الجولاني يُغلّب الاعتبارات الأمنية .. و”داعش” يفتح له نافذة

ملفّان أساسيّان يشغلان بال أبي محمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام في الشمال السوري: تكريس زعامته ودوره، وترتيب العلاقة مع أنقرة. ورغم ما تشي به الأجواء من إمكانية تجدد القتال مع الجيش السوري في أيّ وقتٍ، فإن ثقة الجولاني بالخطوط الحمر المرسومة إقليمياً ودولياً جعلته ينتهز فرصة الهدوء المفروض بموجب اتفاق موسكو، للانشغال في تنظيف بيته الداخلي وترتيب أوراقه وتسويق تحولاته العقائدية والتنظيمية ولو اضطره ذلك إلى تغليب الاعتبارات الأمنية الصارمة على أي اعتبارات أخرى.

تدلّ التطورات والمعطيات المحيطة بـ “هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) على أن زعيمها الجولاني يسير في المسار نفسه الذي انتهجته جماعته السابقة “دولة العراق الاسلامية” (“داعش” لاحقاً) من حيث السعي إلى احتكار الساحة وفرض الزعامة ومنع أي منافسة. لكن ثمة فرقاً رئيسياً بين التجربتين يتمثل في أنّ الجولاني على خلاف أميره السابق أبي بكر البغدادي، أولى اهتماماً زائداً بالمعادلات الاقليمية والدولية واكتسب خبرة كبيرة في مراوغتها ومناورتها، وانتهى به الأمر إلى ترسيخ معادلة حاسمة مفادها أنه أمام الضغوط الخارجية لا مصلحة في التمسك بأية بنية تنظيمية. وقد ترجم هذه المعادلة عملياً من خلال التحولات التي أجراها على تنظيمه منتقلاً به من “جبهة النصرة” إلى “جبهة فتح الشام” وصولاً إلى “هيئة تحرير الشام”، و كان كلّ تحوّل من هذه التحولات إنما يجري استجابة لتطورات وضغوط خارجية تمارس بشكل مباشر أو غير مباشر على جماعته.

وأيّاً يكن التقييم لمسار التحولات الجولانيّة من قبل خصومه أو أصدقائه، فإنه مما لا شكّ فيه أن الجولاني حافظ على وجوده ودوره ونجح في فرض نفسه رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه بسهولة، أو من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيرات جذرية في المشهد القائم في الشمال السوري، وهو ما قد لا يريده أي طرف من الأطراف الفاعلة هناك. غير أن تحولات الجولاني لم تكن من دون ثمن باهظ اضطر إلى دفعه، وما زال. ويتمثل هذا الثمن في الانعكاسات التلقائية التي فرضتها التحولات العديدة على عقلية الجولاني وشخصيته محولة إيّاه من “زعيم جهاديّ” إلى “مهووس بالسيطرة والأمن” حسب ما قال لموقع 180 مصدر مقرب من “هيئة تحرير الشام”. إذ أن تفكيك البنى التنظيمية للجماعة ثم إعادة تركيبها وفق أسس جديدة بما يتلاءم مع متطلبات كل مرحلة أو كل ضغط، أدّى إلى إضعاف الروابط التنظيمية والعقائدية في الجماعة وجعل “المصلحة” تتفوّق على اية اعتبارات اخرى.

هذا الأمر الذي تنبّه إليه الجولاني باكراً-حسب المصدر السابق- دفعه إلى اتخاذ خطوات صارمة لمنع انهيار التنظيم من جهة ولمنع قيام أي طرف من منافسته أو تهديد زعامته. وتمثلت أهم تلك الخطوات التي أقدم عليها الجولاني في إنشاء جهاز أمني قوي ومنظم قائم على أساس “الطاعة العمياء” لزعيمه الأوحد.

ويتكون الجهاز الأمني من حوالي ثلاثة آلاف مقاتل، يخضعون لتدريبات خاصة بهم لا علاقة لها بالقتال على الجبهات بل تدور في معظمها حول التدخل السريع وتنفيذ عمليات الاعتقال وتدبير الاغتيالات وتسريب المعلومات، وباختصار كل ما يحمي أمن زعيمها ويمنع من نشوء معارضة حقيقة له والأهم إجهاض أية إمكانية لانبعاث منافس يهدد سلطانه.

ومع تنامي قوة وقدرة هذا الجهاز الأمني، أصبحت الشكوك تراود كثيرين حول طبيعة العلاقة التي تقوم بينه وبين زعيمه الجولاني، ومن منهما يتحكم بالآخر أكثر من الثاني. إذ يرى البعض أن هذا الجهاز الذي يفتقر إلى اية عقيدة يؤمن بها سوى الولاء للزعيم، في طريقه للتحوّل إلى وحش ضار يحتاج الجولاني إلى إشباعه وتقديم القرابين له خشية أن ينفلت من عقاله. بينما يرى آخرون أن الجولاني عبر منحه الجهاز الأمني صفة الكيان الموازي، أصبح يستخدم هذه الازدواجية من أجل استدامة التنافس بين الكيانين بما يؤدي إلى نتيجة واحدة هي تكريسه زعيماً أوحد للساحة.

على ضوء ما سبق يمكن قراءة الأحداث التي شهدتها منطقة سيطرة الجولاني في محافظة إدلب من حيث اعتقال قيادات سابقة انشقت عنه، وأبرز هؤلاء المعتقلين: أبو صلاح الأوزبكي وأبو مالك التلي، إذ أن هذه الاعتقالات تصب في خانة واحدة هي خشية الجولاني من أن يكون إنشاء “غرفة عمليات فاثبتوا” خطوة مدعومة من طرف خارجي لسحب البساط من تحت قدميه. وقد يكون السبب هو أن الجولاني بدأ يستشعر وجود أيادٍ خفية متباينة المصالح والأهداف بدأت بالعبث في بيته الداخلي ولا يعرف إلى أين يمكن أن تؤول تدخلاتها في حال لم يتصدى لها بسرعة.

يبدو جلياً أن الجولاني بعد تخليه عن “الجهاد” وتنظيم “القاعدة” أصبح أسير طموحات الزعامة وهواجس الأمن، وهو ما يدفعه إلى اتباع سياسات صارمة ضد خصومه في الداخل مع مرونة واضحة في التعامل مع الأطراف الخارجية

وقد ربط حساب “مزمجر الشام” على “تويتر”، المعروف بتسريباته الجهادية، بين استهداف الجنود الأتراك في إدلب في أكثر من حادثة، وتجدد الدعم المالي لبعض الجماعات “الجهادية القاعديةّ” من قبل بعض الدول الخليجية على قاعدة “ليس حباً بالثورة إنما بهدف إحراج أنقرة”.

ورغم أنه من غير الممكن تأكيد المعلومات السابقة، لكنها تتقاطع بشكل أو بآخر مع ما تؤكده مصادر عدّة من أن إدلب باتت ساحة خصبة لتدخل العديد من أجهزة الاستخبارات التي تتبع بلداناً لا سياسات موحدة بينها.

هذه النقطة قد تكون أكثر ما يقضّ مضجع الجولاني ويدفعه للضرب بيد جهازه الأمني ضد كل من تسوّل له نفسه الانشقاق عنه أو تهديد زعامته.

يبقى أن ثمة نافذة خفيّة فتحها تنظيم “داعش” عن قصد أو غير قصد في جدار العلاقة بين الجولاني والاستخبارات التركية والقطرية، إذ يؤكد مصدر خاص لموقع 180 أن تهديدات “داعش” الموجهة ضد قطر وأنقرة في الخطاب الأخير للمتحدث الرسمي باسمه أبو حمزة القرشيّ جعلت أجهزة استخبارات البلدين تلجأ إلى الجولاني لمساعدتها في تحديد مدى جدية هذه التهديدات وإمدادها بما يملكه من معلومات حول الموضوع قد يكون حصل عليها جراء تحقيقاته مع قيادات التنظيم التي اعتقلها خلال مداهماته الأمنية في السنوات الماضية. ولا يستبعد المصدر أن تكون هذه النافذة سبباً إضافياً لترسيخ هيمنة الجولاني باعتباره ما زال يلعب دوراً وظيفياً تحتاج إليه أكثر من جهة.

في المحصّلة، يبدو جلياً أن الجولاني بعد تخليه عن “الجهاد” وتنظيم “القاعدة” أصبح أسير طموحات الزعامة وهواجس الأمن، وهو ما يدفعه إلى اتباع سياسات صارمة ضد خصومه في الداخل مع مرونة واضحة في التعامل مع الأطراف الخارجية واضعاً نصب عينيه هدفاً وحيداً هو أن يظل أطول فترة ممكنة أميراً متوجاً ومحمياً بمعادلات إقليمية ودولية.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
udemy course download free