من ساحة الشهداء إلى منيابوليس.. طفُح الكيل!

هي ليست ثورة بل مسألة "طفح الكيل". مئات الآلاف نزلوا الى شوارع المدن الأميركية من منيابوليس الى ميامي نزولاً من الشمال الشرقي الأميركي الى سياتل وواشنطن أو لوس أنجلوس في الغرب، رداً على مقتل جورج فلويد الرجل الأسود على يد شرطي أبيض في مدينة مينيابوليس. هؤلاء طفح كيلهم بسبب إستهزاء وعدم إكتراث الشرطة لأبسط حقوقهم المدنية.

ربما لا يؤثر قَتْلُ فرد أسود في أُطُر العلاقات الإجتماعية أو الأمور الحياتية للمجتمع الأميركي بالإجمال، إنما عندما يُقتَل شخص أسود من دون أدنى مُسَوِّغ قانوني أو غير قانوني، فهذا أمر يمرُ مرة واحدة أو أكثر، لكن لصبر الناس حدود معينة، فالناس يطفح كيلها بعد تمادي السلطة في تمييزها. تاريخياً، ميَّزت أميركا ضد الكثير من الأقليات،  أكانوا الشعب الأصلي للبلاد “الهنود الحمر” وصولاً الى الآسيويين وكذلك العرب واليهود، أم كل من هو ليس من العرق “الآري الأبيض”.

نال السود في الولايات المتحدة، كأقلية، الكثير من التمييز العنصري عبر تاريخ البلاد، كما عُومل، بالطريقة ذاتها، كل من هو صاحب بشرة داكنة. فمنذ الحرب الأهلية، عندما كسر آبراهام لينكولن قيود العبودية عند السود وأعطاهم الحرية، وصولاً الى الرئيس جونسون الذي أعطى الأقليات حقوقها القانونية في العام 1968 عبر قانون الحقوق المدنية لجميع الناس دون إستثناء، أكانوا عرقاً أم جنساً أم أصلاً، وهو القانون، الذي عمل لأجله مارتن لوثر كينغ، الزعيم الأسود الذي اغتيل على أيدي العنصريين آنذاك، ولكن مثل كل الأمور الإجتماعية، فإن الحقوق الفعلية للمواطنة، في أي بلد تحتاج الى أجيال كي تتحقق وليست فقط مجرد توقيع من الكونغرس ورئيس الجمهورية! هذا إذا تحققت، فالإجحاف بحق الأقليات يحتاج وقفه ليس فقط لقرارات تصدرها الدولة الإتحادية الفيدرالية وإنما لأجيال من البشر الذين لديهم الرغبة العميقة والإدراك الواعي لطبيعة المجتمع كي يحصل التغيير الحقيقي المنشود.

ما يحصل اليوم في الولايات المتحدة  ما هو إلا نتاج تراكم كمي هائل من الإجحاف المستمر والعنصرية البغيضة التي تعيشها البلاد عبر الزمن، وهذا ما يجعل التغيير ضرورة نوعية لا تأتي إلا عبر الضغط الإجتماعي من الناس، ولكن ليس من الذين هاجموا مركز شبكة “سي. إن. إن.” في أتلانتا، ولا من الذين حرقوا وسلبوا المتاجر التي بعضها لأهلهم.. ويسري ذلك حتى على كبرى المتاجر. هكذا أعمال لا تحقق الغايات المطلوبة في عملية التغيير التي تحتاج الى عقول ثاقبة وبصيرة مستنيرة.

إن أميركا، وفي هذه الأيام التاريخية، غير المسبوقة منذ ستينيات القرن الماضي، سوف تقوم  بما عليها من واجبات كدولة مؤسساتية تحاسب وتراقب، وطالما ما يزال هناك شعب يقول كلمته، أكان في شوارع المدن أم في صناديق الإقتراع.. والزمن آتٍ، وهو من ذهب، وليس ذاهباً

لقد  تغيرت الولايات المتحدة عبر الزمن بشكل ديناميكي وليس كالشرق المحكوم “بالإستبداد الشرقي” بكل تداعياته الظلامية. إن هذا الفعل يقابله دائماً رد فعل، فما فعله ترامب منذ تنصيبه رئيساً “على” الولايات المتحدة وليس “فيها“، علماً أن الكلام عن “على” و”في“، فيه كمٌ هائل من الإجحاف بحق الولايات المتحدة. فتنصيب رئيس “على” مختلفٌ تماماً عن “في“، فالأولى تحمل معنى التملُّك والثانية تحمل معنى أو الحق في المواطنة. فترامب يحاول التملُّك في الولايات المتحدة بينما الدستور لا يعطيه ذلك الحق.

إن مقتل جورج فلويد في منيابوليس فيه تشابه لما حصل في 17 تشرين أول/أكتوبر 2019 في لبنان حيث خرج الناس إلى الشوارع بعد محاولة فرض ضريبة على آخر ما لدى الشعب اللبناني من متنفس وأبسطه، وهو التواصل عبر الواتساب. لم تكن الستة دولارات سوى القشة التي قسمت ظهر البعير.

إن الرئيس ترامب لو كان في غير الولايات المتحدة، لكان قد إستفحل في تغوله كما “الطغمة الطائفية” المتغولة التي تحكم لبنان منذ العام 1943 حتى يومنا هذا. ولكن الولايات المتحدة غير لبنان والتغيير فيها يحصل وسيحصل، وإن كان بطيئاً، في أكثر الأحيان، فكما أنتجت كباراً منذ جورج واشنطن، ومتنورين من أمثال فرانكلين وماديسون وجيفرسون حين تأسست، وأعطت رؤساء مثل روزفلت وكينيدي وجونسون وأوباما – أول رئيس أسود في تاريخها – فهي بالتأكيد تستطيع أن تأتي بشخصيات فذَّة من جديد ليس لأنها مصنع للكبار وحسب، بل لأنها أنتجت دستوراً، كما العديد من التقاليد والقوانين التي تركت أثرها على مجمل الثقافة الحقوقية العالمية. فلا ترامب وكل نزواته ونزعاته الملكية أو الدكتاتورية يستطيع أن يغيِّر الحقائق أو يستطيع أن يخترع وقائع يفرضها على الدولة والمؤسسات في الولايات المتحدة.

نعم، لا يستطيع رئيس الولايات المتحدة، ولا يملك أصلاً السلطة القانونية لكي يطلب من الجيش الذهاب الى الحرب، فهذه السلطة من حق الكونغرس، كما أن المؤسسات الأمنية الأميركية تتحمل مسؤولياتها أمام المجتمع، لكن ليس كما يحلو لترامب، حتى يصل به الأمر إلى حد إتهام هذه المؤسسات بأنها “دولة عميقة” عندما يحلو له ذلك، وفي لحظة أخرى، تصبح تلك المؤسسات ـ الأجهزة، بوقاً لما يقرره.

ليست الولايات المتحدة جمهورية فاضلة كتلك التي تصَوَّرها أفلاطون ولكنها بالتأكيد ليست روسيا فلاديمير بوتين، حيث يقرر “الرفيق أبو علي” ما يشاء وتُنِفّذ الدولة مشيئته!

إن أميركا، وفي هذه الأيام التاريخية، غير المسبوقة منذ ستينيات القرن الماضي، سوف تقوم  بما عليها من واجبات كدولة مؤسساتية تحاسب وتراقب، وطالما ما يزال هناك شعب يقول كلمته، أكان في شوارع المدن أم في صناديق الإقتراع.. والزمن آتٍ، وهو من ذهب، وليس ذاهباً.

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free online course