“أنصار التوحيد”… نأي بالنفس وسط متغيرات تعصف بإدلب
Syrian fighters attend a mock battle in anticipation of an attack by the regime on Idlib province and the surrounding countryside, during a graduation of new Hayat Tahrir al-Sham (HTS) members at a camp in the countryside of the northern Idlib province on August 14, 2018. (Photo by OMAR HAJ KADOUR / AFP) (Photo credit should read OMAR HAJ KADOUR/AFP/Getty Images)

بالرغم من أن فصيل "أنصار التوحيد" يعتبر من الفصائل الصغرى في إدلب وليست لديه الإرادة ولا القدرة على التأثير في المشهد بشكل جذري، إلا أن مسارعته إلى إعلان براءته من أية بيعات خارجية أو سرية، وخروجه من تحالفاته العسكرية السابقة، يمكن اعتبارهما بمثابة مؤشر مبدئي على تسارع الخطى الحثيثة التي تبذلها بعض الجهات لإيجاد مخرج من حالة الاستعصاء التي يرزح المشهد الإدلبي تحت وطأتها منذ اتفاق الخامس من آذار/مارس آذار بين موسكو وأنقرة.

في خطوة غير متوقعة، لأكثر من سبب، أعلن “أنصار التوحيد” يوم الأحد في بيان مقتضب وجهه إلى “الأمة عامة وأهلنا في الشام خاصة”: “إننا جماعة مستقلة ولا تربطنا بيعة تنظيمية خارجية أو داخلية سرية أو علنية” مضيفاً “لا ننضوي تحت اية غرفة عمليات وليس لنا حلف مع اي جماعة أو فصيل إلا ما كان من حلف قد أبرمناه في السابق وأننا اليوم في حلٍّ منه”.

وقد صدر هذا الإعلان في وقت لم توجه فيه إلى “أنصار التوحيد” أية اتهامات مباشرة بارتباطه ببيعات مع تنظيم “القاعدة” أو غيره، لذلك يبدو أن الغرض من وراء هذا التبرؤ، و ليس مجرد علاقات عامة لتبييض صفحة الفصيل، ولو كان الأمر كذلك لكان الوقت الأنسب له في أعقاب الغارة الأميركية التي استهدفت أحد مواقعه في ريف حلب في شهر آب/أغسطس من العام الماضي توقياً للغضب الدولي ضده.

والأرجح، والأمر كذلك، أن صدور البيان السابق يشي بوجود تحركات خفية تمهيداً لإحداث تغيير في المشهد الجهادي ومعادلاته القائمة، وأن “أنصار التوحيد” وجد أن مصلحته تكمن في “النأي بنفسه” عن هذه التحركات كي لا تصيبه تداعياتها بأي ضرر.

وببساطة يمكن القول أن غاية البيان هي الابتعاد عن فصيل “حراس الدين” المبايع لتنظيم “القاعدة” العالمي بقيادة أيمن الظواهري، وذلك من خلال إنهاء التحالف الذي جمعهما منذ منتصف عام 2018 تحت اسم “حلف نصرة المظلوم”، وهو الحلف الذي أشار إليه البيان من دون تسميته صراحة.

عدا ذلك لم ينخرط “أنصار التوحيد” في أية “غرفة عمليات” مشتركة مع أي فصيل آخر، بل كان يكتفي بالقتال إلى جانب غرفة عمليات “وحرض المؤمنين” إلى جانب حراس الدين وأنصار الاسلام وأنصار الدين، من دون ان يكون عضواً فيها. واستناداً لذلك كان من الجلي جداً أن البيان يستهدف خلق مسافة مع “حراس الدين” الذي على ما يبدو تدور حوله العديد من الحسابات ذات التشعبات الإقليمية والدولية، ولا تريد قيادة “الأنصار” أن تكون ضحية أية حسابات خاطئة فأرسلت “إحداثياتها التنظيمية” بشكل مسبق.

ونظراً للتركيبة المعقدة والشائكة التي جمعت حوالي ألف مقاتل تحت راية “أنصار التوحيد” لدى تشكيله في ربيع العام 2018، بسبب توجهاتهم المختلفة وولاءاتهم السابقة التي كانت موزعة بين “جبهة النصرة” و”داعش” و”جند الأقصى”، يعطي صدور البيان إشارة واضحة إلى أن ثمة جناحاً داخل هذا الفصيل تمكّن من الهيمنة على القرار فيه وتحييد باقي الأجنحة. والأرجح أن الجناح الذي يقوده خالد أبو الخطاب (ويسمى أحياناً خالد خطاب)، الذي يتولى منصب القائد العسكري العام في “أنصار التوحيد”، هو الذي نجحت مساعيه في قيادة دفة الجماعة في ظل المتغيرات الكبيرة التي تعصف بملف إدلب على ضوء التطورات السياسية والأمنية والعسكرية.

وقد بدأ مسار التحول الجذري مع مشاركة “أنصار التوحيد” في الهجوم الذي شنته الفصائل المسلحة بقيادة وإشراف تركيين للسيطرة على بلدة النيرب في شهر شباط/فبراير الماضي. وكانت هذه المشاركة أول إشارة واضحة إلى وجود تباين حقيقي بين “أنصار التوحيد” و”حراس الدين” لأن الأخير يحكم على الجيش التركي بأنه جيش علماني كافر لا يجوز القتال معه، وتطبيقاً لذلك تركزت مواقف “حراس الدين” طوال الأشهر الماضية على انتقاد السياسة التركية والتحريض على مقاومتها وصولاً إلى اتهام “حراس الدين” بتفجير مركبة عسكرية تركية بعبوة ناسفة وقتل 3 من الجنود الأتراك وذلك يوم الخميس 19 آذار/مارس المنصرم.

وقبل هذه التطورات بعام كامل، وتحديداً في الخامس من شهر أيار عام 2019، صدر بيان عن خالد خطاب بصفته القائد العسكري العام لأنصار التوحيد نفى فيه “أن تكون في رقبتي بيعة لهيئة تحرير الشام وأنني أتلقى الأوامر منها بكل صغيرة وكبيرة”. ويحظى خطّاب بشعبية واسعة في صفوف المسلحين والعديد من الفصائل بسبب حنكته العسكرية وخبراته القتالية، غير أن طبيعة العلاقة التي تجمعه بأبي محمد الجولاني زعيم “هيئة تحرير الشام” بقيت نقطة الضعف التي تلاحقه واضطرته إلى إصدار البيان السابق الذي نفى فيه أن تكون العلاقة تحت مسمى “البيعة”.

ويذهب البعض إلى أن الجولاني لديه أدلة وتسجيلات تثبت تواصل خطاب مع قياديين كبار في تنظيم “داعش” ممن كانوا يحاولون إيجاد موطئ قدم للتنظيم داخل محافظة إدلب، وأن الجولاني يستخدم هذه الأدلة للضغط على خطاب وإجباره على اتخاذ بعض الخطوات في أوقات معينة لخدمة اهدافه ومصالحه، وبالتالي حتى في حال عدم وجود بيعة تنظيمية فإن السيف المصلت على رأس خطاب بعلاقته مع داعش يضطره لمجاراة الجولاني أكثر مما لو كان مبايعاً له.

وأيّاً يكن، فإن رد فعل أنصار “هيئة تحرير الشام” واحتفالهم بالخطوة التي اتخذها “أنصار التوحيد” يؤكد على الأقل أن التباعد بين الأخير و”حراس الدين” يصب في مصلحة الاستراتيجية التي يحاول الجولاني اتباعها من أجل الفرار من براثن التصنيف الدولي على قوائم الارهاب.

وعلى خلفية التطورات الدامية التي وقعت بين قوات الجيش التركي المنتشرة في إدلب و”هيئة تحرير الشام” بسبب الخلاف على فض الاعتصام على الطريق الدولي M4 في 26 آذار/مارس الماضي، وتطور إلى أول اشتباك مسلح بين الطرفين، يبدو أن الجولاني بدأ يغزل خيوطه للخروج من مأزق المواجهة المباشرة مع الجيش التركي التي تتراوح أسهمها صعوداً وهبوطاً حسب التطورات، وإعادة تليمع صورته باعتباره “يمكن الاعتماد عليه” في محاربة التنظيمات الارهابية وتطهير المشهد الإدلبي من بعض الجماعات التي باتت تشكل عبئاً على الجميع. فهل يكون “حراس الدين” كبش الفداء، أم أن أنقرة لم تعد ترضى بمثل هذا الطعم، وأن ما تريده نتيجة الضغوط الروسية قد يطال الجولاني نفسه، وهو ما قد يفتح التطورات على احتمالات كثيرة تسير وفق حسابات معقدة لا يمكن التكهن بها مسبقاً؟.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course