عين فرنسية على مرفأ بيروت

علي نورعلي نور11/08/2020
أسباب كثيرة، سياسية وإنسانية، تشرح إهتمام فرنسا بملف كارثة مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس الماضي. أحدها يرتبط بملف إعادة إعمار المرفأ وإستثماره لاحقاً، خصوصاً أن وضعيّة المرفأ الراهنة ونوعيّة الأضرار التي لحقت به تشي بأنه سيكون عبارة عن مشروع إستثماري مغرٍ بالنسبة إلى أي شركة إستثمار أجنبيّة، بينما يملك الفرنسيون بالذات ما يكفي من إهتمام بموقع المرفأ الحيوي ودوره على الشاطىء الشرقي للبحر المتوسّط.

يعود إرتباط المصالح الفرنسيّة بمرفأ بيروت إلى العام 1887، يوم جرى منح “شركة مرفأ وارصفة وحواصل بيروت” إمتياز إنشاء المرفأ بموجب فرمان عثماني، ونصّ الإمتياز يومها على إعطاء الشركة حقوق إستثمار المرفأ وتشغيله وكل ما يتصل بتخزين البضائع ونقلها من خلاله. وبعد دخول لبنان حقبة الإنتداب الفرنسي، مع إنتهاء الحرب العالمية الأولى، جرى إعطاء الشركة الجنسيّة الفرنسيّة بشكل رسمي، وهو ما أعطى فرنسا الوصاية الرسميّة والصريحة على أعمال المرفأ منذ ذلك الوقت. وبرغم إنتهاء الإنتداب الفرنسي بشكل رسمي في العام 1943، ظلّت الشركة الفرنسيّة تمتلك الإمتياز وتتصرّف بموجبه، لغاية العام 1960، حين قررت الدولة اللبنانيّة وضع اليد على جميع العقارات الداخلة في نطاق عمل مرفأ بيروت، بما فيها العقارات غير الممسوحة التي نتجت عن أعمال ردم البحر التي قامت بها الشركة الفرنسيّة لتوسعة المرفأ، فيما قامت الدولة بالتعويض للشركة من خلال منحها أراضٍ بقيمة موازية للأراضي الممسوحة، وإكتفت الدولة بدفع تكاليف الأشغال بالنسبة إلى الأراضي المردومة وغير الممسوحة.

منذ سنة 1960، جرى منح الإمتياز لشركة لبنانيّة حملت إسم “إدارة وإستثمار مرفأ بيروت”، ومنذ إنتهاء إمتياز هذه الشركة اللبنانيّة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، قررت الدولة اللبنانية إنشاء لجنة مؤقّتة لإدارة المرفأ حملت إسم “اللجنة المؤقتة لإدارة وإستثمار مرفأ بيروت”. لكنّ هذه اللجنة المؤقتة تحوّلت مع الوقت إلى أمر واقع ودائم، إذ إستمر العمل بموجب هذه الصيغة الإشكاليّة منذ ذلك الوقت وحتّى اليوم، مع العلم أن هذه الصيغة لطالما كانت عرضة للإنتقاد من ناحية تفلّتها من أي إطار تشريعي ينظّم عملها، وخصوصاً من ناحية الرقابة على ماليّة المرفأ وإدارته.

الإستثمار المغري

من الناحية الإستثماريّة البحتة، يمثّل مرفأ بيروت اليوم ملفاً مغرياً بالنسبة إلى الفرنسيين عند دراسة إمكانيّة الحصول على عقد لإعادة تأهيله وتشغيله. فالإنطباع السائد اليوم في لبنان اليوم، هو أن المرفأ تعرّض لعمليّة دمار شامل ستجعله خارج الخدمة كليّاً خلال الفترة القادمة، وهو ما يبرر التفكير بإعادة تشغيله من خلال تلزيم عمليّة إعادة إعماره وإستثماره لاحقاً، خصوصاً أن الظروف الماليّة الحاليّة للدولة لا تسمح بالإنفاق للقيام بعمليّة إعادة الإعمار هذه (ثمة تقديرات أولية أن كلفة إعادة إعمار المرفأ لا تتجاوز النصف مليار دولار أميركي).

لكنّ عمليّاً، وبحسب مصادر مطلعة على أنشطة مرفأ بيروت، تمر أكثر من 80% من عمليات الإستيراد والتصدير في المرفأ من خلال ما يُعرف بالمرفأ الجديد، أي المحطّة المخصصة لإستيراد وتصدير البضائع من خلال الحاويات، وهي محطّة يمكن إعادة تشغيلها بسهولة بعد القيام ببعض أعمال الصيانة المحدودة والقليلة الكلفة مقارنةً بالعوائد التي تأتي عادةً من أنشطة هذه المحطة. أما الضرر الكبير والفعلي، فيتركّز فعليّاً في المنطقة المعروفة بالمرفأ القديم، وهي المساحة المخصصة لإستيراد وتصدير البضائع التي لا تأتي ضمن حاويات، كالحبوب والسيارات وغيرها، مع العلم أن هذا النوع من العمليات لا يمثّل حالياً أكثر من 20% من عمليّات المرفأ.

وهكذا، يمكن القول أن الإستثمار في عمليّة إعادة تأهيل المرفأ وتشغيله سينطوي على صفقة مربحة لأي طرف يمكن أن يفوز بهذا العقد، خصوصاً بالنظر إلى حجم العمليات الكبيرة التي يمكن إستئنافها من دون الإضطرار إلى تكبّد الكثير من النفقات الإستثماريّة، وبالنظر إلى حالة العجز الموجودة في ماليّة الدولة والتي يمكن أن تدفعها للقبول بهذا النوع من الصفقات. مع العلم أن العقد الموقّع سنة 2004 مع شركة BCTC لتشغيل محطّة الحاويات إنتهى في كانون الثاني/يناير الماضي، فيما جرى تأجيل موعد فض العروض لتوقيع عقد جديد لتشغيل المحطة في آذار/مارس الماضي بعد أن قررت وزارة الأشغال العامة والنقل تأجيل المناقصة وإحالة الملف إلى دائرة المناقصات التي وضعت ملاحظاتها وأبرزها عدم إمكان لجنة الإدارة المؤقتة للمرفأ من تمديد أو تلزيم العقد لمدة 15 سنة إلا بقانون يصدر عن مجلس النواب. وقد تقدم الفرنسيون إلى تلك المناقصة من خلال شركة CMACGM التي يديرها رودولف سعادة وهو فرنسي من أصل لبناني تملك شركته حوالي 30% من الشركة المشغلة لمحطة حاويات مرفأ طرابلس.

مرفأ بيروت يمثّل اليوم النقطة الوحيدة التي يمكن أن تحافظ من خلالها فرنسا على نفوذ ما على طول الشاطىء الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط، خصوصاً بعد التوسّع الملحوظ للشركات الصينيّة على هذا المستوى بعد توقيع شركات صينيّة عقود لإدارة موانىء حيفا وأشدود في فلسطين المحتلّة

أهميّة إستراتيجيّة

بمعزل عن الجدوى الإستثماريّة الذي تنتظرها فرنسا اليوم من مسألة إعادة تأهيل وتشغيل المرفأ، يرتبط الإهتمام الفرنسي بعوامل سياسيّة إستراتيجيّة بالغة الأهميّة. فمرفأ بيروت يمثّل اليوم النقطة الوحيدة التي يمكن أن تحافظ من خلالها فرنسا على نفوذ ما على طول الشاطىء الشرقي للبحر الأبيض المتوسّط، خصوصاً بعد التوسّع الملحوظ للشركات الصينيّة على هذا المستوى بعد توقيع شركات صينيّة عقود لإدارة موانىء حيفا وأشدود في فلسطين المحتلّة، بينما كانت تتحضّر شركة SIPG لتوقيع عقد لتوسعة ميناء حيفا خلال العام القادم. مع العلم أن شركة “تشينا ميرتشانتس” الصينيّة كانت دخلت على خط المنافسة في بيروت أيضاً، من خلال محاولتها الحصول على عقد تشغيل محطّة الحاويات قبل تأجيل فض العروض في شهر آذار/مارس الماضي.

بإختصار، يرغب الفرنسيون اليوم بالحفاظ على مرفأ بيروت كموطىء قدم في المنطقة، في ظل دخول الصين كمنافس تجاري شرس على مستوى الإستثمار في الموانىء التجاريّة في شرق المتوسّط كجزء من مبادرة “الحزام والطريق”، والتي تهدف إلى ربط الصين بالعالم من خلال إستثمار مليارات الدولارات في البنى التحتيّة المتعلّقة بقطاع المواصلات تحديداً. مع العلم أن الصين تمتلك أساساً حضورها في الموانىء اللبنانيّة، من خلال عدّة عقود وقعتها مع لبنان لإستثمار مرفأ طرابلس، فيما كانت العديد من التقارير والدراسات تتحدّث عن الإهتمام الصيني بالتوسّع إستثماريّاً في هذا المرفأ تحديداً.

في الواقع، يمكن القول أيضاً أن الهيمنة الصينيّة لا تمثّل بالنسبة إلى الفرنسيين الهاجس الوحيد على هذا المستوى، خصوصاً في ظل الإهتمام الروسي بالإستثمار في هذا المجال أيضاً، والذي ظهر من خلال توقيع الشركات الروسيّة لعقود إستثمار وتشغيل في مرفأ طرطوس في سوريا ومحطة المنتجات النفطيّة في مرفأ طرابلس. وبذلك، يمثّل الوجود الروسي وإهتمام الشركات الروسيّة بتوسيع نفوذها في منطقة شرق المتوسّط عامل ضغط إضافي، يدفع فرنسا إلى البحث عن كيفيّة تثبيت وجودها في آخر المواقع التي يمكن أن تحمي مصالحها.

مستقبل مرفأ بيروت

عمليّاً، إستوعب مرفأ بيروت خلال السنوات الماضية ما يزيد عن 72% من واردات لبنان، وأكثر من 78% من صادراته، فيما كان المرفأ يتعاون مع أكثر من 300 مرفأ آخر حول العالم في عملياته، وهو ما يدل على الفجوة التي سيخلّفها توقّف مرفأ بيروت عن العمل خلال الفترة المقبلة. لكنّ مصادر متابعة لعمليّات المرفأ تؤكّد أن ثمّة مبالغات كبيرة جرى تداولها في الإعلام خلال الأيام الماضية في ما يخص حجم وكلفة الأضرار التي طالت أرصفة المرفأ ومنشآته، مع العلم أن صورة الدمار التي تركها الإنفجار ساعدت على الترويج لهذه المبالغات من خلال الإيحاء وكأن المرفأ أصبح في مرحلة “الخسارة الكليّة” Total Loss، في حين أن المرفأ قادر خلال فترة زمنيّة قصيرة على إستعادة القدرة على القيام بالغالبيّة الساحقة من عملياته بعد القيام ببعض الأعمال التأهيليّة غير المكلفة وخصوصاً في محطة الحاويات.

وهكذا، وبحسب هذه المصادر، فالتحدي المقبل سيكون في القدرة على توفير قرار سياسي يقضي بالشروع بعمليّة إعادة تأهيل للأقسام التي يمكن إصلاح أضرارها بالسرعة القصوى، بهدف إستعادة المرفأ لأكبر قدر ممكن من قدرته التشغيليّة، من دون ربط هذا المسار بصفقة إعادة تأهيل وتشغيل المرفأ ككل. وفي هذه الحالة، يمكن عندها النظر في الأقسام التي قد تتطلّب إستثمارات خارجيّة معيّنة لإعادة تأهيلها، مع العلم أن هذه الأقسام لن تمثّل عمليّاً سوى جزءاً صغيراً من عمليات المرفأ ككل، في حين أن مرفأ طرابلس قادر على تغطية فجوة توقّف هذه الأقسام عن العمل مرحليّاً وهو ما ينزع صفة العجلة عن هذه الإستثمارات ويمنح الدولة موقعاً تفاوضياً أفضل.

بإختصار، ما هو مطلوب اليوم هو البحث عن مصلحة لبنان قبل توريط مصير المرفأ في التنافس الإقليمي على مرافىء شرق المتوسّط، وهذه المصلحة تقتضي تقليص التضحية التي ستقوم بها الدولة من عائداتها من خلال الشراكات الإستثماريّة مع الشركات الأجنبيّة، ومن خلال الإمتيازات التي يمكن منحها في مرحلة إعادة تأهيل المرفأ، خصوصاً أن الدولة ستكون بأمس الحاجة لهذه العائدات خلال الفترة القادمة. ولذلك، من الأكيد أن المطلوب حاليّاً هو الشروع – وبأسرع وقت – بدراسة شاملة لوضعيّة أقسام المرفأ الحاليّة، لتحديد الأقسام التي يمكن إصلاحها سريعاً وبالجهود المحليّة، في مقابل تلك التي ستحتاج هذا النوع من الشراكات مع الشركات الأجنبيّة.

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course