من كونفدرالية المدن الفينيقية إلى كونفدرالية الطوائف!

يحتفل لبنان في الاول من أيلول/سبتمبر من هذا العام بالمئوية الأولى لإعلان دولة لبنان الكبير. منذ ذلك التاريخ، لم يتفق اللبنانيون على هوية بلدهم وماهية وجوده ودوره.

أعلنت حكومة الاستقلال (١٩٤٣) ان لبنان ذو وجه عربي، فهدأت الأمور نسبياً، لكن القضايا المختلف عليها بقيت تحت الرماد. تغلب اللبنانيون على أزمات كبرى عصفت بهم، بدءاً بتأسيس دولة اسرائيل على أرض فلسطين عام ١٩٤٨، حرب السويس عام ١٩٥٦، حوادث عام ١٩٥٨،  ولادة المقاومة الفلسطينية وحرب عام ١٩٦٧، اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩، حرب لبنانية وإقليمية على كل مساحة بلدهم  دامت ١٥ عاماً وشهد لبنان أثناءها اجتياحات إسرائيلية وإحتلالاً انتهى بمعظمه في ربيع عام ٢٠٠٠، ووصاية سورية دامت لغاية ربيع ٢٠٠٥. برغم هذه الأحداث الكبرى وغيرها، لم يتوصل اللبنانيون، للأسف، الى اتفاق على نظام حكم لدولة تدير أمورهم الحياتية بعدالة وشفافية وحداثة وكفاءة وكرامة.

اتفق نواب لبنان في الطائف (خريف ١٩٨٩) على ان بلدهم عربي الهوية والانتماء، كما اتفقوا ايضا على ديمومته وان اسرائيل عدوة لبنان. وفي تسعينيات القرن الماضي وصلت كل مكونات لبنان الى الاقتناع بان طريقة حياة كل منهم تختلف او تتميز عن طريقة عيش إخوانهم من الطائفة نفسها في بلدان عربية أخرى. كما انهم أدركوا ان بلدهم فريد بتعدديته وتعايشه بين بلدان الكرة الأرضية. المسيحي في لبنان مميز والمسلم مميز، فلا يشعر احدهم انه أفضل من غيره او غير متساوٍ مع الآخر. هذه الصفة غير متوفرة في بلدان الكرة الأرضية، فلا يشعر المسلم مثلاً في الدول المسيحية انه متساوٍ والمسيحي، ولا يشعر المسيحي انه متساو والمسلم في الدول الإسلامية؟

ان فرادة لبنان وطريقة الحياة المميزة فيه، صنعها اللبنانيون “كلن” على مدى قرن من الزمن. صنعوها في منازلهم ومدارسهم وجامعاتهم وأعمالهم ومسارحهم وفنونهم وثقافتهم ومستشفياتهم ومطاعمهم وفنادقهم وملاهيهم وشوارعهم. لكن هذه الفرادة وطريقة الحياة المميزة تبقى مهددة في غياب دولة توفر لهم الطمأنينة والاستقرار والعيش المشترك الحقيقي.

لقد فشل اللبنانيون في بناء نظام حكم يمكن أن يشكل نموذجاً يحتذى به لدى بلدان المنطقة التي تتصف ديموغرافياتها بالتعددية. كذلك، شجع فشلهم في ممارسة الديموقراطية في عدم تقديم بديل لأنظمة سلطوية في منطقتنا العربية تقوم على الحزب الواحد او الطائفة الواحدة او العائلة الواحدة او العسكر.

من المدن الفينيقية إلى…

لكن يبدو ان الاختلاف بين اللبنانيين هو صفة ووصفة لكل من يسكن في هذه الأرض منذ بداية التاريخ. تذكرت، وأنا اعد هذا المقال كتاباً تاريخياً عن “العالم القديم” للدكتورة دوروثي ميلز صدر في نيويورك عام ١٩٢٣. كتبت ميلز: “لم تكن حكومة فينيقيا قوية ومركزية مثل مصر أو آشور. كانت المدن الفينيقية مستقلة نسبياً ومرتبطة ببعضها البعض بكونفدرالية ضعيفة، وفي حالة هجوم خارجي، كان على كل منها الدفاع عن نفسها من دون مساعدة الآخرين”.

وتضيف ميلز “تعرضت فينيقيا للهجوم من وقت لآخر من قبل الإمبراطوريات الكبيرة في تلك الفترة وكانت تخضع للمحتل. وقد فضّلت أن تعيش تحت حماية قوة أجنبية قوية على أن تقاوم، وبالتالي تخاطر بالتدمير. كان احياناً يحدث تمرد بعد الاحتلال، لكن الفينيقيين كانوا عموماً يعترفون بسلطة القوة المحتلة وبغض النظر عن مشاعرهم، يدفعون الجزية المفروضة عليهم ويواصلون العيش بطريقتهم وعاداتهم من دون تغيير”.

ما كتب عن الفينيقيين يذكرنا بلبنان اليوم. كونفدرالية المدن الفينيقية اصبحت اليوم كونفدرالية الطوائف اللبنانية

وتشير ميلز الى ان الفينيقيين “كانوا اقوياء ونشطاء، وكانوا أمة من البحارة والتجار. إنهم ليسوا محاربين، على الرغم من أنهم يستطيعون عند الحاجة الدفاع عن أنفسهم وبلادهم بشجاعة، لكنهم لم يبحثوا عن مناسبات للتشاجر والتقاتل مع جيرانهم. كانوا أكثر انشغالًا في تطوير تجارتهم وثروتهم من بناء إمبراطورية عظيمة عن طريق الحرب. كانت لدى الفينيقيين قدرة لا نهائية للعمل الشاق كما كانوا قادرين على تحمل المصاعب الكبيرة. وفي نفس الوقت كانوا يحبون الترف والراحة وكانت مدنهم مراكز للعيش الفاخر”.

لا حاجة للتأكيد على ان ما كتب عن الفينيقيين يذكرنا بلبنان اليوم. كونفدرالية المدن الفينيقية اصبحت اليوم كونفدرالية الطوائف اللبنانية. الدولة المركزية ما زالت ضعيفة. الاحتلال او الوصاية او النفوذ الخارجي تبدل من الإمبراطوريات القديمة الى الدول الاقوى في المنطقة. الطائفة القادرة لا تبادر الى مساعدة طائفة اخرى إذا هوجمت. إنتشر اللبنانيون في كل القارات وساهموا في اعمار بلدانها، وكان هدفهم جمع الثروات. اما عاصمتهم والكثير من بلداتهم وقراهم، فهي مراكز ترف وراحة وترفيه ومعيشة فاخرة.

الإستقواء بالخارج.. تاريخياً

الخلاف حالياً بين اللبنانيين على اشده. اصبح العيش المشترك يزداد صعوية وبات البعض يراه مستحيلاً. ان ما يحدث حالياً يهدد وحدة لبنان وديمومته. لعل غياب الحوكمة الصحيحة والشفافية والمحاسبة والمساءلة التي تتطلبها الانظمة الديموقراطية قد اوصل لبنان الى ما هو عليه في يومنا هذا. ان الانتخابات وحدها لا تصنع نظاما ديموقراطيا في غياب تلك العناصر.

البعض منا يدعي ان تأسيس لبنان كان خطأً، فالمكونات اللبنانية غير مهيأة للعيش معاً بأمان وسلام. كل مكون منها استقوى بالخارج للهيمنة على المكونات الاخرى في الداخل، وقد حدث ذلك مراراً في تاريخ لبنان ويحدث حالياً. هناك من يدّعي ان وجود جيش غير جيشه الوطني على الاراضي اللبنانية، جذب عداوات وعقوبات عربية وغربية عليه وعلى لبنان، مما سرع في الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. يدعي هؤلاء ان هذا “الجيش” تدخل في سوريا عام ٢٠١٢، ومن ثم تمدد نحو اليمن والعراق والبحرين وقطاع غزة وجلب الويلات للبنان. ويتهم هؤلاء حزب الله بأنه يشكل الذراع العسكري للتمدد الايراني في العالم العربي. المعترضون أنفسهم يتهمون حزب الله ايضاً بأنه صار له “دولته” الاجتماعية والاقتصادية في الضاحية الجنوبية ومعظم الجنوب والبقاع. لهم مطاعمهم ومقاهيهم وملاهيهم ومدارسهم وجامعاتهم ومستشفياتهم ومتاجرهم ودورتهم الإقتصادية.

هناك من يشير الى ان الاوضاع السياسية التي صنعت الميثاق الوطني عام ١٩٤٣ واتفاق الطائف عام ١٩٨٩ قد تغيرت. لغاية أوائل تسعينيات القرن الماضي، كانت معادلة الحكم في لبنان مسيحية – اسلامية (موارنة وسنة). شهد عقد التسعينيات تغيراً تدريجياً في هذه المعادلة، تكرست مع إنسحاب اسرائيل من لبنان مهزومة في ايار/مايو ٢٠٠٠. وبرغم ان كل المكونات اللبنانية اعتبرت نفسها منتصرة في حينه، الا ان تلك المكونات بدأت تخاف من مطالب أثيرت فجأة كالمثالثة بدلا من المناصفة. راحت هذه العبارة تتردد علناً بعد حرب اسرائيل على لبنان في صيف ٢٠٠٦. لقد سمعتها مراراً في زيارات قامت بها الرابطة المارونية الى كبار رجال الدين من كل الطوائف، وكنت في تلك الفترة نائباً للرئيس. انتقدت معظم القيادات السنية والدرزية والمسيحية، العملية التي شنّها حزب الله ضد دورية اسرائيلية في صيف ٢٠٠٦.

سأله أحدُنا “كيف ستعالج العلاقة مع حزب الله؟” اكد “الجنرال”، وقتذاك، انه بحث الموضوع مع الحريري واتفقا على ان حزب الله “مشكلة اقليمية ودولية اكبر من دولة لبنان”

في اجتماع لـ”لقاء السبت” مع الجنرال ميشال عون في منزله في الرابية، وبعد ان كان قد اصبح معلوماً ان الرئيس سعد الحريري يؤيد وصوله إلى رئاسة الجمهورية، سأله أحدُنا “كيف ستعالج العلاقة مع حزب الله؟” اكد “الجنرال”، وقتذاك، انه بحث الموضوع مع الحريري واتفقا على ان حزب الله “مشكلة اقليمية ودولية اكبر من دولة لبنان”.

الرئيس الفعلي للجمهورية

مع إزدياد العقوبات الاميركية والاوروبية على حزب الله وسوريا، زاد الضغط على الاقتصاد اللبناني وراح احتياطي العملات الاجنبية يتدهور بسرعة والاوضاع الاقتصادية تنهار. كذلك توقف تدفق العملة الصعبة لا بل زاد تهريبها إلى الخارج. زدْ على ذلك وضع “قانون قيصر” موضع التنفيذ. عقوبات على النظام السوري وكل من يتعاون معه. أزمة إمداد سوريا النفطية ونقص العملة الصعبة والمواد الغذائية، جعل المعاناة اللبنانية تكبر، لا سيما مع تسجيل خروج قسم من العملة الصعبة من لبنان إلى سوريا وإزدهار سوق تهريب المازوت والمواد الغذائية عبر المعابر غير الشرعية، وكل ذلك على حساب ما تبقى من عملة صعبة في إحتياطي مصرف لبنان المركزي.

كشفت التطورات السياسية التي تبعت التدهور السياسي والاقتصادي عن وجه اخر لحزب الله طالما اتهمه اخصامه بممارسته: حزب الله يمارس دور الرئيس الفعلي للجمهورية، فالحكومة تعمل بمشيئته والقرارات تتخذ بموافقته. عارض طلب مساعدة صندوق النقد الدولي ووافق ـ وكذلك الحكومة ـ بحذر بعد ان طلبت ايران والعراق المساعدة من الصندوق.

ان رفض حزب الله دعم بناء مصنع كهرباء في سلعاتا مثلا، اظهر بوضوح ان حلفه مع التيار الوطني الحر سطحي وتسوده المصالح غير المشتركة: التيار يتسامح مع وجود سلاح حزب الله مقابل دعم الاخير لمصالح التيار الداخلية، السياسية والاقتصادية. تبين ذلك من خلال الرسائل المتبادلة في وسائل التواصل الاجتماعي بين مناصري التيار والحزب فوراً بعد انتهاء اجتماع الحكومة، مما إضطر حزب الله أن يغيّر موقفه ومن ثم يغير قرار الحكومة. تسامح “عوني” مع سلاح حزب الله مقابل جوائز ومكاسب، وهذا لا يعبّر عن تحالف راسخ وعميق بينهما.

اللبنانيون، كل اللبنانين، مدعوون، لا بل ملزمون بالاتفاق على اصلاحات جديدة تريحهم وتسمح لهم بتحقيق أحلامهم، كما تريح بلدان المنطقة وشعوبها المعنية بما يحدث في لبنان

وتذكرت ايضا وان اكتب هذا المقال ما قاله المؤرخ الاقتصادي (المصري-اللبناني-الاميركي) والبروفسور في جامعة برينستون الاميركية الراحل شارل عيساوي، بأن معظم الناس “لا يذهبون إلى طبيب الأسنان حتى إصابتهم بألم في أسنانهم؛ ومعظم المجتمعات لا تُصلّح التعسف والانتهاكات حتى يقوم الضحايا بجعل الحياة غير مريحة للحاكمين”.

في ١٧ تشرين الاول/اكتوبر ٢٠١٩ شعر اللبنانيون “كلن” انهم اصبحوا ضحايا الصيغة التي طُبقت منذ الطائف. باتت آلامهم لا تحتمل، فوقعت الإنتفاضة أو الثورة. ثورة على النظام الحالي القائم الذي لم يسمح لهم بتحقيق احلامهم، ويتكفل بإفقارهم وتجويعهم. ثاروا من اجل الشفافية والحرية. ثاروا من أجل عصرنة لبنان. ثاروا من أجل وقف الهدر والفساد. ثاروا لانهم يريدون فرص عمل. ثاروا للتجديد والحداثة وعدم تضييع العمر بشعارات التغيير والاصلاح المزيفة. ثاروا لالغاء الاوليغارشية التي خطفت حريتهم ونهبت اتعابهم وافقرتهم، ورفعت الدين العام واصبح عبئا على اولادهم واحفادهم، ونقلت لبنانهم من سويسرا الشرق الى فضاء ملوث وقمامة تملأ شوارعهم واوديتهم وانهارهم، وحولت جبالهم الخضراء الى حفر وثقوب جرداء. ثاروا لتغيير السلطة، كما تمارس اليوم.

لذلك كله، اللبنانيون، كل اللبنانين، مدعوون، لا بل ملزمون بالاتفاق على اصلاحات جديدة تريحهم وتسمح لهم بتحقيق أحلامهم، كما تريح بلدان المنطقة وشعوبها المعنية بما يحدث في لبنان. والاهم، ان اللبنانيين سئموا من اوضاع لبنان المزرية وما يمنعهم من الهجرة هو غياب الفرص المتاحة في زمن وباء الكورونا والتطرف القومي. ان كلاً منهم يريد لبنانه، فهل هناك قاسم مشترك لبناء لبنان واحد وجديد؟ (غداً الجزء الثاني والأخير)

عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course