الحريري وجعجع: “مَن الأصلي ومَن التايواني”؟

النهايات في العلاقات السياسية دائماً مؤلمة. الأشد إيلاماً منها يكون في العلاقات الانسانية. هذه هي حال سعد الحريري وسمير جعجع. الفارق بين الرجلين كبير وشاسع جداً. التمايز في صالح الأول، وعلى الضد من الآخر. كلاهما يتناسل من عقلية مختلفة عن الآخر. وكلاهما يُنشد وجهةً تتناقض مع الآخر.

سعد الحريري يرى إلى لبنان بلداً قابلاً أن يصير دولة. سمير جعجع يعتبر لبنان دولةً ناجزة بناها معلمه وملهمه كميل شمعون. الأول، يستند إلى إرث والدٍ شهيدٍ من وزن وقماشة رفيق الحريري. الثاني، يرتكز على ماضِ أثقله بـ”الشهداء” عند الجميع، ونجا منه وحيداً.

بين الرجلين معضلة ذاكرة. رئيس “تيار المستقبل” صاحب ذاكرة حية ومستمرة غذّتها إنتظارات الصحراء الموحشة في زمن “سعودي أوجيه”. أما رئيس القوات اللبنانية فذاكرته انتقائية. لا بل عشوائية. يأخذ منها ما يغذي أحلاماً تشابه الاستعصاءات. وأسوؤها وهمُ الوصول إلى سدة الرئاسة. مشكلة جعجع معرفته إستحالة أحلامه أن تصير واقعاً. أما الحريري، فهو رئيس حكومة محتمل.. دائماً وحتى في الظروف العصيبة التي وقعت عليه حيناً، ووقع عليها أحياناً.

سعد الحريري يسعى إلى العدالة. سمير جعجع يميل إلى الثأرية. إبتسامة الأول طبيعية، وغالباً إستخدمت ضده لأنها تفضح سذاجته. أما الثاني، فيطل بابتسامة مصطنعة يستعيرها من مريم نور أو “بوراك”، الطباخ التركي الشهير. الأول، حداثوي يعمل بوحي من اسم تياره. يبحث دائماً عن “مستقبل” يكبّله راهن معقد ومشروعية يعتقد أن مصدرها الأول والأخير هي السعودية. الثاني، ماضوي يستنجد بأثواب “القديسين” ليغتسل من ماضٍ لا يمضي.. وأثقل ما في ماضيه “فائض هوية” و”دروب قتل كثير ومتشعب”، في زمن الحرب الأهلية.

الحريري دخل السياسة، وهو ينوء تحت ثقل المقتلة التي نزلت بأبيه. جعجع أرّخ مسيرته السياسية بمسارح الدم من زغرتا صعوداً إلى دير القمر، نزولاً إلى حرب الأخوة الموارنة، ولو أنه لم يطلق رصاصتها الأولى. الأول، قفز فوق ماضٍ لا صلة تصله به، وعمّده بدم أبيه ليدخله إلى حيث كان محظوراً حتى ذكر اسمه. الثاني، يحاول القفز إلى المستقبل لكن الماضي يشده إلى الوراء، فيكون مضطراً إلى التلاعب بالوقائع.

مشكلة الحريري أنه لا يتعلم من ماضيه، قريبه وبعيده. يدشن السياسة من خلال إرث تركه عملاق لبناني كبير إسمه رفيق الحريري. رمى الوريث نفسه في أحضان مجموعة تنتمي إلى مدرسة الماضي. مثقلة بالسرديات والثأريات. قوة جعجع في براعته باستغلال الثغرات. بالشحن المؤدلج بأمن هوياتي “فوق كل اعتبار”. لذلك تراه يذهب لمحالفة خصومه حد الموت، لا لشيء إلا لهوية واحدة تجمعهم.

كلما إبتعد الحريري عن باسيل وجعجع، كلما صارت الدروب معبدة أكثر بينه وبين حزب الله. لا يتردد زعيم المستقبل في قولها: “أكثر ناس كانوا صادقين معي بالحكومة هم حزب الله”. هل يؤسس ذلك للقاء بين الحريري والأمين العام لحزب الله

ينسى جعجع أنه مدينٌ لرفيق الحريري. دمُ زعيم سنة لبنان أخرجه من سجن وزارة الدفاع تحت الأرض في اليرزة، حيث بقي قرابة 11 عاماً. ويتجاهل أنه مدين لسعد الحريري الذي عقد حلفاً مع القوات اللبنانية وجعل ناسه المفجوعين من سيرتها يتقبلونها في انتخابات 2005 و2009. ويتعامى عن أن الحريري الطري العود والشاب الطامح والنابض، الذي تولى مسؤولية تيار والده المقتول غيلةً، واجه بيئته وذهب في تحالف مع جعجع المثقل بماضيه الذي طالما ذكر بعض الجمهور سعد الحريري به.

لم يكن هيناً ولا سهلاً أن يتحالف الحريري مع القوات اللبنانية. ولم يكن يسيراً على الحريري اقناع الجمهور بالتوجه الجديد، فـ”الماضي لا يمضي”، وان كان الحاضر يستدعي ان تتوحد جبهة في مواجهة أخرى. والتحالف كثيراً ما تحول عبئاً على تيار المستقبل.

من فضائل سعد الحريري أنه شكل الأرضية الضرورية لنشوء تيار سياسي في لبنان لا يتوسل العنف طريقاً للتغيير. وهذا بالنسبة للبنانيين كان على الدوام طلباً عزيز المنال. فالبلد الذي لم يتجاوز عمره التكويني مائة عام بعدما أغرق أكثر من نصف هذا الزمن في حروب أهلية لبنانية وملبننة، كان دائماً على فوهة بركان. وجعجع أحد أبرز صناع هذه الأزمنة العسيرة. لكن مع رفيق الحريري ثم مع وريثه سعد، شهد البلد تحولاً جذرياً في طبيعة الأشخاص والفئات المهتمة بالشأن العام. وتحول معه الكادر الحزبي من مقاتل الى محاور. أما القوات اللبنانية، فكانت من القوى السياسية التي تتغذى غالباً ويقوى عودها وتحشد جمهورها بوصفه جمهوراً مقاتلاً إعتاد الحروب والأزمات والإنقلابات أداة للتغيير.

في المقابل، لا يبدو أن جعجع المرشح الرئاسي الدائم، على ما يعتقد هو، يراقب ماضيه ويتأمل في المستقبل. فهو يتعاطى السياسة بمنطق المكابرة والنسيان. أو التناسي وغض النظر. يرفع شعارات رومانسية من ماضٍ رهيب. كلها تحمل شعوراً عميقاً بالقلق، مثل “حيث لا يجرؤ الآخرون”، و”ما بينعسو الحراس”. لغته للمستقبل دائماً من الماضي. وأطرف ما فيه إستعماله تعبيراً معروفا لونستون تشرشل ومضمونه:”حيثما أكون يكون رأس الطاولة”.

المكابرة فعل دائم بالنسبة الى سمير جعجع. دائما ينطلق من أوهام خلاصية. يحاول اضفاء قوة وحكمة على حاضره وماضيه. قال لحظة اختياره عون لرئاسة الجمهورية ورفضه سليمان فرنجية، انه يفضل “الاصلي” (اي عون) على “التايواني” أي فرنجية. لاحقاً، بدأ يبحث عن فرنجية حين زادت وتيرة الخلاف مع جبران باسيل.

لن يغفر له الحريري فعلته عندما أبرم تفاهم معراب لقطع الطريق على فرنجية. تفاهم لم يعمّر طويلاً لكن من صنعه كان يدرك أن صموده يؤدي إلى ربح الإثنين.. والإنسحاب العوني منه، كما كان مُقدراً، سيجعل جعجع هو الرابح أيضاً، وهذا ما حصل. هي حسابات مارونية لا بل رئاسية بإمتياز.

رئيس القوات اللبنانية بارع في الإنكار. قال للإعلامي الزميل مارسيل غانم ان لقاءاته مع الرئيس ميشال عون كلها باءت بالفشل لأنها كانت تنتهي بـ”قوم بوس تيريز” (اي دعوته إلى ان يتواصل مع جبران باسيل). ثم ما لبث أن انقلب، وقال انه غير نادم على انتخاب عون. وعندما دعا رئيس الجمهورية مؤخراً إلى مناقشة الخطة الاقتصادية والمالية، في القصر الجمهوري ببعبدا، وعلى الرغم مما قيل عن ان عون يريد ان “يسرق” دور مجلس النواب ودور النواب والرئاسة الثانية، فقد شارك “الحكيم” وحاول ان يوهم الرأي العام اثر خروجه بأنه حيث يجلس “يكون رأس الطاولة”، في الواقع بدا انه “اشتقاق لتيريز” ويريد أن يكون قريباً من حزب الله… ولطالما حاول قرع هذا الباب، لكن لا حياة لمن تنادي حتى الآن.

أسوأ من ذلك، فقد مدح جعجع حكومة حسان دياب، وتلقى علامات بدرجة “ممتاز” من اللواء جميل السيد، واعتبر جعجع أنه بقرار الامتناع عن تسمية الحريري قد حماه، لأنه لو كان موجوداً حالياً لتعرض لأزمات أكبر ستسهم في حرقه

عند جعجع كما الحريري، يتفوق التكتيك على الإستراتيجيا. الفريق المحيط بجعجع ليس ولادة أفكار ثورية. تتفتق عبقرية هؤلاء على عنوان مثل “الجمهورية القوية”، لتسمية كتلة القوات النيابية وذلك رداً على كتلة “لبنان القوي” العونية. وضع جعجع من ضمن اتفاق معراب مع باسيل، بنداً ينص على المحاصصة، ويقضي بتقاسم المغانم السياسية (المقاعد الوزارية والتعيينات في الفئة الأولى). وعندما انقلب باسيل على الاتفاق، واراد الاستحواذ على الوظائف والمناصب وحده، مع اعطاء الفتات للقوات اللبنانية، راح جعجع وبفجاجة لا مثيل لها يُحمل النتائج السلبية لوصول عون الى سدة الرئاسة إلى سعد الحريري.

لم يعد الحريري الآن هو نفسه الذي بدأ في العام 2005. تعرض لطعنات ونكسات وخيبات. ودخل في مواجهات حتى مع اقرب المقربين منه. مرت تجربته السياسة باخفاقات ونجاحات وصدامات. وتراوحت بين 7 ايار/مايو وتداعياته، وصولاً إلى “أزمة استقالته من الرياض”. يومها أظهرت الوقائع نوايا رئيس القوات اللبنانية، فنقلت بعض الصحف اللبنانية أن جعجع قال لمحمد بن سلمان “الحريري عاجز… فتِّشوا عن غيره”، اي أنه لا يصلح لمواجهة حزب الله.

وقليل من التذكر والتفكر قد يكون مُفيداً، ذلك أن الحريري حين ذهب إلى دمشق بطلب من السعودية بعد اتفاق الـ “سين ـ سين”، زاره جعجع في بيت الوسط في 11 نيسان/أبريل من العام 2010 واصفاً إياه “كرجل دولة والوحيد الذي يتعاطى مع دمشق بما يخسره على مستوى زعيم سياسي لكي يربح لبنان”. في الواقع، فإن جعجع لم يمدح الحريري على حنكته السياسية، بل لأن ما تلقاه من أوامر سعودية آنذاك كانت تقتضي أن يقول ما قاله. بهذا المعنى، تتبدى منطلقات العلاقة بين الرجلين. فالحريري أرادها من حليف إلى حليف، بينما جعجع أراد العلاقة من “البوابة السعودية”.

يُسجل لجعجع أنه كان من أوائل من بكّروا بالتحرر من الحريري ممراً إلزامياً للتعامل والتواصل مع السعودية والإمارات. لاحقاً، صارت أقدام القوات اللبنانية أكثر رسوخاً في المحلين، بينما صار الحريري يستنجد بالخارج، الأميركي والأوروبي، لإعادة فتح أبواب المملكة أمامه.

جعجع الذي حاول ركوب موجة 17 تشرين/أكتوبر. واول من استقال وزراؤه من حكومة الحريري، برغم إلحاح رئيس الحكومة على عدم الإستقالة، قال انه سيعيد تسمية الحريري للحكومة المزمعة، لكن كلام الليل يمحوه النهار، فسرعان ما تراجع عن أقواله في الصباح، وقيل إن السبب يعود لتدخلات خارجية. أسوأ من ذلك، فقد مدح جعجع حكومة حسان دياب، وتلقى علامات بدرجة “ممتاز” من اللواء جميل السيد، واعتبر جعجع أنه بقرار الامتناع عن تسمية الحريري قد حماه، لأنه لو كان موجوداً حالياً لتعرض لأزمات أكبر ستسهم في حرقه. وهذا ما جعل رئيس المستقبل يستنفر تويترياً. يدرك الحريري أن الأمور لن “تلحم” بينه وبين جعجع، لكن لم يعد للصلح مطرح أيضا بينه بين جبران باسيل. هذه أفضل وسيلة حريرية لإعادة شد عصب الطائفة السنية. عندها، لن يزايد عليه جعجع أو رضوان السيد أو أشرف ريفي أو شقيقه بهاء في بيئته. أيضاً، يدرك أن الآخرين، قد يتفوقون عليه بالرعاية الخارجية أو بعضهم بالمال، لكن لن يتقدم أحد عليه بوصفه وريث الدم.

كلما إبتعد الحريري عن باسيل وجعجع، كلما صارت الدروب معبدة أكثر بينه وبين حزب الله. لا يتردد زعيم المستقبل في قولها: “أكثر ناس كانوا صادقين معي بالحكومة هم حزب الله”. هل يؤسس ذلك للقاء بين الحريري والأمين العام لحزب الله؟ الجواب بسيط للغاية: الظروف الذاتية للقاء متوفرة ولكن الظروف الخارجية تسير في إتجاه آخر!

في الأحوال كلها، تبقى المشكلة عند سعد الحريري. ذلك أنه لمعرفة سمير جعجع جيداً، قد يكون من حسن الفطن أن يقرأ كتاب ريجينا صفير “ألقيت السلاح”. فيه عرّفت الكاتبة سمير جعجع عن كثب. وأطلعت على معنى” الغدر بالرفاق حد اخفائهم”. ولا بأس إن قرأ مقابلة الاستاذ غسان شربل مع الوزير والنائب الراحل إيلي حبيقة، وهي بعنوان “أين كنت في زمن الحرب؟”. ولا ضير إن أضاف كتاب أسعد الشفتري “الحقيقة ولو بصوت يرتجف”.

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course