“الخروج الآمن” لرياض سلامة من “المركزي” و”الجنائي” و…
TO GO WITH AFP STORY BY RANA MOUSSAOUI Lebanon's Central Bank governor Riad Salameh listens to a question during an interview with AFP at his office in Beirut on Januray 18, 2010. Lebanon's bank deposits have risen by more than 20 percent and foreign currency reserves have reached record levels thanks to a relatively stable political situation in the last two years, Salameh told AFP. AFP PHOTO/JOSEPH EID (Photo by Joseph EID / AFP) (Photo by JOSEPH EID/AFP via Getty Images)

صار مصطلح "التدقيق الجنائي" أو "التشريحي" (Forensic Audit) على كل شفة ولسان في لبنان. ما هي وظيفته وهل سيحقق النتيجة المرجوة؟

من حسن حظ اللبنانيين أنه سيكون لهم من يُكلف/تُكلف بتشكيل حكومة جديدة، قبل وصول رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، إلى بيروت يوم غدٍ (الإثنين)، ومن حسن حظهم، أنه، وبفضل ماكرون أيضاً، سيوقع عقد التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان المركزي بين الحكومة اللبنانية ممثلة بوزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني وبين شركة “ألفاريز” (Alvarez & Marsal Middle East Limited)، خلال عشرة ايام على أبعد تقدير، حسب مصادر الطرفين.

عندما سلّم وزير المال الرئيس اللبناني ميشال عون، النسخة ـ المسودة الأخيرة للعقد مع شركة “ألفاريز”، قبل حوالي الأسبوع، كان مُقدراً أن يتم التوقيع خلال ثمان وأربعين ساعة، حسب وزني نفسه، لكن تبين أن الجانبين لم يتوقفا عن تبادل المسودات طيلة الأيام الماضية، حيث ينتظر أن تقدم شركة التدقيق مسودتها الأخيرة في غضون الساعات الثماني والأربعين المقبلة.

ثمة أبعاد سياسية يجب التوقف عندها، قبل الحديث عن الأبعاد الأخرى. إنطلق التدقيق الجنائي بعناوين مالية (محاربة الفساد المالي) لكن بمضمون سياسي لبناني بحت. هو القضية التي لا تتقدم عليها اية قضية في حسابات رئيس الجمهورية ميشال عون. يكاد لا يمر يوم واحد منذ أن نالت حكومة حسان دياب الثقة وحتى ما بعد إستقالتها وتصريف الأعمال، إلا ويراجع ميشال عون إما وزير المال أو الوزراء والمستشارين المعنيين بالملف بهذا الخصوص.

لم يدرك عون، ولو متأخراً، أن الوظيفة السياسية الأولى للملف باتت شبه منعدمة عملياً. إذا كان مطلوباً شطب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بوصفه مرشحاً لرئاسة الجمهورية، فالموقف الدولي ينظر إلى سلامة بوصفه قد لعب “دوراً مهماً في الماضي” الا انه بات جزءاً لا يتجزأ من منظومة لبنانية “قد إستنفدت”. كما أن “المشورة التقنية” التي عرض ماكرون أن يقدمها مصرف فرنسا المركزي إلى مصرف لبنان المركزي، هي جزء من “خارطة طريق” شاركت جهات لبنانية ودولية في رسمها وتحديدها، تمهيداً لما يسمى “الخروج الآمن” لرياض سلامة من المصرف المركزي، في اللحظة المناسبة (لم تحدد حتى الآن)، وذلك على أساس ضمانات دولية، بعدم التعرض له ولأي من أفراد عائلته مستقبلاً. وثمة من يردد أن إجتماعاً عقد قبل حوالي الشهرين في منزل وزير سيادي لبناني مسيحي، بحضور رياض سلامة و”أركان” جمعية المصارف وبعض الوزراء والمستشارين السياسيين والماليين (المحليين والدوليين)، مهّد الطريق أمام هذا المخرج الذي يتبلور تدريجياً.

وما يؤكد هذا المنحى عملياً هو مضمون العقد (المسودة الأخيرة) الذي سيوقع مع شركة “ألفاريز” للتدقيق الجنائي، حيث نُزِعت منه كل “الألغام”، وبات ينسجم و”المخرج الآمن”، وبالتالي، لن يخرج التدقيق عن مقتضيات وأحكام القانون اللبناني، أي قانون السرية المصرفية وتحديداً المادة 151 من القانون المذكور التي تنص على الآتي: “على كل شخص ينتمي أو كان انتمى الى المصرف المركزي، بأية صفة كانت، أن يكتم السر المنشأ بقانون 3 أيلول/سبتمبر سنة 1956. ويشمل هذا الموجب جميع المعلومات وجميع الوقائع التي تتعلق ليس فقط بزبائن المصرف المركزي والمصارف والمؤسسات المالية، وإنما أيضا بجميع المؤسسات المذكورة نفسها والتي يكون اطلع عليها بانتمائه الى المصرف المركزي”.

ثمة تفاصيل عديدة قيد التفاوض حالياً بين وزارة المال و”ألفاريز”، يفترض توقيع العقد، فور إنجازها، لكن إذا تم “تحييد” رياض سلامة، بوضعه خارج نادي مرشحي رئاسة الجمهورية وبـ”المخرج الفرنسي الآمن”.. هل هناك أية أهداف سياسية أخرى من وراء التدقيق؟

أما اللغم الثاني، فهو المتعلق بحرص بعض دوائر القصر الجمهوري، على تضمين العقد فقرة تقضي بدعوة مجموعة “ايغمونت” الدولية لأن تكون شريكة في توقيع العقد وأن تكون عضوة في اللجنة الرسمية اللبنانية التي ستتولى متابعة عمل شركة التدقيق (ألفاريز). المفارقة أن هيئة التشريع في وزارة العدل، المفترض أن تكون ضنينة بالقوانين اللبنانية، قررت أن تستيعن بمنتدى دولي مالي إستخباراتي يركز في عمله على قضيتين لا ثالث لهما وهما تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. أي “من تحت الدلفة لتحت المزراب”، على حد تعبير مرجع لبناني كبير. وهنا بدا السؤال مشروعاً: كيف يقاتل الرئيس اللبناني من أجل أن يكون التحقيق في إنفجار مرفأ بيروت لبنانياً، برغم وجود عناصر دولية لا يمكن الفكاك منها: الباخرة (جزر الماريشال) وقبطانها (روسي الجنسية) وصاحبها (مقيم في قبرص) ومعمل النيترات (جورجيا) ومستورد النيترات (موزمبيق) والمعدات الزراعية (الأردن) إلخ.. بينما يقرر تحويل تدقيق محاسبي مالي بحسابات مالية لبنانية إلى تحقيق دولي وبمشاركة مجموعة “إيغمونت”، بما تمثله من منتدى إستخباراتي ـ مالي وثيق الصلة بوزارة الخزانة الأميركية؟

ثمة تفاصيل عديدة قيد التفاوض حالياً بين وزارة المال و”ألفاريز”، يفترض توقيع العقد، فور إنجازها، لكن إذا تم “تحييد” رياض سلامة، بوضعه خارج نادي مرشحي رئاسة الجمهورية وبـ”المخرج الفرنسي الآمن”، هل هناك أية أهداف سياسية أخرى من وراء التدقيق أم أن الأمر سيكون مالياً جنائياً؟

لدى مراجعة “الإطار” الذي على أساسه تم إستدراج العروض للشركات، يتبين أن المطلوب التدقيق بجميع العمليات في مصرف لبنان أو من خلال حسابات (المصارف) في مصرف لبنان، بما في ذلك حسابات أية جهة حكومية لبنانية. هذا التحديد العام والذي ينطبق على ما حصل قبل تاريخ توقيع العقد، يفتح الباب أمام محاولة تكوين ملفات ماضية ووضعها على الطاولة تمهيداً لإستخدامها عشية الإنتخابات الرئاسية المقبلة. بمعنى آخر، تجري محاولة مقايضة هذا القطب السياسي أو ذاك، تبعاً لموقفه من مرشح العهد المقبل.

بكل الأحوال، في أي تدقيق جنائي “مأمول”، يغلب البعد السياسي على ما عداه. طبعاً أخذت الشركة على عاتقها في مندرجات العقد تحديد مكامن الخلل في مصرف لبنان من أجل إصلاحها وعدم تكرار أخطاء الماضي. هذه يمكن أن تشكل قاعدة لعدم تكرار تجربة رياض سلامة في المصرف المركزي مستقبلاً، اي أن يكون حاكم المصرف المركزي أسير حسابات رئاسية، وبالتالي “هندسات مالية” يُراد لها أن تصب في مصلحة هذا الهدف لا الحسابات المالية للدولة اللبنانية.

مارتين كريسولا: صندوق النقد لم يطلب إجراء تدقيق تشريحي جنائي بميزانيات مصرف لبنان من النوع الذي أقره مجلس الوزراء اللبناني

هذه النقطة تحديداً إلتفت إليها في وقت سابق عدد من المؤسسات المالية الدولية، وبينها صندوق النقد. وقد كان لافتاً للإنتباه في إجتماع المجلس التنفيذي الذي عقد قبل خمسة عشر يوما لمناقشة طلب تقديم “الدعم السريع” للبنان، غداة إنفجار مرفأ بيروت، ما قاله مارتين كريسولا رئيس بعثة صندوق النقد في التفاوض مع وزراة المال والمصرف المركزي في لبنان. كريسولا إتهم رياض سلامة “بإستخدام أساليب محاسبيّة غير تقليديّة لإحتساب الخسائر والتعامل معها”، وإعتبر أن موضوع التدقيق في ميزانيات مصرف لبنان المركزي “كان جزءاً أساسياً من خطة الإصلاح المالي التي وضعتها حكومة حسان دياب، وخصوصاً من أجل ضمان المحاسبة والشفافيّة في ظل التساؤلات الكبيرة المتعلّقة بالأساليب المحاسبيّة التي يعتمدها مصرف لبنان، بالإضافة إلى ضرورة تحديد حجم الخسائر المتراكمة في المصرف بشكل واضح وصريح”.

أما الأهم هنا، فهو ما كشفه كريسولا بأن صندوق النقد وبرغم إشارته لأهمية التدقيق المحاسبي في مصرف لبنان، لا بل في مؤسسات الدولة اللبنانية الأخرى أيضاً، “لم يطلب إجراء تدقيق تشريحي جنائي بميزانيات مصرف لبنان من النوع الذي أقره مجلس الوزراء اللبناني”.

بمعنى آخر، يعتبر صندوق النقد أن التدقيق المحاسبي وحده في ميزانيات المصرف المركزي والمؤسسات العامّة الأخرى “كان كافياً لدراسة الإجراءات والمعايير المحاسبية المعتمدة في هذه المؤسسات”.

لقد أفرغ التدقيق الجنائي من مضمونه من قبل أن يبدأ. الأحرى بكل من يريد إصلاحا في لبنان أن يذهب بإتجاه آخر. من القضاء يبدأ الإصلاح. من مؤسسات الرقابة والتفتيش. لو كان هناك مجلس مركزي حقيقي وغير صوري في مصرف لبنان، ولو كانت هناك لجنة رقابة جدية على المصارف، ولو كانت هناك مفوضية حكومة بكل معنى الكلمة في المجلس المركزي لمصرف لبنان ولو كانت هناك شركات تتولى التدقيق المحاسبي والقانوني بشكل دوري وشفاف، لما كان هناك من ضرورة لأي تدقيق جنائي دولي. كل خيار من هذا النوع الأخير هو تنازل سيادي. وحده كل رهان على القضاء اللبناني وهيئات الرقابة والتفتيش، يضع الأمور على السكة الصحيحة. رحم الله الرئيس الراحل فؤاد شهاب. للبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
online free course