوب رجل الفكر والفنون. اشترى مكتبة ورواقاً تشكيلياً كانا في ملكية إحدى العائلات الفرنسية المقيمة بالرباط، وأسّس دار نشر، محوّلاً اهتمامه كلياً نحو العمل الثقافي وصون الذاكرة التاريخية. ونتيجة لذلك المسار الجديد، حصل على وسام ملكي من درجة ضابط، ونال توشيحات فرنسية رفيعة، كالميدالية الكبرى من أكاديمية «الفنون والعلوم والآداب» بباريس عام 2007، فضلاً عن شغل منصب مندوبها بالمغرب وعضوية أكاديمية «فار» بتولون.

غير أن الطيب هابي ظلّ ينفي أي علاقة له بقضية بن بركة، ولم يخض في أي تفاصيل حول ماضيه في أجهزة المخابرات، ولا تفوّه بشهادة تخصّ اختطافه القسري الذي دام نحو عام ونصف العام.

لذلك، حين يحضر اسم الطيب هابي في ذهني، تتداعى فوراً أشباح ملف بن بركة. إذ ينحدر الطيب هابي من مدينة وجدة، المدينة المنتمية إلى جهة الشرق المغربي التي رفدت المخابرات المغربية بكبار أطرها، وعلى رأسهم محمد العشعاشي وشقيقه عبد الحق. وكان هابي مقرّباً من الجنرال محمد أوفقير. وفي مرحلة ما، أبعده الجنرال أحمد الدليمي، قبل أن يعيده ضمن إعادة توزيع المسؤوليات الأمنية في جهاز الاستخبارات الخارجية، بعد فشل محاولة الانقلاب العسكري في 16 آب/أغسطس 1972 ومقتل الجنرال أوفقير.

نفى الطيب هابي باستمرار علاقته باسم «الشتوكي»، مؤكداً أن ذلك مجرد تلاعب استخباراتي وتلفيق من الإعلام الفرنسي. ومع مرور السنوات، انقشع اللغز جزئياً عقب وفاة الملك الحسن الثاني وجلسات هيئة الإنصاف والمصالحة، حين تبيّن أن «الشتوكي» الحقيقي هو ضابط المخابرات ميلود التونزي.

مع مطلع الألفية الحالية، تتبّعت الصحافة خيط «التونزي»، لتحدّد مكان إقامته بضواحي الرباط قبل أن يختفي مجدداً، متوارياً خلف ظلال القضية المعقّدة.

وعقب انكشاف الاسم الحقيقي لـ«الشتوكي»، استرجع بعض المتعاملين مع المركز السينمائي المغربي حضور إحدى أطره التي تحمل اللقب نفسه: «ليلى التونزي»، المسؤولة عن الإنتاج آنذاك. غير أن التحرّيات والوقائع تقطع بانتفاء أي قرابة أو أثر عائلي يربط بين ميلود التونزي وليلى التونزي، إذ لم يجمع بينهما سوى تشابه أسماء عابر فرضته الصدفة البحتة.

في كتاب صدر بفرنسا سنة 2006 بعنوان Les officiers de sa majesté: les dérives des généraux marocains, 1956–2006، «ضباط صاحب الجلالة: انحرافات الجنرالات المغاربة، 1956–2006»، ألّفه الضابط المتقاعد المحجوب الطوبجي، يرد اسم الطيب هابي بوصفه قد استعمل أيضاً في جواز سفره الاسم المستعار «الشتوكي».

تفرّق الطرق وصمت الشهود

انقطعت أواصر التواصل بيني وبين العربي هابي لسنوات طويلة، إلى أن قرأت خبر رحيله في الصحف، إثر وفاته بفرنسا في آذار/مارس 2020 عن عمر ناهز 76 عاماً. وقبله كان الموت قد غيّب الفنان والخطاط أحمد الجوهري سنة 2001 بالدار البيضاء، بعد صراع مرير مع سرطان الرئة. أما الطيب هابي، فلم أقف على مآله إلا متأخراً، حين طالعت مصادفة نبأ وفاته بتاريخ 26 أيار/مايو 2015 عن سبعة وسبعين عاماً.

ومع أنني لا ألمّ يقيناً بكواليس وسياقات انتقال ملكية دار النشر «لا بورت» (La Porte) ومكتبة «المطبوعات الجميلة»، فإن الناشر عبد القادر الرتناني، الرئيس السابق لنادي الرجاء الرياضي، صرّح في غير ما مرة للصحافة بأن مشروعه «ملتقى الطرق» (La Croisée des Chemins) احتضن أرشيف دار «لا بورت» ورصيدها الأكاديمي والفكري إثر أزمتها بالرباط، ليعيد بعث منشوراتها ضمن خط مشروعه المتوسّع. وفي غضون ذلك، لا أستبعد أن تكون البناية التي آوت المكتبة قد تحوّلت اليوم إلى متجر للملابس أو مقهى عابر.

عظمون.. السكيرج والبخاري

ليست قصة الطيب هابي نشازاً في ذاكرة تلك المرحلة، بل هي جزء من بنية متكاملة لرجال عاشوا في الظل، وتقاطعت مساراتهم مع الفضاء العام بطرق غير متوقعة.

ففي التسعينيات، وأثناء تردّدي على نادي الكرة الحديدية بمرس السلطان، الذي كان يقع وسط حديقة الجامعة العربية بالدار البيضاء، كنت ألتقي برجل ودود وكريم يُدعى الحاج إدريس، وكان من روّاد النادي.

لم أكن أعلم حينها أن هذا الرجل اللطيف والمحتفي بالجميع لم يكن سوى إدريس عظمون، رجل المخابرات الذي أُسندت إليه واحدة من أعقد العمليات الاستخباراتية في السبعينيات: عملية اختطاف مناضل نقابي وسياسي من حزب المهدي بن بركة، وهو المعارض الحسين المنوزي، من قلب العاصمة التونسية عام 1973.

يُذكر اسم الحاج إدريس عظمون في الذاكرة الرياضية المحلية لمدينة الجديدة كأحد كبار المسيّرين الذين وضعوا اللبنات الأولى لكرة القدم في المنطقة عقب استقلال المغرب، وقد توفي سنة 2000. وكان الحسن الثاني قد أوكل مهمة تسيير ورعاية أندية كرة القدم إلى الشرطة وعناصر من ضباط الجيش الملكي.

وعلى المنوال نفسه من محاولات التقصّي، سعيت يوماً إلى إجراء حوار صحافي مع رشيد السكيرج، شقيق الممثل المشهور البشير السكيرج، الذي توسّط لي لتحقيق ذلك الغرض عقب عودة أخيه إلى المغرب، بعد أكثر من ثلاثة عقود أمضاها منفياً بفرنسا، منذ انشقاقه عن جهاز «الكاب 1» المشرف على عملية اختطاف المهدي بن بركة. وكان رشيد السكيرج من الشهود الأساسيين الذين أدلوا بشهاداتهم في محاكمة المتورطين بباريس في صيف 1967. غير أنه لم يستجب لرغبتي الصحافية، وظلّ متكتّماً على أسراره إلى أن توفي سنة 2016 بفرنسا.

وخلال سنوات إقامته في المنفى الفرنسي، اقترب السكيرج من دوائر المعارضة المغربية في الخارج، وتقلّد مهام المدير الإداري والمالي لمجلة «اليوم السابع» الباريسية، التي ضمّت بين كتّابها رفيقاً تاريخياً لبن بركة هو محمد الباهي، بينما تولّى رئاسة تحريرها الكاتب الصحافي الفلسطيني بلال الحسن. وبهذا المسار، بقي رشيد السكيرج شخصية يلفّها الغموض، وتلاحقها ظلال من الشكوك لم تتبدّد بشكل نهائي حتى الآن.

وفي السياق ذاته، جالست ضابط الاستخبارات السابق أحمد البخاري إثر صدور الطبعة الأولى من كتابه (Le Secret)، «السر»، في فرنسا، حيث كشف للمرة الأولى عن معطيات مثيرة للجدل بشأن اختطاف واغتيال المهدي بن بركة.

جرى اللقاء بحضور الناشط الحقوقي الطبيب عبد الكريم المنوزي، شقيق المعتقل النقابي والسياسي المختفي قسراً الحسين المنوزي، بمقر منتدى الحقيقة والإنصاف، الذي كان في الأصل مقراً لمجلة «لاماليف» المحظورة. غير أن البخاري لم يقدّم لي معطيات إضافية تخرج عمّا سجّله في مذكراته المنشورة.

أتذكّر أن البخاري كان متوتّراً، فقد أزعجته بعض الأسئلة التي طرحتها عليه، حتى أنه صرخ في وجهي في إحدى المرات، طالباً ألّا أكرّر عليه مثل تلك الاستفسارات، ما دفعني إلى الكفّ عن إتمام الحوار بهدوء. ونحن نغادر مكتب المنتدى، حاول البخاري تلطيف الأجواء وامتصاص غضبي جرّاء إخفاقي في انتزاع أي جديد منه، فزوّدني بأسماء بعض المناضلين الاتحاديين ممن زعم أنهم كانوا من المتعاملين مع الشرطة، كما طلب مني موافاته بنسخة من عدد «السؤال-الملف» الذي أشرفت على إعداده، وكرّست صفحاته بالكامل لقضية المهدي بن بركة.

تحوّلات الأرواح وتأبيد السر

أتساءل دوماً عن التعرّجات الخفية التي تسلكها أرواح أفراد المخابرات ورجال السلطة بعد انقضاء مهماتهم، فأغلبهم يفضّلون الذوبان في الظل والانزواء بعيداً عن صخب المشهد العام، وكأنهم يفرّون من أشباح ماضيهم.

ومنهم من تضطرّه تفاصيل الحياة اليومية إلى العمل البسيط، كحال الجلّاد عبد اللطيف بنغانم (من «حُجّاج» درب مولاي الشريف)، الذي انتهى به المطاف مشتغلاً مراقباً في أروقة المتاجر الكبرى «ألفا 55» بشارع مرس السلطان، والتي كانت في ملكية أخيه. ومنهم من قهرتهم الأمراض المزمنة وفتكت بهم أعوام العزلة، مثل قدور اليوسفي، رئيس معتقل «درب مولاي الشريف» الرهيب بالدار البيضاء، الذي قضى أيامه الأخيرة حطاماً مهزوماً فوق كرسي متحرّك، ينهش الخرف ما تبقّى من ذاكرته.

وحدهم أولئك الذين خبروا كواليس تلك الحقبة يدركون كم كانت الحدود بين عالم الحبر وعوالم الظل غامضة ورقيقة إلى حد الذهول. فبين صفحات الأبحاث الأكاديمية الصارمة وحركات الدبلوماسية السرية، ظلّ التاريخ يُكتب في المغرب على إيقاع تقاطعات معقّدة لا تبوح بأسرارها دفعة واحدة، بل تستلّها الأيام قطرة قطرة.

إن سيرة أناس مثل الطيب هابي ليست سوى نافذة صغيرة تطلّ على لوحة أوسع وأكثر تعقيداً، لوحة تتداخل فيها أوراق الاستخبارات مع رفوف المكتبات، وتجتمع حول طاولات نقاشها أسماء تبدو ظاهرياً كأنها تنتمي إلى عوالم متنافرة، لكنها تلتقي في النهاية عند حافة السؤال الأبدي: كيف نكتب التاريخ حين يختلط الحبر بالدم، وكيف تستعيد الذاكرة عافيتها أمام صمت الحقيقة والوطن؟

ولعلّ ما يضاعف من مرارة هذا السؤال هو ما شهدناه في العام الماضي، بمناسبة مرور ستة عقود على القضية، إذ أصدر صحافيان، أحدهما إسرائيلي (رونين بيرغمان) والثاني أميركي (ستيفت سميث)، كتاباً جديداً حول قضية بن بركة، اختارا له عنوان «قضية بن بركة: نهاية الأسرار»، ليتبيّن للقارئ منذ الصفحات الأولى أنه لم يكن سوى بداية لتأبيد الأسرار، ورشّ المزيد من الملح أو الحمض فوق جثة الحقيقة التي لم تُدفن بسلام قط.

(1) «مَاذَا فَعَلَتْ بِكَ الأَقْدَارُ؟ فَلَمْ يَبْدُ لَكَ أَثَرٌ، وَلَمْ يُبَشِّرْ بِكَ بَشِيرٌ، كَأَنَّكَ الطُّوَيْرُ طَارَ وَمَا عَادَ إِلَى الْوَكْرِ. رَبِّي مَوْلَايَ… سَيِّدِي رَبِّي مَوْلَايَ.. لَقَدْ أَخْفَى النَّاسُ حَدِيثَكَ، وَكَتَمُوا عَنِّي أَسْرَارَكَ، فَخَوْفِي أَنْ تَكُونَ أَعْلَقَتْكَ شِبَاكُ الْغَيْرِ، أَوْ أَنْ تَكُونَ قَدْ صَادَفْتَ فِي السَّمَاءِ مِخْلَبَ الْحِدَأَة…».

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  المغرب: "التطبيع" يكشف سرّ منابر سياسية وإعلامية ورياضية