منصّة مصرف لبنان: مصادرة الدولارات الطازجة وكسب الوقت

علي نورعلي نور28/05/2020
من المفترض أن يستهل مصرف لبنان في الساعات المقبلة عمليّة تزويد التجّار بالدولارات المطلوبة لإستيراد المواد الأولية والغذائيّة الأساسيّة، من خلال المنصّة التي أنشأها لغرض التداول بالعملات الأجنبيّة، بالإتفاق مع المصارف التجاريّة. إنطلاق المنصّة، يمثّل خطوة كان يحضّر لها المصرف المركزي منذ فترة، من خلال سلسلة من التعاميم. لكنّ يبدو أنها تستبطن محاذير كثيرة، خاصةً إذا لم يتمكّن المصرف من ضبط سعر الصرف في السوق الموازية.

منذ أسابيع عديدة، يعدُّ مصرف لبنان العدّة للدخول في سوق الصرف الخارجة عن نطاق النظام المصرفي، مع كل ما يعنيه ذلك من عقبات تقنيّة وتمويليّة. بدأ هذا المسار منذ مطلع شهر نيسان/أبريل المنصرم بإعلان تأسيس منصّة خاصّة بالتداول بالعملات الأجنبيّة، من خلال تعميم خاص حمل الرقم 149، على أن تجمع هذه المنصّة، بحسب التعميم، المصرف المركزي بالمصارف التجاريّة والصيارفة. ولرفد المنصّة بالدولارات المطلوبة للتدخّل في السوق، أصدر حاكم المصرف المركزي التعميم رقم 551 في منتصف نيسان/أبريل الماضي، ويقضي بمصادرة الدولارات المتأتية من التحويلات الواردة عبر شركات تحويل الأموال، لمصلحة المصرف المركزي نفسه، على أن تُسدد قيمة التحويلات بالليرة اللبنانيّة، ووفق سعر صرف خاص حُدد حاليّاً عند مستوى 3200 ليرة لبنانية مقابل الدولار.

تأتي إذاً خطوة المصرف المركزي كإستكمال لخارطة الطريق هذه، التي عمل مصرف لبنان على رسمها بعناية. ولهذه الغاية، أصدر المصرف بالأمس تعميماً جديداً حدّد بموجبه المعالم الأساسيّة لآليّة توفير الدولارات لإستيراد المواد الأوليّة للمؤسسات الصناعيّة. ومن المفترض أن يصدر مصرف لبنان تعميماً ثانياً خلال الساعات المقبلة بالتنسيق مع وزارة الإقتصاد لتحديد مجموعة من السلع الغذائيّة الأساسيّة، التي يمكن للتجار إستيرادها من دولارات منصّة مصرف لبنان، وفقاً لسعر الصرف المدعوم المحدد حاليّاً عند مستوى الـ3200 ليرة مقابل الدولار. مع العلم أن الدولارات التي سيتم إستخدامها لهذه الغاية، ليست سوى الدولارات المتأتية من التحويلات عبر شركات تحويل الأموال، وفقاً للتعميم الذي تحدّثنا عنه أعلاه.

الهدف الأوّل لهذه العمليّة هو محاولة لجم الإرتفاع في أسعار السلع المستوردة، عبر خفض كلفة الدولارات المطلوبة لإستيرادها. أمّا الهدف الثاني، فيكمن في تهدئة الطلب على الدولار في السوق الموازية، خصوصاً ان جزءاً كبيراً من الطلب على الدولار لدى الصرّافين يأتي تحديداً من مستوردي السلع الأساسيّة الذين تشملهم الآليّة الجديدة.

الربط الإلكتروني

من ناحية التداولات لدى الصرّافين، من الواضح بحسب مصادر متابعة، أن مصرف لبنان ليس بوارد التفريط بالدولارات الموجودة بحوزته عبر ضخّها من خلال شركات الصيرفة. لكنّ المصرف المركزي يراهن على محاولة ضبط سعر الصرف في هذه التداولات، أوّلاً، عبر تهدئة الطلب لدى الصرّافين للسبب الذي ذكرناه سابقاً، وثانياً، من خلال ربط شركات الصيرفة الشرعيّة إلكترونيّاً بالمنصّة نفسها. ومهمّة الربط الإلكتروني ستكون مراقبة عمليّات الصيرفة التي تجري لدى هذه الشركات، من أجل التحقق من الإلتزام بسعر الصرف الأقصى المحدد من مصرف لبنان عند حدود الـ3200 ليرة مقابل الدولار، وبهدف التأكّد من إلتزام زبائن هذه الشركات بحد أقصى لعمليّات شراء الدولار، وعدم تحايل الزبائن عبر الشراء عدّة مرّات في اليوم الواحد عبر شركات مختلفة. مع العلم أن النظام الإلكتروني سيعمل أيضاً على تحديد سقف لعمليّات الصيرفة لكل شركة من شركات الصيرفة.

ترتكز خطّة المصرف المركزي على محاولة حصر آخر مصادر الدولار النقدي، المتمثّل بالتحويلات الخارجيّة للبنان، في محاولة لتقنين وتوجيه إستخدام الدولار، بهدف التحكّم بآليّات العرض والطلب في السوق. لكنّ التحدّي الأبرز يتمثل في ضبط سعر الصرف الفعلي في السوق الموازية

عمليّاً، لا يمكن فصل هذه الخطّة عن التطوّرات التي شهدها سوق الصيرفة قبل عيد الفطر، ذلك أنه بعد إعتقال عشرات الصيارفة على خلفيّة الإتهامات بالتلاعب بسعر الصرف، يمكن القول أنّ الموقع التفاوضي لشركات الصيرفة بات أضعف بكثير، وهو ما يعزز الإعتقاد بأن حاكم مصرف لبنان يراهن فعلاً على ترويض هذه الشركات ومنعها من محاولة الإلتفاف أو التلاعب عند تنفيذ الخطّة. وكان لافتاً للإنتباه إطلاق سراح نقيب الصيارفة عشية إطلاق المنصة!

تحدّي ضبط سعر الصرف

من الواضح أن مصرف لبنان يعمل في ضوء خطّة نسج أجزاءها بتمعن، لكنّ هذا لا يعني أن الخطّة لن تشوبها الكثير من التحديات التي تلامس درجة وصفها بـ”المخاطرة”. فعمليّاً، ترتكز خطّة المصرف المركزي على محاولة حصر آخر مصادر الدولار النقدي، المتمثّل بالتحويلات الخارجيّة للبنان، في محاولة لتقنين وتوجيه إستخدام الدولار، بهدف التحكّم بآليّات العرض والطلب في السوق. لكنّ التحدّي الأبرز يتمثل في ضبط سعر الصرف الفعلي في السوق الموازية، خصوصاً أن إتساع الفارق بين سعر الصرف الجديد المدعوم عبر المنصّة وبين سعر الصرف الفعلي، يعني إتساع رقعة المخاطر الناتجة عن إستعمال دولارات المنصّة المخصصة لدعم السلع الأساسيّة.

ومن المعروف أن لبنان يقع في خانة الدول التي لا تملك أفضل الآليّات لمراقبة أنشطة وأرباح الشركات التجاريّة. وفي حال إتساع الفارق بين سعر الصرف الفعلي وسعر الصرف المدعوم، سترتفع بطبيعة الحال مخاطر عمليّات الغش الهادفة إلى شراء الدولارات المدعومة بالسعر المنخفض، وتهريبها إلى الخارج تحت ستار عمليّات إستيراد السلع الأساسيّة المحددة في تعميم مصرف لبنان. ولا يحتاج القيام بهذه العمليّات إلى أكثر من التلاعب بأسعار السلع المستوردة وتضخيمها، وهي مسألة لن تحتاج إلى جهد، سيما وأن الكثير من التجّار يملكون أساساً – ولغايات ضريبيّة – شركات أجنبيّة مسجّلة في الخارج، حيث يستعملونها كواجهات تشتري السلع لهم وتعيد بيعها لشركاتهم المحليّة. ويحتاج ضبط هذا النوع من العمليّات إلى آليّة مراقبة معقّدة، غير متوفّرة حاليّاً.

وثمة هواجس أخرى تتعلّق بالمعايير التي سيتم على أساسها تحديد الشركات التي ستتمكّن من الإستيراد وفقاً لهذه الآليّة. فحتّى الآن، لم يعلن مصرف لبنان عن آليّة معيّنة لتحديد هويّة هذه الشركات، فهل ستحدد المصارف الشركات التي ستقبل منها طلبات شراء الدولار المدعوم من المنصّة؟ أو هل ستحدد وزارة الإقتصاد المعايير التي سيتم على أساسها قبول هذه الطلبات؟ أم ستترك مسألة هذه المعايير لتعاميم أخرى من مصرف لبنان وعن وزارات أخرى مثل الصناعة والزراعة، على سبيل المثال لا الحصر؟

في الواقع، تكتسب هذه الأسئلة أهميّة خاصّة بالنظر إلى طبيعة السوق في لبنان، المعروف بوجود كارتيلات معيّنة في كل قطاع، بما فيها القطاعات المشمولة بالآليّة الجديدة، وهي كارتيلات تملك تاريخها الطويل في محاولات توسيع النفوذ والسيطرة في قطاعاتها.

هذه الخطّة، إن نجحت، لن تنفع سوى في شراء الوقت على المدى القصير، من خلال التعامل مع آثار الإنهيار الحاصل على المستوى النقدي

تحدّي تحفيز الإنتاج المحلّي

من المفهوم أن يسعى مصرف لبنان في هذه اللحظة بالذات إلى ضبط الأسعار عبر دعم سعر الدولار المستخدم لإستيراد السلع الأساسيّة، خصوصاً أن مسألة التضخّم الناتجة عن إنهيار سعر الصرف باتت تنذر بتداعيات على شكل إنفجار إجتماعي غير مسبوق. لكنّ المضي قدماً في دعم الإستيراد، دون أن يترافق ذلك مع نجاح للخطط الموضوعة لدعم الإنتاج المحلّي، سيعني ببساطة تعميق أزمة ميزان المدفوعات على المدى الطويل بدل العمل على معالجتها.

في الواقع، قرر مصرف لبنان بالفعل ضم مجموعة من المواد الأوليّة المستعملة في بعض الصناعات الغذائيّة إلى قائمة السلع التي ستستفيد من الآليّة الجديدة، لكنّ هذا الإجراء مازال بعيد جدّاً عن معالجة الأزمات المستجدة في القطاعات الإنتاجيّة المحلّية، والناتجة عن الإنهيار المالي والنقدي في لبنان، وتحديداً في ما يخص القطاعين الزراعي والصناعي.

من غير المتوقّع أن تتمكن لا السياسات النقدية ولا الخطط الحكوميّة، من إنعاش هذه القطاعات دون التكامل مع خطوات واضحة وعمليّة من جانب المصرف المركزي. حتّى الآن، ثمّة مبادرات محدودة ومتفرّقة تسعى إلى التعامل مع هذه المسائل، سواء من جانب مصرف لبنان كمبادرة صندوق “الأوكسيجين” مثلاً، أو من جانب بعض الوزارات التي تحاول التعاطي مع بعض المشاكل القطاعيّة المتفرّقة. لكنّ كل هذه الجهود لم ترق إلى تشكيل خطّة متكاملة وبعيدة المدى للنهوض بهذه القطاعات.

في المحصّلة، وبالعودة إلى خطّة مصرف لبنان للتعامل مع أزمة سعر الصرف، يمكن القول أن الخطّة تحمل في طيّاتها الكثير من المحاذير التي ينبغي مراقبتها بشكل دقيق خلال الفترة المقبلة. لكنّ هذه الخطّة، إن نجحت، لن تنفع سوى في شراء الوقت على المدى القصير، من خلال التعامل مع آثار الإنهيار الحاصل على المستوى النقدي. أمّا المعالجة الوحيدة التي يمكن الرهان عليها على المدى الأطول، فتكمن في المعالجة الجذريّة لأزمة ميزان المدفوعات القائمة اليوم، أوّلاً عبر معالجة أزمات القطاعات الإنتاجيّة، وثانياً من خلال التسريع في الوصول إلى المعالجات المطلوبة لفجوات النظام المالي والقطاع المصرفي، وهي الأزمة التي “تفرمل” اليوم عودة التحويلات الخارجيّة إلى لبنان.

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download