“رحلة” نيترات الأمونيوم من بافاريا إلى بيروت
A Colombian police officer shows part of one ton of ANFO (Ammonium Nitrate-Fuel Oil) explosive seized to the Revolutionary Armed Forces of Colombia (FARC), in Cali, Valle del Cauca department, Colombia, on July 29, 2010. AFP PHOTO/Luis ROBAYO (Photo credit should read LUIS ROBAYO/AFP via Getty Images)

لم يعلم جوهان رودولف غلوبر الخيميائي الألماني أنّ ما قام بتصنيعه في معمله في بافاريا سنة 1659 سيحمل معه هذا القدر من الكوارث على البشرية ابتداءً من أوائل القرن العشرين.

مُركّبٌ جديدٌ وجده شخص يبحث عن إكسير الحياة، سيخطف لاحقاً حياة عشرات الآلاف، ويحسّن، في الوقت نفسه، الانتاج الزراعي ويساعد عمال المناجم في الوصول للفحم الحجري بصورة أسرع، ويكون موضوعاً للكثير من الدراسات لخصائصه المميزة.

إنّه نيترات الأمونيوم.

المولود الجديد

قبل الكشف عن كامل قدرات هذه المادة الجديدة، كان إستعمالها الأساسي، وما يزال، يتمحور حول التسميد الكيميائي للأرض، فالنباتات تحتاج كثيراً لعنصر الآزوت الموجود في نيترات الأمونيوم بشكل يُمكن للفلاح إستخدامه من دون الحاجة إلى تجهيزات معقدة، فهو يقوم برشها على التربة ببساطة، بينما تُضخ الكيماويات الزراعية الأخرى المحتوية على الآزوت، مثل غاز الأمونيا، بواسطة أنابيب خاصة داخل التربة، وهناك مواد تخسر قيمتها في التسميد بسرعة أكبر، وهذا ما جعل نيترات الأمونيوم خياراً جيداً ومفيداً.

كلّ ما سبق، كان قبل اكتشاف قدرات هذه المادة على الأكسدة، أي قدرتها على إنتاج الأوكسيجين، الغاز الأساسي في إشعال أي نار على كوكب الأرض، فنيترات الأمونيوم وعند تعرضها إلى حرارة تفوق الـ 160 درجة مئوية تبدأ بالتفكك لتنتج الأوكسيجين، ما يعني بالتالي أنها لو وُضعت في مكان محكم الإغلاق واشتعلت في هذا المكان نار أو ارتفعت الحرارة، فلن نستطيع إطفاء النيران بسهولة لأن ألسنة اللهب تتغذى بالأوكسيجين الآتي من تفكك نيترات الأمونيوم.

الخلط والمزج

بقيت إستعمالات نيترات الأمونيوم تكتسب طابعاً مدنياً لقرنين ونصف من الزمن ومن دون أية حوادث تذكر، لكن الأمور ستتغير، عندما إكتشف علماء عسكريون بريطانيون قدرات نيترات الأمونيوم التفجيرية خلال الحرب العالمية الأولى. ولأجل دعم المجهود الحربي لبلادهم وتخفيف مصاريف الحرب العالية، قام هؤلاء العلماء بإعداد قنابل جديدة مزجوا فيها مادة الـ”تي.أن.تي” بمادة نيترات الأمونيوم فحصلوا على ما سُميت وقتذاك “القنابل الرخيصة” (الديناميت) أو cheap bombs.

بعد ذلك، بدأت هذه المادة تجد نفسها في ميدان مختلف كلياً عما وجدت لأجله في الأصل، ففي عشرينيات القرن العشرين المنصرم، قام عمال المناجم الأميركيون بمزج نيترات الأمونيوم بقليل من الوقود، للحصول على متفجرة جديدة سُميت بالـ”أكرميت” تيمناً بمن ركّبَها للمرة الأولى. وكان هؤلاء العمال يمزجون التركيبة بأنفسهم من دون الإستعانة بمختصين، فسلكت مادة نيترات الأمونيوم سكة الانتاج الصناعي (العسكري) الكبير، وبدأت الحوادث تتوالى.. كما الاكتشافات.

لقد وقع المحظور واستعملت هذه المادة في صناعة العبوات الناسفة البدائية، كما حصل في بريطانيا في زمن المواجهات بين الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الإيرلندي ولاحقاً في تفجير أوكلاهوما

مرحلة الخطر

تلاحقت الاكتشافات والاستعمالات العسكرية لهذه المادة، وظهر الشكل الأكثر شهرة لها وهو الـ(ANFO)وهي الأحرف الأولى من كلمات:Ammonium Nitrate Fuel and Oil أي نيترات الأمونيوم مع الفيول والزيوت، التي ستكون الأحرف الأولى للكثير من التفجيرات في العديد من المدن في العالم.

إن مجرد إضافة الوقود لهذه المادة، يجعل منها مادة خطيرةً لا يمكن الإستهانة بها أبداً نظراً لخصائصها الكيميائية الإستثنائية، ولا سيّما قدرتها على إطلاق الغازات في الانفجارات، ما يزيد من قوة العصف لأي مادة تفجيرية أخرى. لذا، ظهرت عدة مُركبات متفجرة بعضها عسكري أو مدني يستعمل في المناجم واستخراج الفحم.

كما استعملت هذه المادة (ANFO) في ستينيات القرن الماضي لإنتاج الوقود الصلب للصواريخ، وذلك عبر الإعتماد على الخاصية المؤكسدة (المنتجة للأوكسيجين)، ممزوجة بمُركب الهيدرازين N2H4 ما يؤدي إلى الحصول على مادة الأستروليت Astrolite، وهي من المُركبات الواعدة، ولكن اصطدمت الكيمياء مجدداً بمشكلة التخزين التي سنتكلم عنها لاحقاً.

ومع سهولة الوصول إليها، تحوّلت نيترات الأمونيوم إلى مادة أولية لصناعة المتفجرات عند التنظيمات المسلحة، ففي منزل كل مزارع في الريف الإيرلندي أو الإنكليزي مثلاً، ستجد كمية من نيترات الأمونيوم، وإن كانت لديك خلفية علمية متواضعة أو تجيد تطبيق وصفات الطهي الكيميائي، تصبح قادراً على إنتاج المتفجرات. بعد تصنيعها، ضعها في سيارة، وقُمْ بركنها في المكان المستهدف. لقد وقع المحظور واستعملت هذه المادة في صناعة العبوات الناسفة البدائية، كما حصل في بريطانيا في زمن المواجهات بين الحكومة البريطانية والجيش الجمهوري الإيرلندي ولاحقاً في تفجير أوكلاهوما في الولايات المتحدة عام 1995.

التكلفة والتخزين

جرت العادة أن الجهات العسكرية في العالم تفتش عن عاملين أساسيين عند بحثها عن المواد المتفجرة: التكلفة والتخزين.

لطالما كانت نيترات الأمونيوم مادة قليلة التكلفة وسهلة التصنيع كثيراً، فيمكن لطالب سنة ثالثة (كيمياء) أن يقوم بتصنيعها من دون أي عناء يُذكر، ولكن كل المشاكل تقع في المرحلة التالية، أي التخزين.

هذه المادة لا تبقى على حالها بعد تصنيعها لأكثر من ستة أشهر، فهي تتفاعل مع كل ما يدور من حولها من ضوء وهواء ورطوبة، وكل ما يشبه تركيبة المياه يعلق عليها مثل الكحول وبعض أنواع الوقود والمُركبات الكيميائية القابلة للإشتعال، وعليه، بدأت التشريعات الدولية بالصدور بعد حادثة بريست في فرنسا في العام 1947 مع إنفجار 3000 طن من نيترات الأمونيوم كانوا على متن سفينة شحن نروجية، وكذلك مع انفجار تكساس في السنة نفسها التي كانت أكثر كارثية حيث انفجرت كمية قدرت بنحو 2300 طن من المادة نفسها كانت على متن سفينة فرنسية، ما أدى إلى وقوع سلسلة انفجارات بسبب وجود مصانع نفطية قريبة من المرفأ.

بعد معاينة الصور التي إلتقطت للأطنان الـ 2750 قبل إنفجارها، نلاحظ وجود لون أسود على معظم الأكياس البيضاء الموضبة بداخلها، ما يشير إلى تكون فطريات أو عفونة عليها أو فيها

إن أول تشريع، في ضوء هذه الحوادث، حدّد كيفية حفظ هذه المادة (نيترات الأمونيوم) في مكان بعيد عن الرطوبة والضوء وعن المواد القابلة للإشتعال.

وطالما أن هذه المادة لا يمكن تخزينها لأكثر من ستة أشهر، وبالتالي ستتلف خشية أن تتحول من عامل مساعد إلى عامل خطر، فإن العديد من التنظيمات العسكرية في العالم تخشى انكشاف أماكن التخزين أو إنفجار مخازن الأسلحة التي لا تحتوي عادة على نوع واحد من المواد، فكان التوجه عالمياً أنّ مادة نيترات الأمونيوم مطلوبة، وأساسية في الكثير من الصناعات، ولكن يجب إستهلاكها بسرعة، حتى المواد المتفجرة التي تدخل نيترات الأمونيوم فيها كمكون، لا يمكن الإحتفاظ بها لمدة طويلة لأنها ستستمر بالتفاعل دائماً.

العنبر رقم 12

وهنا يمكننا إعادة طرح سؤال سمعناه في الإعلام اللبناني في الأيام التي تلت كارثة مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس: لماذا لم يستلم صاحب الشحنة بضاعته؟

ربما يمكننا طرح الفرضية الآتية: لأنها أصبحت تالفة وصارت تشكل خطراً أكبر بكثير من فائدتها، فإذا كان المستورد الأساسي يريد استعمالها كمتفجرات في المناجم فهو يحتاجها بشكلها “الناعم”، أي بعد صناعتها مباشرة، ولكن مع تعرضها لعوامل الرطوبة المكثفة في المرفأ ولمدة زمنية طويلة، تصبح هذه الأكياس عبارة عن بلوكات جامدة تحتاج إلى تكسير إذا كان مطلوباً استخلاص كمية ما منها، بالإضافة إلى أنه بعد معاينة الصور التي إلتقطت للأطنان الـ 2750 قبل إنفجارها، نلاحظ وجود لون أسود على معظم الأكياس البيضاء الموضبة بداخلها، ما يشير إلى تكون فطريات أو عفونة عليها أو فيها.

الحماية بالتشريعات

كيميائياً، تُعتبر نيترات الأمونيوم من المواد غير المستقرة، وهناك توجه عالمي نحو استهلاكها بأسرع وقت ممكن والتخلص من خطرها على غيرها من المواد وعلى المحيط بشكل أساسي، كما أنّ التخزين لا يتمّ أبداً وبأي شكل من الأشكال بين المدنيين أو في أماكن تحتوي أنشطة مدنية لعدم القدرة على التنبؤ بالتفاعلات التي يمكن أن تحدث، ومن هنا أتت التشريعات والقوانين التي تحكم التعامل مع هكذا مواد كيميائية، ففي لبنان، تمنع المادة 150 من قانون المرافئ والموانئ الصادر في 26 كانون الثاني/يناير 1966  وضع أي مواد قابلة للاشتعال مع المواد التي تحتوي نيترات، وقضى القانون رقم 347 الصادر بتاريخ  16 حزيران/يونيو 1994 بتعديل المرسوم الاشتراعي 137/59 (قانون الأسلحة والذخائر) بوضع مادة نيترات الأمونيوم في خانة المتفجرات لا الأسمدة، ولم يغب عن المشرّع يومها في متن القانون أنها من المتفجرات الرخيصة التي تستخدم في تكسير الصخور وشق الطرق.

هذا الخيط الممتد من بافاريا إلى بيروت كان يمكن ألا يُنتج لنا مأساة كبرى، فقط لو إلتزمنا بمندرجات القانون، وهذه أم مشاكل لبنان حالياً، على أمل ألا تشهد أية مدينة أخرى في العالم مأساة جديدة، وأن يكون ما بعد الرابع من آب/أغسطس 2020، ليس كما قبله، على مستوى لبنان والبشرية جمعاء.

فؤاد إبراهيم بزي

مدرب في مختبرات الكيمياء في الجامعة اللبنانية في بيروت

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free online course