بولتون في “الغرفة”… “جمهورية الموز” الأميركية

لا يسع المرء بعد قراءته كتاب جون بولتون الجديد إلا أن يتفق، ولو لمرة واحدة، مع توصيف الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمستشار الأمن القومي السابق في إدارته: ممل، حاقد، ومهووس بالذهاب الى الحرب. هذا ما يمكن تلمّسه في كل ما أخرجه جون بولتون من "الغرفة التي حدث فيها ذلك" إلى أضواء ثرثرة السياسة الأميركية في الكتاب الذي تم تسريب نسخة الكترونية منه إلى الفضاء الإلكتروني قبل موعد نشره الرسمي.

ما كتبه بولتون يصح توصيفه بـ”شبه مذكرات” دسَّ فيها خلاصة سمومه الموصوفة، لغايات تتراوح بين انتقام شخصي لخروجه المهين من البيت الأبيض – وقبل ذلك، كما جاء في الفصل الأول، إحباطٌ مُبطّن من صراعات داخلية حالت دون تعيينه وزيراً للخارجية – وبين رغبة جامحة في لعب دور مؤثر في السباق الانتخابي الذي بدأ يكتسب مزيداً من التسخين في عدّه التنازلي الأخير.

ضمن هذا السياق، قلّما تجد في كتاب بولتون ما يمكن اعتباره كشفاً جديراً بالاهتمام في السياسة الخارجية الأميركية خارج ما أمكن قراءته في الصحافة الأميركية خلال السنوات الأربع الماضية، في كل النواحي المتصلة بالأحداث الكبرى في العالم، كسوريا وايران وكوريا، أو في العلاقات بين الولايات المتحدة وكل من روسيا والصين ودول أخرى.

بهذا المعنى، يمكن اعتبار الكتاب مجرّد نسخة كتابية من صحافة صفراء، تركز على فضائح متصلة بسلوكيات الرئيس الأميركي بشكل خاص، لتظهره شخصاً جاهلاً، غبياً، ومتخبطاً في سياساته الداخلية والخارجية.

هكذا يمكن وضع روايات بولتون تحت ست عناوين عريضة:

– التخبط داخل الإدارة الاميركية بين “محور البالغين” المحترفين وبين دائرة المقربين والموالين النفعيين.

– عدم كفاءة ترامب في إدارة السياسة الخارجية.

– جهل ترامب بخصائص الدول التي يقيم معها علاقات، بما يشمل الخصائص الجغرافية (فنلندا كجزء من روسيا نموذجاً).

– ضعف ترامب في التواصل مع القادة “المستبدين”.

– النظر إلى الحلفاء الأوروبيين باعتبارهم من صنوف “الطفيليات”.

– تشكل آراء ترامب في قضايا السياسة  الخارجية بناءً على ما يقرأه في الصحف والتعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي، بدلاً من التخطيط والتحليل الاستراتيجيين.

انطلاقاً من ذلك، حرص بولتون في كل سطر من سطور كتابه على اظهار ترامب رئيساً فاشلاً، لا يقيم حداً بين مصالحه الخاصة ومصالحه الوطنية، يرى الدولة مجرد “شركة عائلية صغيرة”، ويفتقد الى الاستراتيجية الشاملة على النحو الذي يجعله يقدم بسهولة على تغيير القرار الذي اتخذ بالفعل في اليوم التالي.

ومن أجل استفزاز القارئ الأميركي تحديداً، عمد بولتون في كتابه إلى مقارنة الرئيس الأميركي “المتخبط”، بنظيره الروسي “المنظم”، في لعب خبيث على الوتر الأميركي الحساس، وهو ما ركز عليه بالتحديد حين تطرق الى كواليس قمة هلسنكي بين الرجلين، حيث بدا فلاديمير بوتين اكثر استعداداً للمفاوضات مقارنة بدونالد ترامب، وكانت لديه فكرة واضحة عن الأشخاص الذين يتحدث إليهم، ويزن كل ما يقوله، ويفكر جيداً في أهدافه المنشودة، وهو ما جعل المستشار الرئاسي متخوفاً من ترك رئيسه وحيداً في اللقاء!

حتى رجب طيب أردوغان، الذي كانت نبرة صوته في اتصالاته الهاتفية مع الرئيس الأميركي أقرب الى نبرة خطابات موسوليني من شرفته، استطاع، وفقاً لبولتون، أن يفرض تأثيره على ترامب في الملف السوري تحديداً، وأجبره على فعل ما تريد انقرة.

ضعف ترامب أمام بوتين وأردوغان يوازيه، بحسب روايات بولتون، تهور كبير في سلوكيات الرئيس الأميركي، احد فصوله اصراره على التدخل العسكري لإسقاط نظام الرئيس نيكولاس مادورو، وهو ما جعله يفاجئ مستشاريه بسؤال صادم: لماذا الجيش الاميركي متواجد في العراق وأفغانستان وليس في فنزويلا؟

في المقابل، تظهر قصة واحدة يرويها بولتون تدل على ميل ترامب نحو التسويات العقلانية، ليبدو بذلك في موقع النقيض مع مستشاره المتعطش للحروب، وان كان الاخير قد حاول تقديم هذه الرواية بالشكل الذي يستفز صقور الولايات المتحدة ويؤلبهم أكثر فأكثر على رئيسهم، وهي تتناول نجاحه، بجانب وزير الخارجية مايك بومبيو، في ثني ترامب عن فتح قنوات دبلوماسية مع طهران، بما كان سيشمل عقد لقاء بين وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف ونظيره الاميركي في باريس، بجانب رغبة ترامب في فتح قناة اتصال مع الرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما قوبل برفض هذه المرة، وفق بولتون، من جانب القيادة السورية.

يرى بولتون كذلك أن سبب فشل الولايات المتحدة في التسوية بين الاسرائيليين والفلسطينيين تكمن، على وجه الخصوص، في تعيين صهره جاريد كوشنر مسؤولاً عن التسوية الشرق اوسطية، أو بمعنى آخر في دفعه بالمقربين الى الدوائر الاكثر حساسية في السياسة الخارجية الاميركية.

أبعد مما سبق، يقدم بولتون رواية ترقى إلى أن تكون إخباراً إلى الكونغرس بشأن فضيحة رئاسية اكثر خطورة من “الفضيحة الاوكرانية” التي كادت تفضي الى عزل ترامب، والتي رفض المستشار الرئاسي السابق نفسه الإدلاء بشهادته فيها.

ووفق تلك الرواية، فإن ترامب ابلغ نظيره الصيني تشي جينبينغ بأن مزارعي الغرب الأوسط في أميركا هم مفتاح إعادة انتخابه في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020، وحثه بالتالي على الحفاظ على موقفه السياسي، من خلال شراء المنتجات الزراعية الأميركية، ووعد في مقابل ذلك بالتخلي عن بعض التعريفات على المنتجات الصينية…

من الواضح اذن أن كتاب بولتون له هدف انتهازي محدد وهو التصويب على السياسة الخارجية لترامب وإدارته ككل، استباقاً للمعركة الرئاسية الكبرى.

بذلك قد يفترض البعض أن ما ورد فيها هو تزييف للوقائع، خصوصاً أن الراوي له باع طويل في مجال التزييف السياسي، ويتمتع بسجل حافل في قلب الحقائق رأساً على عقب (دوره في غزو العراق نموذجاً)، حتى أن ثمة اجماعاً في الولايات المتحدة وخارجها على أنه أكثر المسؤولين الأميركيين خداعاً.

يضاف إلى ما سبق أن بولتون نفسه هو عبارة عن كومة غسيل متسخ في السياسة الداخلية وملطخ بالدم في السياسة الخارجية، ويصعب بالتالي الفصل بينه وبين الأحداث الواردة في كتابه، ما يجعل الرواية/النميمة تفتقد الى الحد الادنى من الموضوعية التي من شأنها أن تحولها الى وثيقة تاريخية.

ولكن ثمة وجهاً آخر للعملة البولتونية، فالمستشار الرئاسي السابق موصوف بالذكاء – على عكس اتهام ترامب له بالغباء- ويدرك جيداً متى يكذب، ومتى يقول الصدق، فإذا كانت أكاذيبه في الماضي قد تناولت دولاً وشخصيات لم يكن بإمكانها مساءلته، بوصفه صقراً من صقور القوة الأميركية، فالأمر يبدو مختلفاً  في “الغرفة التي حدث فيها ذلك”، ذلك أن التصويب هذه المرة موجّه الى شخصيات أكثر قوة منه – وفي الداخل الأميركي تحديداً – ما يدفع الى الاعتقاد أن رواياته (الداخلية بشكل خاص) قد حيكت بتأنٍ شديد وتحتوي على قدر كبير من الحقائق.

من المستبعد أن يعود بولتون الى الطوابق العلوية من هرم السلطة في الولايات المتحدة، اياً كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة، طالما أن الجمهوريين يعتبرونه خائناً، والديموقراطيين لن يعتبرونه رجلهم

من الواضح أن كتاب بولتون مرشح لأن يكون مادة دسمة في السياسة الداخلية الاميركية خلال الفترة المقبلة، لكن تحقق هدفه يبقى موضع شك. هذا على الأقل ما أظهرته ردود الأفعال الأولية بعد نشر مقتطفات من الكتاب في الصحافة الاميركية، وبعد تسريب النسخة المقرصنة منه الكترونياً، فبرغم انقسام الاميركيين بين من اعتبر الكتاب نسجاً من الخيال وبين من تعامل معه كحقيقة خالصة، إلا أن الكثير من الديموقراطيين، وبطبيعة الحال غالبية الجمهوريين، سارع الى اتهام بولتون بالتضليل.

على هذا الأساس، يمكن افتراض أن بولتون لن يكون قادراً على تحقيق مكاسب سياسية شخصية من كتابه، اذ من المستبعد أن يعود مجدداً الى الطوابق العلوية من هرم السلطة في الولايات المتحدة، اياً كانت نتيجة الانتخابات الرئاسية المقبلة، طالما أن الجمهوريين يعتبرونه خائناً، والديموقراطيين لن يعتبرونه رجلهم.

أما الأثر الانتخابي على ترامب، فلا يتوقع أن يكون ذا أهمية، إلا في الأوساط النخبوية، ذلك أن الضجيج الذي بدأ يثار حول الكتاب سيتلاشى تدريجياً- وهو نمط بات سائداً في مثل هذه النوعية من الكتب منذ فترة – وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر لن يجد بولتون من يُقبل على شراء مذكراته الا شلة صغيرة من المتخصصين، أو هواة قراءة هذا النوع من الفضائح.

تبقى القيمة الأهم في كتاب بولتون هي أن كل ما ورد فيه قد كشف انحطاط النخبة الحاكمة في أميركا، فبين السلوكيات المريبة للرئيس، والثرثرات الفارغة بين أرفع المسؤولين، والصراعات الداخلية على مواقع السلطة، يصبح ما خرج من “الغرفة التي حدث فيها ذلك” مثالاً صارخاً على انحدار “أميركا العظمى” الى “جمهورية موز”.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course