“تباين أولويات”.. وما بين عون ونصرالله “لا يعلمه الا الله”!

لا يخفى على أحد ان العلاقة بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" التي كرّست في وثيقة مار مخايل في 6 شباط/فبراير 2006 التي وقعها السيد حسن نصرالله والجنرال ميشال عون، مرصودة بكل "طلعاتها ونزلاتها"، لا سيما وان هذا التفاهم تعرّض لأصعب اختبار في البعد الاستراتيجي، بعد اشهر قليلة من اعلانه، وهو إختبار تموز/يوليو 2006، ويومها كان موقف عون حاسماً في وقوفه الى جانب المقاومة منذ اللحظة الأولى للحرب الإسرائيلية ضد لبنان.

مرّت العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الحر” بامتحانات داخلية كثيرة، منذ 14 سنة حتى يومنا هذا، ويصح القول، إستناداً إلى مصادر الطرفين، أن النتائج “كانت بمعظمها ايجابية ومثمرة”، وتجسدت ذروة التكامل في الاستحقاق الرئاسي، وذلك بعد دخول البلاد في فراغ رئاسي استمر لسنتين وخمسة اشهر (2014ـ2016)، وفي هذه المرحلة، بلغ التنسيق اعلى درجاته، ووقف حزب الله بشخص امينه العام سداً منيعاً في وجه محاولات تمرير الاستحقاق “كيفما اتفق”، واصر على دعم ترشيح الجنرال عون الى سدة الرئاسة، وخيضت لاجل ذلك نقاشات صعبة مع الحليف والصديق القريب قبل البعيد، وافضت في نهاية المطاف الى تسوية رئاسية أتت بعون رئيساً للجمهورية وسعد الحريري رئيساً للحكومة.

لم تصمد التسوية الرئاسية لأكثر من ثلاث سنوات (من خريف 2016 إلى خريف 2019)، لاعتبارات عدة، الا ان العامل الخارجي في اسقاطها كان اقوى واول تجلياته تمثل باحتجاز الرئيس سعد الحريري في الرياض في خريف العام 2017 واجباره على الاستقالة عبر بيان بصياغة سعودية اذاعه عبر قناة “العربية”، وصولاً الى انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 التي وجد فيها من يريدون الاطاحة بالتسوية فرصة مؤاتية للانقضاض عليها، فكان الضغط الذي تعرض له الحريري، ودفعه الى تقديم الاستقالة وإشتراطه العودة الى رئاسة الحكومة بشروط جديدة لم يقبل بها اي من فرقاء التسوية ولا سيما جبران باسيل (ضمناً ميشال عون)، فكان الذهاب الى حكومة حسان دياب على قاعدة انها حكومة انتقالية في إنتظار إبرام تسوية جديدة، الا ان جائحة كورونا غيّرت كل الاولويات، وصعّبت صياغة هكذا تسوية محلية منتظرة، لا بل صارت مرتبطة اكثر بالعاملين الاقليمي والدولي ولا سيما تطور العلاقة الاميركية الايرانية والمنحى الذي يمكن ان تتخذه في ضوء الإنتخابات الرئاسية في كل من الولايات المتحدة وإيران بين خريف 2020 وربيع 2021.

رئاسة الجمهورية تقترب

لكن الوقت كالسيف، فإن لم تقطعه قطعك، وها هي الشهور تتوالى وتتقدم اكثر باتجاه الدخول في الاستحقاق الرئاسي في خريف العام 2022 والذي يسبقه في ربيع العام نفسه استحقاق الانتخابات النيابية التي ان حصلت سيكون لنتائجها فعل البوصلة التي تحدد مسار الاستحقاق الرئاسي وخواتيمه (بالمناسبة، موعد الإنتخابات البلدية أيضاً في صيف 2022)، لذلك بدأ المرشحون بتحشيد أوراقهم من جهة، ومحاولة حرق أوراق خصومهم على الساحتين المسيحية والوطنية من جهة ثانية.

ولا يخفى على احد، ان المرشحين الرئاسيين، سواء المعلن منهم أو المضمر، يريدون كسب ود المؤثرين في الإستحقاق داخلياً وخارجياً ولعل أبرزهم حزب الله، عبر الوقوف على خاطره ومحاولة حشره بموقف مسبق، غير أن الحزب، وعلى جاري عادته، منذ إنتخاب عون، يعتبر ان اي نقاش بشأن الإستحقاق الرئاسي “سابق لاوانه”، وان موقفه منه “سيتحدد في التوقيت المناسب واستناداً الى الظروف الموضوعية وفي صلبها ثوابت استراتيجية لا يتنازل الحزب عنها”.

تكتفي بالعبارة التي حملها المعاون السياسي للامين العام للحزب الحاج حسين خليل إبان مخاض تأليف الحكومة وما واجهها من عثرات اذ ابلغ من يعنيهم الامر رسالة معبّرة من قيادة الحزب تضمنت الآتي: “لقد ملأتم قلبي قيحاً”

مؤخراً، ارتفع الصوت بين حلفاء “حزب الله” في الصف المسيحي، من خلال المؤتمر الصحافي لرئيس “تيار المردة” سليمان فرنجية الذي تسلل من خرم قضية قضائية تتصل بالتحقيقات في ملف الفيول المغشوش ليطلق صليات سياسية صاروخية على العهد بشخص رئيس الجمهورية وعلى “التيار الوطني الحر” بشخص رئيسه جبران باسيل، وهي ليست الحملة الاولى التي يخوضها الزعيم الزغرتاوي، ولكنها الأعنف منذ فترة، وقد طالت بشظاياها حزب الله، من دون ان تحرّك قيادة الحزب ساكناً “بل بقيت على سكونها وسكينتها لاعتبارات تتصل بانشغالات استراتيجية كبرى”، وهي، الى الآن، تكتفي بالعبارة التي حملها المعاون السياسي للامين العام للحزب الحاج حسين خليل إبان مخاض تأليف الحكومة وما واجهها من عثرات اذ ابلغ من يعنيهم الامر رسالة معبّرة من قيادة الحزب تضمنت الآتي: “لقد ملأتم قلبي قيحاً”، علما أن السيد نصرالله سيقارب في مقابلته مع الزميلة بثينة عليق في “إذاعة النور” مساء يوم الثلاثاء المقبل، الملفات الداخلية ولا سيما العلاقة بين “حزب الله” و”التيار الحر”.

سلعاتا أم الرئاسة؟

ما هو سبب الحملات المتجددة من عدد من نواب وقيادات “التيار الحر” ضد حزب الله؟

البداية كانت من جلسة لمجلس الوزراء عقدت في القصر الجمهوري برئاسة ميشال عون، تم خلالها تفويض وزير الطاقة ريمون غجر ابرام مذكرات تفاهم مع الشركات الراغبة في بناء معامل الكهرباء، وفي جلسة ثانية لمجلس الوزراء عقدت في السراي الكبير برئاسة رئيس الحكومة حسان دياب، فوجئ وزراء “التيار الحر” بإعادة طرح قضية بناء المعامل “وفق سلم اولويات جديد”، بحسب مصادر عونية، ولذلك، “تم وضع معمل الزهراني كأولوية واسقط معمل سلعاتا من خطة المعامل، وصوّت وزراء حزب الله الى جانب اسقاط سلعاتا من الخطة، فكان هذا الموقف مناسبة لكي يرفع رئيس “التيار الحر” جبران باسيل صوته وعلى طريقته قائلاً:”بالنسبة لأصدقائنا (الحزب)، يا ليت يسمعون منّا بالوشوشة، نحن نصرّخ علناً لتركنا نتخبّط وحدنا في المعركة دون ان يلتفتوا لنا.. ويبقى لنا كلام وعتب معهم في السرّ”.

ترافق ذلك مع اكثر من موقف لقياديين في “حزب الله” وابرزهم نائب الامين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم الذي قال عبر محطة “أو تي في” البرتقالية “اننا معنيون بمواقفنا ووضعنا ولسنا معنيين بمواقف حلفائنا”، واعتبر ذلك رداً على مواقف سليمان فرنجية وباسيل، وسرعان ما اتبع ذلك بظهور عدد من قياديي “التيار الحر” واعلانهم مواقف سياسية بنبرة تصعيدية وكان ابرزها للنائب (عن قضاء جزين في جنوب لبنان) زياد اسود الذي أعلن أنه لا يمكن أن نحمل البارودة وشعبنا جائع، “إذا أردنا حمل البارودة يجب أن يكون الشعب مرتاحاً ولديه عمل وليس جائعاً ولا أحد يلعب به. هذا قرار الأميركيين، هذا ما سيأتي. تريدون أن تقاوموا ستدفعون هذا الثمن وأكثر”. ثم كرت سبحة المواقف وأبرزها للنائب ألان عون والقيادي العوني ناجي حايك.

لم تتأخر قيادتا “حزب الله” و”التيار الحر” في التواصل المباشر، وتحديداً عبر القناة التقليدية (جبران باسيل ـ وفيق صفا)، “ومن غير المستبعد أن يعقد لقاء على مستوى أعلى”، حسب مصادر الطرفين التي تتقاطع عند القول “لا تبنوا على ما ادلى به النائب اسود”

“التيار” يوضح لكن الى اين؟

في المعلومات، لم تتأخر قيادتا “حزب الله” و”التيار الحر” في التواصل المباشر، وتحديداً عبر القناة التقليدية (جبران باسيل ـ وفيق صفا)، “ومن غير المستبعد أن يعقد لقاء على مستوى أعلى”، حسب مصادر الطرفين التي تتقاطع عند القول “لا تبنوا على ما ادلى به النائب اسود، دعوا كلامه وراءكم، فالعلاقة الثنائية لا تتأثر بهكذا مواقف هي نتاج تحليل شخصي او اجتهاد في غير محله”.

بدورها، تقول مصادر معنية في “التيار الوطني الحر” لموقع “180” إن كلام النائب اسود “هو موقف شخصي ولا يلزم التيار بشيء”، وتضيف:”تفاهم مار مخايل هو تفاهم استراتيجي غير مسبوق في الحياة السياسية اللبنانية، ولكنه لا يعني بأي حال من الأحوال التطابق في الموقف في كل القضايا المطروحة. نعم، هناك ثوابت نلتقي عليها دائما وتتمثل في الدفاع عن سيادة لبنان في وجه عدوين اساسيين هما؛ العدو الاسرائيلي والارهاب التكفيري، وهناك تباين لا بل خلاف حول كيفية مقاربة ملفات داخلية يتصل بعضها ببناء الدولة، وفق سلم اولويات، فهناك امور وملفات وقضايا نعتبرها اولوية، ولا يوافقنا الحزب الموقف ولا ينظر اليها من ذات المنظار، الا ان الاكثر اهمية ان اي تباين واختلاف في الرأي والموقف يتم التعبير عنه بالمكاشفة والمصارحة وبروح التفاهم والتحالف وليس من منطلق انتقامي او عدائي، فهذا الاسلوب والمنطق غير موجود في قاموسنا السياسي على الاطلاق”.

تؤكد المصادر ان “التيار مستمر في عملية الدفع باتجاه بناء الدولة على توجهات واسس مغايرة لتلك التي سادت منذ ثلاثة عقود، فنحن ننبه ونحذر من مخاطر تفشي الفساد والهدر والسرقة ونهب المال العام من دون اي يحرك احد ساكنا للمحاسبة، ونحن نصارح حلفاءنا في حزب الله ان هذا النهج التدميري لكل مقومات الدولة والذي يقوّض مقوماتها ويدفعها الى الاندثار هو في حقيقته يستهدف تدمير وضرب المقاومة كحركة تحرر واستقلال وسيادة، من هنا نصرّ دائما على قياس الامور بمقياس الموازنة القائمة على استراتيجية التفاهم مع الحزب وبذات الوقت استمرار مقارعتنا وانتقادنا للخلل في عملية بناء الدولة، وهذا بحد ذاته اكثر من قيمة مضافة انما يؤدي الى دينامية من شأنها تقريب المقاربات باتجاه الهدف الاسمى وهو بناء الدولة، واي تفسير مغاير للاختلاف في الموقف وللتباين حول مواضيع معينة هو مجرد وهم وامنيات حاقدة من قبل الساعين لتخريب العلاقة بيننا وبين حزب الله”.

وعندما نسأل المصادر عن نقاط التباين، تكتفي بالقول “انها واضحة ويتم التعبير عنها علنا، فنحن مع الانفتاح على اي دولة تستطيع دعم لبنان ماليا واقتصاديا بشرط عدم المساس بحدود السيادة الوطنية بجميع مستوياتها، ويشمل ذلك العلاقة مع الولايات المتحدة الاميركية والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي، وبالتالي لا نخجل من اي علاقة نقيمها طالما أنها في جوهرها وسيرورتها ونتيجتها تصب في المصلحة اللبنانية دون سواها وتحت سقف الدستور والقوانين ووفق ثابتة الوطنية والاخلاق، لذلك ما يميّز التيار الوطني الحر انه ديناميكي ومتحرك على المستوى اللبناني وليس من طبيعته ان يكون جامدا في عمله السياسي، وهو دائما في موقع وموقف المنفتح ولكن ليس على حساب الكرامة والشراكة والدور، فهذه الثوابت لا تعني الجمود والانتقاد لا يعني العدائية، فالافضل والاسلم ان تصارح حليفك بدل ان تضمر له العداء وتتحين الفرصة لصب جام غضبك عليه”.

وعن المدى الذي يمكن ان يبلغه هذا التصعيد في الموقف، تدعو المصادر الى “توقع ازدياد حدة النقاشات واتساعها كلما طرح التيار الوطني الحر عنوانا من العناوين المتصلة بالاصلاح السياسي والمالي والاقتصادي والاداري، ومنها على سبيل المثال لا الحصر قضايا اللامركزية الادارية والمالية الموسعة، إنشاء مجلس الشيوخ والصندوق السيادي وصولا الى الدولة المدنية، فكل ما نطرحه ونقدمه من مشاريع قوانين ومن خطط اصلاحية تصب في اتجاه قيام الدولة المدنية”.

حزب الله لا يعوّل على الصندوق

لا يختلف الامر كثيرا بالنسبة إلى قيادة “حزب الله”، فهي تتصرف منذ فترة، وفق قاعدة مفادها أن إحتمال إتساع أو ضيق الهوامش بين الحلفاء، هو إحتمال قائم تبعاً للموقف من القضايا المحلية المطروحة، “ولكن ذلك لا يسري على الثوابت المتصلة بالمقاومة ومواجهة الإرهابين الاسرائيلي والتكفيري. نعم، تحت هذا السقف، كل شيء، ومن دون أية محرمات، قابل للنقاش وللبحث وتدوير الزوايا”.

ومن يستمع الى ما تقوله قيادات كبيرة في حزب الله يعلم عمق العلاقة السياسية مع “التيار الوطني الحر” لان “تفاهم مار مخايل يشكل نموذجاً للعلاقة بين الاحزاب والقوى السياسية اللبنانية، وهو تفاهم وُلد لكي يتطور ويشمل اكبر عدد ممكن من المكونات السياسية والحزبية اللبنانية، ولذلك، يتمسك الحزب بهذا التفاهم لان فيه مصلحة لكلا الطرفين وتنعكس بكل تجلياتها إيجاباً على الواقع اللبناني”.

عندما يُسأل كل من الرئيس ميشال عون والسيد حسن نصرالله، عن طبيعة العلاقة بين الطرفين، يردد كل منهما امام زواره، وعلى طريقته، “ان ما بيننا من عمق في العلاقة.. لا يعلمه الا الله”.. أما أن البعض يراهن على صندوق النقد والأميركيين، فقد كان رد السيد نصرالله واضحاً في كلمته بـ”يوم القدس العالمي” اليوم (الجمعة) بقوله إن الدول التي استسلمت سابقا لصندوق النقد تعاني الآن من الجوع ونحن نستطيع من خلال قدراتنا وعقلنا أن لا نموت جوعاً وأن نحافظ على سيادتنا، ونحن في لبنان أقوياء ولسنا بين خيارين لا ثالث لهما.

داود رمال

صحافي لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course