مئوية الصيغة المحتضرة..  ومئوية الدولة المرجوة
French President Emmanuel Macron (4L), surrounded by Lebanese servicemen, gestures as he visits the devastated site of the explosion at the port of Beirut, on August 6, 2020 two days after a massive explosion devastated the Lebanese capital in a disaster that has sparked grief and fury. - French President Emmanuel Macron visited shell-shocked Beirut on August 6, pledging support and urging change after a massive explosion devastated the Lebanese capital in a disaster that left 300,000 people homeless. (Photo by Thibault Camus / POOL / AFP) (Photo by THIBAULT CAMUS/POOL/AFP via Getty Images)

يتعمق الشرخ أكثر فأكثر بين الناس و"الدولة"، ويتخذ أشكالاً جديدة ومستجدة بعد إنفجار مرفأ بيروت الاجرامي.

غداة الرابع من آب/أغسطس، راحت ترتفع أصوات معترضة على كل ما يمثل الدولة، مطالبة بالعصيان عليها بعدم دفع الرسوم والضرائب أو برفض الالتزام بقرارتها، كما حدث مؤخراً مع مقاومة أصحاب الأعمال إجراءات الإقفال العام المفترضة لأجل تخفيف انتشار فيروس كورونا، أو مع إمتناع مديرة عامة في مؤسسة رسمية تنفيذ قرار وزيرها بعزلها وتسليم مركزها إلى شخص آخر.

كما تتزايد المطالب والحملات النشطة بمقاطعة المسؤولين وطردهم من الأماكن العامة وشتمهم في العلن، كما حدث لأكثر من وزير ونائب ومسؤول في الأشهر الأخيرة، مصحوبة بكسر تقاليد التبجيل والإحتفاء التي لطالما إعتمدها اللبنانيون في مخاطبة ممثليهم وزعمائهم وطريقة التعاطي معهم.

يصاحب هذا العصيان الشعبي المتصاعد شكل آخر من القطيعة الدولية لـ”الدولة” اللبنانية، أعقب التباطؤ الحكومي في تنفيذ إلتزامات لبنان الإصلاحية التي ما برح المانحون يذكّرون الحكومات المتعاقبة بها، منذ مؤتمر سيدر في نيسان/أبريل 2018، وهذا المنحى أصبح أكثر وضوحاً، بعد إنفجار المرفأ مع إعلان 27 دولة مانحة و6 مؤسسات دولية صرف مساعداتهم للإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار مباشرة أو عبر إنتدابهم هيئات دولية وأممية للتنفيذ عبر منظمات غير حكومية ومبادرات أهلية، مشددين على عدم نيتهم العمل من خلال مؤسسات الدولة وأجهزتها الرسمية، بإستثناء الجيش اللبناني الذي محضته العديد من الدول والهيئات ثقتها في الشق الإغاثي!

هذان العصيانان، المحلي والدولي، ليسا عرضيين ولا هما مقاطعة ظرفية بل نتيجة حتمية لنهج متبع منذ عقود في تعاطي السلطة مع القضايا العامة، وفي تقويضها دور مؤسسات وتشريعات وآليات العمل الرسمية، الأمر الذي حال دون لعبها أدوارها الأساسية والمفترضة في خدمة حاجات الناس من الأمن وتحقيق العدالة والخدمات الاساسية والحماية الإجتماعية وإعادة الإعمار وغيرها من الأمور العامة، مما جعلها، أي “الدولة”، عن سابق قصد وتصميم، تنكفىء عن القيام بدورها المفترض في تحقيق المصلحة العامة وتعزيزها، على حساب تعميق المصالح الخاصة لأهل السلطة.

تغدو مطالبة كثيرين بالتحقيق الدولي في إنفجار المرفأ مفهومة، في السياق نفسه، لكن ذلك يؤدي عملياً إلى إفراغ مضمون الدولة من خلال تخليها عن دور أساسي لها، أي تحقيق العدالة بين المواطنين

ويتجسد هذا النهج الواهن في إدارة الدولة في أكثر من وجه، وسأكتفي هنا بذكر خمسة منها:

أولاً، في تحقيق العدالة، وهو من الأقانيم الأساسية في هيكل الدولة وتحصين بنيانها، إذ تتلاشى، يوماً بعد يوم، الثقة بالقضاء اللبناني بسبب تحكم أهل السلطة بقراره، ما جعله أسير هوى الحكام ومصالح أزلامهم، فيصبح تلزيم وظيفة البحث عن الحقيقة والعدالة في جريمة إغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري إلى القضاء الدولي، أمراً مستساغاً وتغدو مطالبة كثيرين بالتحقيق الدولي في إنفجار المرفأ مفهومة، في السياق نفسه، لكن ذلك يؤدي عملياً إلى إفراغ مضمون الدولة من خلال تخليها عن دور أساسي لها، أي تحقيق العدالة بين المواطنين.

ثانياً، في حفظ الأمن، فإحتكار إستخدام العنف المشروع كأساس بنيان الدولة، حسب عالم الإجتماع ماكس فيبر، ينتفي بوجود العديد من الأطراف غير الدولتية المسلحة، وبعضها أقوى من القوى العسكرية الرسمية، ويستخدم سلاحه لأغراض حزبية خارج منظومة مقاومة المحتل والمفترض الإجماع عليها وطنياً، من منطلق ضرورة وجود مقاومة “شعبية” ضد العدو الإسرائيلي، تكون حاضرةً بشكل مستمر لصد إعتداءاته على المناطق الحدودية.

ثالثاً، في الخدمات الأساسية والحماية الإجتماعية، فما برحت “الدولة” تعتمد التهرب وتغييب نفسها عن هذه القضايا الرئيسة في حياة الناس، كالصحة والتعليم والسكن، وفي حقهم في الحصول عليها، إما عبر تلزيمها للهيئات الأهلية والدينية والحزبية، فتكون عبارة عن أعمال بر وإحسان وخير، أو من خلال تلزيمها بشكل رسمي أو غير رسمي للقطاع الخاص، وغالباً من دون تنظيم ورقابة، كما نشهد في قطاعات الكهرباء والهاتف والماء والساتيلايت والأنترنت وغيرها.

رابعاً، في تمويل حاجات الدولة، فقد إتكلت السلطة على الإقتراض من المصارف بنهم وبطرق غير مستدامة وغير متوازنة مع الحسابات المالية للخزينة العامة، حتى أمست مديونيتها من الأعلى في العالم، وساهم في ذلك طمع بعض المصارف والمصرفيين، وأغلبهم من المقربين من أهل السلطة. فلا عجب من إختلال هذا النموذج لتمويل حاجات الدولة وتحول بعض المصرفيين إلى جماعة مارقة أقوى من الدولة، بدليل تهريب أموالهم إلى الخارج، وفي المقابل، قاموا بحجز ودائع الناس وحالوا دون حصولهم على حقهم بمدخراتهم.

لن نتمكن من الوصول إلى الدولة المرجوة ما لم نخرج من هوياتنا البدائية وجماعاتنا المتخيلة وجغرافيتنا الضيقة وخوفنا الجماعاتي. فقط بذلك، نخطو الخطوة الأولى في رحلة المائة عام المقبلة

خامساً، في إعادة الاعمار، وهنا صارت العودة إلى هذا الأمر ضرورية، بعد إنفجار المرفأ الإجرامي، فالسلطات اللبنانية المتعاقبة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي إعتمدت ثلاثة نماذج جميعها جعلت “الدولة” تنأى بنفسها عن لعب دور محوري في الإعمار، بينما لو كانت مساهمة “الدولة” مختلفة لأمكنها بناء بعض مشروعيتها. ما هي هذه النماذج؟

-النموذج الأول، “خصخصة” إعادة إعمار المناطق المهدمة والمتضررة في الجنوب وجبل لبنان عبر الاكتفاء في لعب دور الممول وصرف المساعدات المالية المباشرة للمتضررين من خلال صندوق المهجرين ومجلس الجنوب، وما رافق ذلك من فوضى وهدر ومحسوبيات حزبية.

-النموذج الثاني، إعتماد منظور عقاري ربحي بحت، كما حدث في مشروع اعادة اعمار وسط بيروت عبر شركة “سوليدير” الربحية التي فشلت في  إعادة الروح إلى قلب العاصمة، كما تعثرت في مشروعها الربحي.

النموذج الثالث، إعتماد مقاربة تلزيم إعادة الإعمار لشركة “حزبية” كحالة شركة “وعد” التي تولت إعادة إعمار الضاحية الجنوبية لبيروت بعد عدوان 2006.

ماذا بقي من هيكل الدولة؟

المفجع أن من نفذوا كل هذه السياسات طوال ثلاثة عقود، باتوا هم في موقع السؤال، وصار الناس في موقع الإجابة.

عملياً، “دولتنا” إما غائبة أو مُغيبة عن أدوارها الرئيسة ووظائفها. لا منعة لديها في منع الأزمات المتعددة والمتكررة أو مواجهتها.

“الدولة” باتت مُفرغة من عناصر قوتها. فاقدة لمشروعيتها. مُتخلفة عن حماية مواطنيها وحقوقهم. مُلزّمة أعمالها إلى جماعات حزبية واهلية وشركات خاصة، كبُرت على حسابها وأمست عاصية عليها وخارجة عن إرادتها.

لا بد من الإقرار أننا فشلنا في بناء “دولة” ولا ضيم في إعلان وفاتها للمضي في تشييد كيان جديد لعله يرقى إلى مستوى الدولة العادلة بأنظمة حكم قوية وبمؤسسات وآليات عمل تنظّم العلاقة بين المواطن الفرد والسلطة السياسية.

عشية المئوية الأولى للبنان الحالي، والتي تبدو لحظة إعلان إحتضار صيغة كيان 1920 وموتها، لا بد من النظر إلى مرآة أنفسنا حتى نعترف أيضاً أننا أخفقنا في صنع نظام إجتماعي مشترك تتفاعل فيه الجماعات والأفراد ويحضن تنوعهم، فأعطينا حق النقض للجماعات، وسقطنا في فخ خياراتنا المذهبية والطائفية القاتلة التي جعلتنا ننقاد إلى زعماء الطوائف وأمرائها بوصفهم حماة الجماعة ولو كان ذلك على حساب مفهومي المصلحة العامة وحرية الفرد.

لن نتمكن من الوصول إلى الدولة المرجوة ما لم نخرج من هوياتنا البدائية وجماعاتنا المتخيلة وجغرافيتنا الضيقة وخوفنا الجماعاتي. فقط بذلك، نخطو الخطوة الأولى في رحلة المائة عام المقبلة. غير ذلك، سيقودنا حتماً إلى رحلة تأسيس “دول” لبنانية، والمؤسف أن هناك من ينفخ في هذا البوق كثيراً في الأونة الأخيرة!

لنتذكر بعد مائة سنة.

ناصر ياسين

أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت

Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy course