عمليات “الموساد”: شارون خلف الحدود.. “إتبعوني” (8)

غداة إعلان دولة "اسرائيل"، لم يجد الفلسطينيون الذين جردوا من ارضهم ومنازلهم الا شن حرب عصابات وصفها الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان في كتابه "انهض واقتل اولا، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية"، بـأنها كانت عبارة عن "عمليات ارهابية تستهدف قتل اليهود"، ويقول ان الجيش الاسرائيلي احصى في العام 1952 وحده 16 ألف عملية من هذا النوع، بينها 11 ألفا تمت عن طريق الاردن والباقي عن طريق مصر.   

في تلك الفترة، كانت “حركة الضباط الاحرار” في مصر تولت السلطة بعد الانقلاب على الملك فاروق، واصبح الجنرال محمد نجيب اول رئيس للجمهورية المصرية، لكن رجل الدولة القوي حينها كان الضابط الشاب جمال عبد الناصر، صاحب القناعة القومية العربية والمتمسك بحق الفلسطينيين بارضهم وبعدم مشروعية “إسرائيل”، لذلك، اعطى كل الرعاية والدعم لحركة الفدائيين.

يروي الكاتب رونين بيرغمان، وفقا لوثائق الاستخبارات الاسرائيلية، كيف ان المخابرات المصرية كلفت النقيب الشاب مصطفى حافظ مهمة تنظيم حركة الفدائيين الفلسطينيين وتدريبهم لمواصلة كفاحهم. ومع مطلع العام 1953 (اي بعد ستة اشهر من تولي الضباط الاحرار السلطة في مصر)، اطلق حافظ والملحق العسكري المصري في الاردن صلاح مصطفى اوسع عملية تجنيد وتنظيم وتدريب ترجمت بالمئات من عمليات التسلل الى فلسطين عبر قطاع غزة، وتخللها تنفيذ عمليات طاولت بنى تحتية واراض زراعية وزرع الغام وتدمير عربات القطارات حيث احصت المخابرات الاسرائيلية مقتل اكثر من الف مستوطن في هذه العمليات حتى العام 1955 ناهيك عن نشر الخوف والرعب في صفوف المستوطنين.

يقول بيرغمان ان حرب الفدائيين هذه اثبتت نجاحها في تحقيق اهدافها من دون ان تحمل اية بصمات مصرية أو أردنية، فما كان من المخابرات الاسرائيلية الا ان قررت إعتماد الاسلوب نفسه عبر تجنيد مخبرين عرب لصالحها مهمتهم جمع المعلومات عن الفدائيين وقادتهم من اجل تحديد اماكن تواجدهم وحركتهم واغتيالهم، وقد انشئت لهذه الغاية وحدة إستخباراتية خاصة أسميت “الوحدة 504” بامرة ريهافيا فاردي، البولندي المولد والذي سبق له ان عمل ضابطا في استخبارات “الهاغاناه” قبل اعلان “الدولة” (العبرية). وكان فاردي قاسي الشخصية وصاحب مواقف متطرفة، ومن اقواله بحسب بيرغمان “يمكن تجنيد اي عربي عبر واحدة من ثلاث طرق: النساء، المال، او المديح لكبريائه”. تمكن فاردي من تجنيد اكثر من 500 عربي للعمل لدى وحدته التي كان عناصرها من اليهود الذين نشأوا وعاشوا بين الفلسطينيين قبل اعلان “الدولة”، لذلك فقد كانوا يجيدون اللغة العربية ويعرفون جيدا العادات والتقاليد الفلسطينية. وتبعا لشبكة المخبرين العرب تمكنت “الوحدة 504″، كما يقول الكاتب، من تحديد اماكن العديد من قادة الفدائيين واغتيالهم، حتى ان مخبرين (من العرب) شاركوا في وضع عبوات ناسفة لقتل الفدائيين.

وبغرض صنع العبوات الناسفة بطريقة احترافية، انشأت المخابرات الاسرائيلية وحدة خاصة حملت اسم “شايطيت 13” اي “الزورق 13” بقيادة ناتان روتبيرغ، وهو احد الضباط الذين شاركوا في تأسيس الاجهزة الاستخبارية الثلاثة “الموساد” و”امان” و”الشين بيت”. وكان روتبيرغ شخصا غليظ الرقبة وصاحب شارب كث وملامح قاسية. وقد اتخذت وحدته مقرا سريا لها في تل ابيب وكان يحظر على افرادها ان يذكروا اسم وحدتهم او ان يخبروا احدا عما يفعلون او اين يخدمون. وينقل بيرغمان عن روتبيرغ قوله “انا لا اعمل بكراهية ضد اعدائي اذ علينا ان نتعلم كيف نكون متسامحين مع الاعداء، وعلى اية حال ليست مهمتنا مسامحة الاعداء، فهذا عمل الرب وحده ولكن جلّ عملنا تنظيم لقاء اعداءنا مع الرب، وهذه كانت مهمة مختبري”.

ويقول بيرغمان، ان رجال فاردي كانوا يحددون الهدف، فيما يتولى رجال روتبيرغ صناعة العبوات وتمويهها من اجل تنفيذ المهمة، وغالبا ما كانت العبوات توضع في سلال مزدوجة القعر، تكون العبوة في القعر الاول، فيما تُغطى بالفاكهة والخضار الموسمية. يقول روتبيرغ: “كنا نستخدم الاقلام لاطلاق العبوة ولكن هذه التقنية لم تكن دقيقة بما يكفي للتحكم بلحظة تفجير العبوة، فاخذنا نلجأ الى ساعات التوقيت”.

بالرغم من كل هذا التنظيم الاستخباراتي الدقيق، يعترف بيرغمان ان عمل فاردي وروتبيرغ لم يحد من عمليات الفدائيين، لا بل اخذ الضابطان يتلقيا النقد من قيادة الجيش خاصة بعد ان فشل رجالهما عدة مرات في التسلل الى قطاع غزة وسيناء والضفة الغربية والاردن، ما حدا برئيس الوزراء ديفيد بن غوريون دعوة الحكومة المصغرة الى اجتماع سري في 11 يونيو/ حزيران 1953 حيث اقرت توصية وزير الدفاع (بن غوريون نفسه) بالرد على عمليات الفدائيين خلف خط الهدنة المرسوم مع الاردن.

روتبيرغ : “انا لا اعمل بكراهية ضد اعدائي اذ علينا ان نتعلم كيف نكون متسامحين مع الاعداء، وعلى اية حال ليست مهمتنا مسامحة الاعداء، فهذا عمل الرب وحده ولكن جلّ عملنا تنظيم لقاء اعداءنا مع الرب، وهذه كانت مهمة مختبري”

جاءت فرصة بن غوريون لتنفيذ خطته الجديدة عندما قتل الفدائيون حارسين لمستوطنة ايفين سابير قرب القدس في عملية خطّط لها وقادها الفدائي مصطفى صامولي من بلدة صامولي في الضفة الغربية، فكلف بتنفيذ عملية الرد الضابط الشاب آرييل شاينرمان الذي عرف لاحقا باسم آرييل شارون، وكان هذا الضابط تلميذا في الخامسة والعشرين من عمره، لكنه كان سلطويا وشجاعا وقوي البنية ويتمتع بمواصفات قيادية اثبتها خلال الحرب (1948) واصيب خلالها اصابة حرجة. لم يتردد شارون بالموافقة على تنفيذ المهمة الموكلة اليه، بحسب ما ينقل بيرغمان عن جلعاد نجل آرييل شارون.

يقول الكاتب ان شارون وثمانية من رجاله تمكنوا من التسلل الى قريية صامولي في الضفة الغربية حيث فجروا منزل الفدائي مصطفى صامولي لكن استخباراتهم كانت مخطئة في تقديراتها بشأن وجود الهدف في منزله والحراسات الفلسطينية في البلدة، فخاضت مجموعة شارون اشتباكاً نارياً نجت منه باعجوبة من دون خسائر. اعتبرت قيادة الجيش ان العملية ناجحة على عكس شارون الذي عاد منها منهكاً وغير راض عن النتيجة، وقال لرؤسائه ان هذا النوع من العمليات يتطلب جنوداً من نخبة الكوماندوس، فكان له ما اراد وتأسست “الوحدة 101” بقيادته وكانت مهماتها بحسب قواعد عملها التي كتبها شارون نفسه “تنفيذ عمليات عابرة للحدود برجال ذوي تدريب واداء عالي المستوى”.

اطلقت قيادة الجيش لشارون العنان في اختيار رجال وحدته وتدريبهم الذي كان يتضمن التدريب لمدة عام على كل انواع الاسلحة والمتفجرات والطوبوغرافيا والسير ليلا في الاماكن الجبلية الوعرة، وقد ميّز شارون وحدته تدريباً وتسليحاً. كانت البندقية التشيكية سلاح جنود الجيش، بينما حصلت وحدة شارون على رشاش كارل غوستاف الاوتوماتيكي، وكانت اول من استخدم رشاش عوزي الاسرائيلي الصنع والذي كان سرياً في ذلك الحين. وكان شارون شخصيا يتقدم جنود وحدته في تنفيذ عملياتها تحت شعار “اتبعوني”.

تزامن وجود شارون على رأس هذه الوحدة الفتاكة بوجود موشيه دايان على رأس هيئة اركان الجيش، فشاركه الأخير رؤيته الدموية بعدم الاكتفاء بتحديد هوية المسؤولين الفلسطينيين الرئيسيين (المخططين) واصطيادهم بل اعتماد سياسة الانتقام لمقتل اي مستوطن بشن هجمات على القرى والبلدات العربية التي ينطلق منها الفدائيون وترويع اهلها. وينقل بيرغمان عن دايان قوله “لا نستطيع ان نمنع قتل المستوطنين الآمنين في مزارعهم وبيوتهم ولكننا نستطيع ان نجعل قتلتهم يدفعون ثمناً غالياً لدمائهم”.

ووفقاً لهذه النظرية اختار شارون بلدة قيبيا في الضفة الغربية لتنفيذ عملية عقابية للفلسطينيين على خلفية قتل مستوطنة واولادها جنوب شرق تل ابيب، ففي 15 اوكتوبر/ تشرين الاول، قاد شارون 130 من رجال “الوحدة 101” المحملين بكمية كبيرة من المتفجرات واقتحم البلدة ودمر كل منازلها خلال ساعات قليلة. وينقل بيرغمان عن احد الضباط المشاركين في العملية قوله “لقد دمرنا 43 منزلا.. عند عودتنا ذكرنا في تقريرنا عن العملية ان عدد الضحايا من المدنيين بلغ 11 قتيلا فقط”. لكن الحقيقة كانت مختلفة تماما، فقد كانت العملية مجزرة دموية بلغ عدد ضحاياها اكثر من ستين قتيلا معظمهم من النساء والاطفال، ما اثار غضب العالم وادانها مجلس الامن الدولي ووزارة الخارجية الامريكية التي قررت اثرها وقف مساعداتها لاسرائيل لخرقها اتفاقيات الهدنة الموقعة عام 1949، يقول بيرغمان.  أبدى بن غوريون دعمه لشارون في هذه العملية. اما شارون نفسه فقد قال في تعليقه على العملية انها ومثيلاتها “ساهمت في حماية امن حدود اسرائيل”.

يقول بيرغمان انه بعد خمسة اشهر على تأسيس “الوحدة 101” في العام 1954، دمج موشيه دايان هذه الوحدة مع “لواء المظليين”، واصبح شارون احد قادة الكتائب فيه، وكان موشيه ديان يعتقد ان هذه الوحدة تشكل نموذجا في التدريب والانضباط والكفاءة والالتزام وان باستطاعة شارون تعميم النموذج في اللواء وبعده في كل وحدات الجيش.

وينهي الكاتب هذه الصفحات من كتابه بالقول إنه في احدى المرات وبينما كانت، مائير هار صهيون، شقيقة احد الضباط المعروفين في “الوحدة 101” تمارس هواية المشي في الجبال الوعرة في منطقة غير مسموح الدخول إليها عبر الحدود الاردنية، قتلت مع اثنين من رفاقها على ايدي البدو الاردنيين. بتشجيع ودعم كاملين من شارون قام شقيق القتيلة (هار صهيون) بالتسلل الى موقع الحادثة وانتقم لشقيقته بقتله بالسكاكين اربعة رعاة بدو، فامر احد حمائم السياسة الاسرائيلية موشيه شاريت بان يحال هار صهيون إلى المحاكمة العسكرية، ولكن دايان وشارون وبدعم من بن غوريون اسقطا الامر. وكتب شاريت في تعليقه على العملية متسائلا “اتساءل كيف سيكون قدر هذه الامة وطبيعتها وهي التي تملك هذه الروح الطيبة والحساسة والحب للانسانية من جهة، ومن جهة ثانية تنتج من بين صفوف شبيبتها اليافعين شباناً يستطيعون قتل الناس بدم بارد وصفاء ذهن عبر غرز سكاكينهم في اجساد شبان ابرياء لا حول لهم من البدو، اتساءل اي من هاتين الروحيتين التي يتحدث عنهما التوراة في صفحاته ستنتصر ضد الاخرى في هذه الامة”.

في الحلقة المقبلة: الموساد يغتال ضباطاً مصريين في غزة والضفة

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download