“العوض بسلامتكم” أو خطاب العجز السياسي المُريع

دخلنا مرحلة العجز السياسي شبه الكلي، بعد العجزين المالي والنقدي، حيث تنكشف كل يوم قلة حيلة أهل السلطة في إستنباط الحلول لأزمة لبنان الإقتصادية والمالية والإجتماعية.

معضلة لبنان أو مسألته ليس من اليسير حلّها. هي عميقة وتتداخل مع إضطرابات المنطقة وحروبها. لكن بتنا نسمع مراراً وتكراراً ما يمكن أن نُطلق عليه خطاب “العوض بسلامتكم”، وجلّهُ رزمة مصطلحات توحي بالعجز والقبول بقدرية الخسارة، كالقول للناس إن ضياع مدخراتكم وقيمة مداخيلكم ووقوعكم في الفقر، صارت مسائل حتمية وستعوّضها “عقول أبنائهم” (هاتان الكلمتان لرئيس الحكومة حسان دياب مثالاً على ذلك). يطرح الخطاب نفسه، ضمناً، الإستسلام لفترة طويلة من الإنحدار. خطاب لا يعطي ذرة أمل للأجيال القادمة، بل يدعوها إلى إستبدال ما فقده الأهل برأسمال باهر من “الكرامة” و”الصمود” و”القتال”!

ينكشف عجز السلطة السياسية في لبنان بشكل أكثر وضوحاً في استحضار “الامن” الى محاولات حل الازمة الاقتصادية والمالية، فتنشأ مثلاً غرفة عمليات لمراقبة التعامل بالدولار (استعارة أخرى من القاموس الحربي والأمني)، من دون أدنى فقه بأسس الإقتصاد التي تُخبرنا أن قيمة العملة تعبّر عن صحة الإقتصاد وحالته، والتي إعترف أهل السلطة أنفسهم ببؤس إقتصادنا الفادح.

وهذه المقاربة الأمنية ليست جديدة على أنظمة الحكم في لبنان بدءاً من “المكتب الثاني” في ستينيات القرن الماضي (تحديداً عهد فؤاد شهاب) وأدواره في قطاعات عدة من التعاطي مع العشائر البقاعية ورجال الأعمال في المدن، مروراً بالقبضة الأمنية على السياسة أثناء إستبداد النظام الأمني السوري – اللبناني وصولاً إلى ملف اللاجئين وما نتج عنه من تداعيات إنسانية جمة. بهذا المعنى، يصبح صعود الأمن وقادته إشارة إلى ضعف السياسة وتلاشي عمل المؤسسات الدستورية، وربما محاولة لسرقة ما تبقى من بريق لهذه المؤسسات العسكرية والأمنية لدى الرأي العام، وصولاً إلى إستهلاكه وإستنزافه لمصلحة المنظومة إياها.

للعجز الذي نعيشه صورةٌ أخرى تخرج للناس في لبوس القمع المتزايد من خلال إستدعاء الناشطين للتحقيق من قبل بعض الأجهزة وفي التعرض للصحافيين ومحاولات كم الأفواه وإشغال القضاء في ملاحقة قضايا سخيفة ظنناها من الأزمنة الغابرة مثل القدح والذم الذي يطال شخصيات تعمل في الشأن العام (رؤساء ووزراء ونواب وغيرهم). في السياق نفسه، يخرج تعميم جديد للنائب العام التمييزي يوعز بملاحقة المدونين وأصحاب حسابات مواقع التواصل الإجتماعي المنتقدين لرأس الدولة كوجه (قبيح) من وجوه الضعف المتنامي وتنبري وزيرة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام، بعد سبات عميق، للحديث فجأة، وبلا أية مقدمات، عن تنظيم الإعلام الإلكتروني!

يصبح مجلس الوزراء أشبه بكاتب عدل وظيفته التصديق على ما يُقرره عرابو السلطة ومجلس دفاعهم. فتحضر جلسات الحوار، المنعوتة بالوطني، لإعطائها صبغة إنقاذية لتنتهي غالباً بصور إحتفالية وقرارات فولكلورية

يتمظهر الوهن أيضاً في هزالة المؤسسات القائمة وإخفاقها في مقاربة الأزمة واللجوء إلى إعادة إحياء مسارات موازية للمؤسسات الدستورية، كطاولة الحوار بين أهل السلطة، الحاليين والسابقين والمنتظرين أدوارهم. والطاولة هذه صورة أخرى من صور فشل المؤسسات الدستورية في حل المعضلات اللبنانية، فيغيب دور رئاسة الجمهورية ـ الحَكَم فوق جميع المؤسسات الدستورية. الرئاسة التي تكون عصيةً، عادةً، على الزواريب الفئوية والحزبية الضيقة؛ ويتراجع دور مجلس النواب، وهو المؤسسة التشريعية الأم؛ ويُغيب المجلس الإقتصادي والإجتماعي، وهو المكان المفترض للحوار الإجتماعي؛ ويصبح مجلس الوزراء أشبه بكاتب عدل وظيفته التصديق على ما يُقرره عرابو السلطة ومجلس دفاعهم؛ فتحضر جلسات الحوار، المنعوتة بالوطني، لإعطائها صبغة إنقاذية لتنتهي غالباً بصور إحتفالية وقرارات فولكلورية.

وللتذكير، فإن “حفلات” الحوار “الوطني” التي نُظم منها العشرات منذ جلسات الأقطاب التي التأمت في مجلس النواب في العام ٢٠٠٦، مروراً بإعلان بعبدا في ٢٠١٢ وحوارات مجلس النواب وعين التينة في ٢٠١٥ و٢٠١٦، وحوار بعبدا الإقتصادي المالي الأخير.. وإنتهت قرراتها وإعلاناتها هباء منثوراً، بل غالباً ما تحطمت بعنف الشارع.

إذاً نحن أمام عجز سياسي جسيم، خطورته ليست فقط في الإنحدار والإنهيار وفي تلاشي المؤسسات وتغييبها المستمر أو في رمي كرة مسؤولية التفكك الحاصل عند الناس وتحميل واجب حلّه للأجيال القادمة، إذا لم يهاجر معظمها، بل في محاولة البقاء والإستمرار والإنكار، ولو إقتضى الأمر وسائل للتنفس الإصطناعي، تارة عبر قبضة الأمن والقضاء المسيّس وطوراً عبر أدوات إبتدعها وإحترف تطبيقها حماة هذا النظام وعرابوه حتى تحين لحظة خارجية ما تعيد إليه بعضاً من روحه.

نحن أمام خيارين، إما التآزر بين القوى التغييرية المستقلة للتعجيل في إنهاء هذه السلطة وتفكيك منظومتها وبنيانها لتقليل الخسائر وإطلاق مسار إنقاذي حقيقي عماده تحقيق مصالح الناس وتحصين البلاد من الإنزلاق المتكرر نحو الإضطراب (ولهذا مقالة أخرى)؛ أو علينا إنتظار لحظة إقليمية/خارجية تعيد الحياة لهذا النظام مع تعديلات شكلية في هيئته.

إذا ارتأينا إنتظار تلك اللحظة (أي الخارجية، على جاري العادة اللبنانية)، وهي قد تطول لعقد أو أكثر، فعندها لا يسعنا إلا القول: العوض بسلامتكم، لتبقى لكم اسطورة المجد والعنفوان و”كم أرزة.. هزّت الكون”.

ناصر ياسين

أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free online course