“إنهض واقتل أولاً”.. عن تهديد مصر لإسرائيل ورمى الجثث في البحر(7)

في الحلقات السابقة من كتابه "إنهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية"، أوضح الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان كيف أن ديفيد بن غوريون تحول إلى ديكتاتور بإمتلاكه قرار اجهزة الاستخبارات الإسرائيلية كافة وبالتالي حصرية إصدار قرارات الاغتيال. في هذا الجزء من كتابه، يروي بيرغمان كيفية رسم شعار جهاز "الموساد" عبر تجنيد احد الفنانين اليهود المقيمين في فرنسا وإرساله إلى القاهرة للعمل هناك ومن ثم إعادته إلى تل أبيب.

يقول رونين بيرغمان انه في تموز/يوليو 1952، اقيم في المتحف الوطني في القاهرة معرض لرسوم الفنان الفرنسي الألماني شارلز دوفال، وهو شاب طويل القامة، تتدلى السيجارة من شفتيه دائماً على طريقة الفنانين البوهيميين، وكان انتقل من باريس إلى القاهرة قبل عامين من ذلك التاريخ، بذريعة “عشقه ارض النيل”، وقد امتدحت الصحافة المصرية أعمال دوفال ليتحول بعدها إلى شخصية تختلط بكبار القوم في مصر، ومنهم وزير الثقافة.

بعد خمسة اشهر من معرضه، تذرع دوفال بمرض والدته في باريس، وقال انه مضطر للعودة للاعتناء بها، وغادر القاهرة وارسل بعد ذلك بضعة رسائل لاصدقاء فيها قبل أن تنقطع أخباره كلياً، ويقول بيرغمان ان دوفال هذا لم يكون سوى جاسوساً يعمل لـمصلحة “الموساد” واسمه الحقيقي شلومو كوهين اباربانيل، وهو الاصغر بين اربعة اخوة لأب حاخام من مدينة هامبورغ في المانيا، وعند صعود الحزب النازي إلى السلطة عام 1933 وبدء تنفيذ قوانين التمييز العرقي، فرت عائلة اباربانيل إلى فرنسا ومنها إلى فلسطين، وغادر هو إلى باريس في العام 1947 وكان قد بلغ السابعة والعشرين من عمره، حاملاً معه موهبة الرسم حيث هذذبها ونمّاها عبر الدراسة الأكاديمية، وما أن بلغت أخباره “الهاغاناه”، حتى جنّدته في تزوير جوازات السفر واوراق قانونية اخرى ليهود من اوروبا وشمال افريقيا من اجل نقلهم إلى فلسطين في عملية خرق فاضحة لقوانين الهجرة البريطانية التي كانت سائدة في فلسطين في عهد الانتداب البريطاني، وبهذا بدأ اباربانيل مسيرة مهنية طويلة في عالم التجسس.

“بالحيلة تخاض الحرب”

تمكن اباربانيل من تجنيد شبكة كبيرة من الجواسيس في مصر والعالم العربي، وفّرت له جمع معلومات مهمة جدا عن النازيين الذين فروا إلى دول في الشرق الاوسط بحثاً عن الامان بعد انهيار المانيا النازية، ومن ضمن اعماله، بحسب بيرغمان، تزويد رؤسائه بأسماء علماء الصواريخ الالمان الذين حاولوا بيع معلوماتهم للجيوش العربية.

يقول بيرغمان، إنه بعد وقت قصير من تولي ايسر هاريل مسؤولية جهاز “الموساد”، استدعى اباربانيل وطلب منه ان يصمم شعاراً رسمياً لهذا الجهاز، فأغلق اباربانيل باب غرفته على نفسه لأيام قبل ان يخرج حاملا معه مسودة رسم لشعار يتوسطه شمعدان بسبعة رؤوس، هو الشمعدان المقدس لليهود الذي كان في هيكل سليمان عندما دخله الرومان عام 70 قبل الميلاد ودمروه، مع عبارة “بالحيلة تخاض الحرب”، وهذه هي الآية السادسة من الفصل 24 في “كتاب الامثال” الذي تقول الرواية اليهودية الرسمية ان سليمان الحكيم هو من كتبه بنفسه، ولكن هذه الآية استبدلت لاحقاً بالآية 14 من الفصل 11 من الكتاب والتي تقول “حيث لا تستخدم الحيلة تسقط الامة ولكن الامان يكمن في حكمة المستشارين”. من خلال هذا الشعار، كانت رسالة اباربانيل واضحة وهي ان “الموساد” درع الامة اليهودية، يقول بيرغمان.

على خط مواز، كتب هاريل ميثاق “الموساد” الذي حدّد اهداف هذا الجهاز بالعمل السري في جمع المعلومات وتنفيذ عمليات خاصة خارج الحدود ومنع الدول المعادية من حيازة وتطوير اسلحة غير تقليدية ومنع حصول عمليات ارهابية ضد “إسرائيل” وضد اهداف يهودية خارج “إسرائيل” والعمل على تطوير علاقات سياسية واستخباراتية مع الدول التي لا تقيم علاقات دبلوماسية مع الدولة اليهودية، وجلب اليهود من الدول التي ترفض بلدانهم السماح لهم بمغادرتها إلى فلسطين ووضع خطط لحماية اليهود المتبقين في هذه الدول.

مصر مصدر تهديد لإسرائيل

واجهت الاجهزة الامنية والاستخبارية “الإسرائيلية” الفتية تحديات كبرى اهمها كيفية مواجهة حلقة من 21 دولة عربية معادية تحيط بالكيان “الإسرائيلي” وتشكل تهديداً وجودياً له، وكان من ابرز خطط مواجهة هذا الواقع هو تحديد اهداف بعيدة المدى في عمق الخطوط الخلفية لهذه الدول.

يقول بيرغمان انه مقابل “الموساد”، انشأت وكالة “امان” وحدة خاصة اسمتها “وحدة الاستخبارات رقم 13” (يعتبر هذا الرقم جالباً للحظ بحسب التقاليد اليهودية). ويضيف في العام 1951، غادر احد كبار ضباط هذه الوحدة ابراهام دار إلى القاهرة لانشاء شبكة عملاء من الصهاينة المتحمسين الذين كانوا لا يزالون في مصر، وكان يرسل الجواسيس الذين يجنّدهم إلى اوروبا ومنها إلى تل ابيب لتلقي التدريبات على اعمال التجسس والتخريب، ويقول “دار” ان الطريقة التي كان يدير فيها الملك فاروق حكومته “جعلت من مصر مصدر تهديد لإسرائيل، فاذا استطعنا التخلص من هذه العقبة، فان الكثير من مشاكلنا سيحل”، مضيفا أنه “من دون كلب، لا يوجد داء كلب”.

لكن التطورات السياسية التي حصلت في مصر في تلك الفترة اكدت ان لا داعي “للتخلص من الكلب”، يقول بيرغمان، فقد اطاح انقلاب “حركة الضباط الاحرار” (1952) بالملك فاروق وسقطت كل توقعات جهاز “امان” بان الامور ستكون افضل من دونه، غير ان جهاز “امان” كان قد شكّل شبكة لا بأس بها من الجواسيس الذين تم استخدامهم ضد حركة “الضباط الاحرار”. لكن الجهاز مني بكارثة كبيرة عندما تمكنت السلطة المصرية الجديدة من مطاردة العديد من عناصره اثر فشل معظم عمليات التخريب التي كانوا يخططون لها او يحاولون تنفيذها، والقت القبض على 11 عنصراً بعضهم اعدم بعد فترة وجيزة وانتحر احدهم اثر التعذيب القاسي الذي تعرض له، اما المحظوظون منهم فقد نالوا احكاماً بالسجن مع الاشغال الشاقة لاعوام طويلة. اثارت هذه العملية عاصفة من الانتقادات وحولتها إلى نقاشات حامية بين الاحزاب السياسية لاعوام حول ما اذا كان جهاز “امان” قد حصل على اذن مسبق بتنفيذها.

 “نحن لا نقتل يهوداً”

يقول بيرغمان ان الدرس الذي تعلمته القيادات الامنية من خلال فشل هذه العملية هو انه يجب الا يتم ابدا تجنيد اليهود المقيمين في دول معادية لان اعتقالهم سيكون اكيدا وسيكون ايضا الموت بانتظارهم. على اي حال، يضيف الكاتب، لم تتغير قناعة القادة الامنيين ان العمل بشجاعة وقوة خلف خطوط العدو من شأنه ان يغير مجرى التاريخ، وقد بقيت هذه المقولة في قلب خطط هؤلاء القادة حتى يومنا هذا.

ينتقل رونين بيرغمان من فشل اولى عمليات “امان” في مصر إلى فشل اولى عمليات “الموساد” في اوروبا، فيقول انه في تشرين الثاني/نوفمبر 1954، فر الكسندر يسرائيلي، النقيب في البحرية الإسرائيلية، من البلاد بعد ارتكابه عمليات تزوير كبيرة للتخلص من ديونه، مستخدماً جواز سفر مزور وحاول ان يبيع معلومات سرية للسفارة المصرية في روما، لكن احد جواسيس “الموساد” في السفارة عرف بالامر وارسل إلى رؤسائه في تل ابيب يخبرهم عن الموضوع، فقرر هؤلاء العمل بسرعة على خطة لخطف يسرائيلي من روما واعادته للمحاكمة بتهمة الخيانة.

يقول الكاتب، لقد كانت هذه العملية اختبارا كبيرا لهاريل واجهزة الاستخبارات، وكان من شأن اي فشل ان يكون قاتلاً لطموحاتهم والعكس صحيح. لذلك، جمع هاريل فريقا من افضل ضباطه في “الموساد” و”الشين بيت” وامرهم بخطف يسرائيلي من روما، واعطى الامرة لابن عمه رافائيل ايتان الذي كان شاباً يافعاً عندما نفذ عملية اغتيال إلمانيين من “ابناء المعبد” في القدس.

كان يسرائيلي يحقن في كل محطة بابرة منوم جديدة لابقائه تحت السيطرة، ولكن ما ان وصلت الطائرة إلى مطار اثينا اليوناني حتى اصيب يسرائيلي بذبحة قلبية وفارق الحياة، وتنفيذا لاوامر هاريل قام احد ضباط “الموساد” برمي الجثة من الطائرة في البحر

ينقل بيرغمان عن ايتان قوله ان بعض الضباط الحاضرين ارتأووا ان يصار إلى ايجاد يسرائيلي في روما وقتله على الفور ولكن هاريل رفض الفكرة بالمطلق، وقال “نحن لا نقتل يهوداً”، ويستطرد بيرغمان هنا بالقول ان موضوع عدم قتل اليهود لليهود هو امر عميق في التقاليد اليهودية لانه يحمل القاتل مسؤولية دينية باعتبار اليهود هم عائلة كبيرة ولا يجوز لافراد العائلة ان يقتل بعضهم بعضا وهذا سبب بقاء اليهود على قيد الحياة على مدى الفي عام بحسب الكاتب. ويتابع ان قتل اليهود الخونة قبل قيام الدولة كان له مسوغه اما بعد ذلك حتى لو كان هؤلاء يشكلون خطرا على امن البلاد لا مسوغ لقتلهم طالما بالامكان محاكمتهم.

رمي الجثة من الطائرة في البحر

في بداية العملية، سار كل شيء على ما يرام، فقد قامت واحدة من جواسيس “الموساد” بايقاف يسرائيلي عند تقاطع “باريس” في العاصمة الايطالية فيما قام ايتان وثلاثة من زملائه الضباط بحقن الضحية بابرة منومة ونقلوه إلى مكان آمن حيث قام احد الاطباء التابعين لـ”الموساد” بحقنه مجددا بمنوم اخر وتم وضعه في صندوق يستخدم لنقل الاسلحة قبل نقله إلى طائرة عسكرية إسرائيلية كانت لديها عدة محطات قبل ان تصل إلى تل ابيب. وكان يسرائيلي يحقن في كل محطة بابرة منوم جديدة لابقائه تحت السيطرة، ولكن ما ان وصلت الطائرة إلى مطار اثينا اليوناني حتى اصيب يسرائيلي بذبحة قلبية وفارق الحياة، وتنفيذا لاوامر هاريل قام احد ضباط “الموساد” برمي الجثة من الطائرة في البحر.

شكلت هذه العملية صفعة كبيرة لهاريل ونظريته في عدم قتل اليهود، يقول بيرغمان، فقام عملاؤه بتزويد الصحافة بمعلومات مغلوطة عن يسرائيلي تقول انه سرق كمية من المال وهرب إلى مكان ما في جنوب امريكا مخلفا زوجته الحامل، وامر هاريل باخفاء كل الوثائق التي لها علاقة بالعملية في واحدة من الخزائن السرية لـ”الموساد”. غير ان الدرس الذي تعلمه هاريل كان انه كانت هناك حاجة ماسة لتشكيل وحدة خاصة تكون مهمتها حصريا القيام بعمليات التخريب والاغتيال والقتل المتعمد، فبدأ البحث عن مقاتلين جيدي التدريب وقساة وعندهم ولاء اعمى ولا يترددوا بالضغط على الزناد عند الضرورة، فوجد ضالته في اخر مكان كان يفكر في البحث فيه، انهم عناصر منظمتي “إرغون” و”ليهي” المنحلتين اللتين حاربهما هاريل بشراسة. ولكن العقبة امام الاستعانة بهؤلاء العناصر كانت ان بن غوريون كان قد اصدر امرا صارما بعدم السماح لعناصر اي من هاتين المنظمتين الانضمام إلى الوظائف الحكومية. وكان جهاز “الشين بيت” يعتبر ان بعض هؤلاء العناصر يشكلون خطرا فعليا على النظام في البلاد اذا ما اتيح لهم اعادة تجميع انفسهم في تنظيم سري.

يضيف بيرغمان ان استعانة هاريل بهؤلاء العناصر جعلته يصيب عصفورين بحجر واحد، فمن جهة يكون قد انشأ وحدة عمليات خاصة تابعة له، ومن جهة ثانية جعل هؤلاء المقاتلين السريين يعملون تحت امرته خارج حدود البلاد من دون محاسبة، فكان ان استدعى إلى منزله في شمال تل ابيب كلاً من ديفيد شومرون واسحاق شامير ورفاق لهم في منظمتي “إرغون” و”ليهي” وجعلهم يقسمون يمين الولاء في اطار وحدة عمليات خاصة تسمى “ميفراتز” اي الخليج وقد اصبحت هذه الوحدة اول وحدة اغتيال تابعة لـ”الموساد”.

(*) في الحلقة المقبلة اندلاع الحرب بين “الموساد” والمخابرات المصرية

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course