فرنسا تستنقذ مبادرتها.. و”الثنائي” يحذر من “المجهول”!

كما كان متوقعاً، تهيّب الفرنسيون الموقف. لا يريدون لمبادرتهم اللبنانية أن تفشل بهذه السرعة القياسية، وفي الوقت نفسه، هم ليسوا طليقي الأيدي. العنوان الموضعي هو حقيبة المالية، لكن العنوان السياسي أكبر بكثير ويتعدى الحكومة.. ولبنان. فتّشوا عن ملف ترسيم الحدود البحرية وعن الضمانة التي يمكن أن يقدمها الفرنسي للأميركيين.

كان مقرراً أن يتوجه رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب إلى القصر الجمهوري عند الحادية عشرة من قبل ظهر اليوم من أجل تقديم إعتذاره رسمياً. ما جرى على مدى أربع وعشرين ساعة، من موعد الإعتذار، إستدعى إتصال أديب برئيس الجمهورية ميشال عون، وأن يتمنى تأجيل موعده 24 ساعة. كانت دوائر القصر الجمهوري قد تبلغت من الفرنسيين أن المهلة المعطاة لتأليف الحكومة قد مُدّدَت يوماً واحداً.

لم تهدأ المشاورات في كل الإتجاهات، لا سيما بين “الثنائي” (حزب الله وأمل) والفرنسيين. رسائل وإتصالات، تخللتهما أكثر من زيارة لمسؤول ملف العلاقات الدولية في حزب الله عمار الموسوي إلى قصر الصنوبر. قال الفرنسيون للرئيس نبيه بري وقيادة حزب الله بشكل واضح الآتي: أطلق ماكرون مبادرة إنقاذية للوضع الإقتصادي. نحن لا نستهدف الشيعة في لبنان ولا نريد تأليف حكومة تكون موجهة ضدهم أو لا يتمثل فيها الشيعة. لقد وضعت معايير للتأليف. “حكومة مهمة” من 14 وزيراً من أصحاب الإختصاص، ليس بينهم من يمثلون الأحزاب. تم إختيار رئيس الحكومة على هذا الأساس. عندما تنتهي مهمة الحكومة (بين 6 و8 اشهر)، يختار اللبنانيون الصيغة الحكومية التي تناسبهم لاحقاً. طرحنا المداورة من زاوية إصلاحية وحتى لا يكون بقاء وزارة المالية بيد الشيعة، مُبررا لمطالبة قوى أخرى بحقائب معينة، كما كان يحصل في الماضي. فرنسا حريصة على إستقرار لبنان وتريد لمبادرتها أن تنجح بالتوافق والإقناع. على اللبنانيين أن يتلقفوا هذه الفرصة، وأن يلتزموا بالمواعيد التي حددها الرئيس إيمانويل ماكرون. حكومة إختصاصيين أولاً. مؤتمر إقتصادي دولي في 15 تشرين الأول/أكتوبر. مؤتمر وطني (الطائف 2) في باريس مطلع العام 2021.

ما لم يقله بري وحزب الله، جاهر به الفرنسيون: أنتم قرأتم ما كتبه وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيو في صحيفة “لوفيغارو”. يعيب على رئيس فرنسا إنه إلتقى قيادياً كبيراً في حزب الله (محمد رعد). يعتبرون أن أية مقاربة لحزب الله خارج موضوع السلاح من شأنها تعويم الحزب. رد الفرنسيون عبر القنوات الديبلوماسية على ملاحظات بومبيو. قال إيمانويل بون للسفير ديفيد هيل نحن نريد خلاص لبنان وليس تعويم حزب الله. لفرنسا مصالحها وعلى الولايات المتحدة تفهمها. هكذا أبلغناكم قبل أن يتوجه الرئيس ماكرون إلى بيروت، وكان ردكم وفقكم الله.

ماذا تبدل بين لحظة إنطلاقة المبادرة وبين ما يمكن تسميتها “الإنعطافة الأميركية”؟

الكل يركز على هذه النقطة، كما على العقوبات الأميركية التي إستهدفت الوزيرين السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس. تصرفت باريس في البداية على أساس أن العقوبات تشكل قوة دفع لمبادرتها. أدى تصلب بري وحزب الله إلى التوضيح الفرنسي: نحن لا نستقوي بالعقوبات ونعتبرها موجهة ضد المبادرة الفرنسية. هذا الموقف الفرنسي إن دلّ على شيء إنما على إرتباك فرنسي واضح. قررت باريس الإستعانة بطهران مجدداً. عندما تواصل ماكرون في الثاني عشر من آب/أغسطس مع نظيره الإيراني حسن روحاني، عبر تطبيق “زوم”، أبلغ الأخير بالفم الملآن: ساعدونا في لبنان، نساعدكم في الملف النووي وعدم تجديد الحظر الدولي على السلاح. ما قاله روحاني لماكرون قبل شهر، كررته الدوائر الدبلوماسية الإيرانية للفرنسيين: نحن نثق بالقيادة الحكيمة في لبنان، وما يقبل به الرئيس بري والسيد حسن نصرالله نقبل به. قطع الإيرانيون الطريق أمام أية محاولة للضغط على “الثنائي”.

وقع الفرنسيون في إحراج ما بعده إحراج. قرر حليفهم سعد الحريري أن يرفع سقف خطابه السياسي: “وزارة المال وسائر الحقائب ‏الوزارية ليست حقا حصرياً لأي طائفة، ورفض المداورة احباط وانتهاك موصوف بحق الفرصة ‏الاخيرة لانقاذ لبنان واللبنانيين”. بدا واضحاً أن الحريري، ومعه رؤساء الحكومات السابقين، تمترسوا وراء إتفاق الطائف: هناك نص دستوري واضح لا يقبل الإلتباس. لرئيس الحكومة المكلف أن يجري إستشارات غير ملزمة مع الكتل النيابية ولرئيس الجمهورية أن يوقع أو أن يرفض. وإذا وقع التشكيلة، لمجلس النواب أن يمنح الثقة أو أن يحجبها. لا نص دستورياً يتيح تخصيص وزارة لطائفة بعينها، وهذا الأمر يحتاج تعديلًا دستورياً.

هذا الموقف تبلغه الفرنسيون كما رئيس الجمهورية ميشال عون الذي إستعان بالمادة 95 من الدستور التي قالت بوجوب تمثيل الطوائف “بصورة عادلة في تشكيل الوزراة”، لكنها لم تنص على تثبيت حقيبة لمصلحة هذه الطائفة أو تلك.

لم يكن موقف الحريري ورؤساء الحكومات مُستفزاً لميشال عون، خصوصاً في موضوع المداورة، غير أنه أبلغ قيادة حزب الله رداً على الرسالة التي نقلها النائب محمد رعد بأنه سيتصرف على قاعدة النص الدستوري وروحية الوفاق الوطني، فإذا إستشعرت أن هناك ما يهدد السلم الأهلي، لن أضع توقيعي عليه.

“أنتم تأخذون البلد إلى المجهول”. هذه العبارة سمعها عدد من رؤساء الحكومات السابقين من المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله حسين الخليل. ورددها في سياق متطابق المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب علي حسن خليل، خلال تواصله مع أكثر من فريق داخلي. هذه الجملة ـ المفتاح هي التي أعادت فتح النافذة الفرنسية. ردد محمد رعد وعلي حسن خليل الكلام نفسه أمام رئيس الجمهورية: وزارة المالية ليست حقيبة سيادية. إنها حقيبة ميثاقية. من خلالها تشارك طائفة وازنة في القرار الإجرائي. أي إبعاد لهذه الطائفة عن هذه الحقيبة هو إستهداف لهذه الطائفة.

لم يكتف علي حسن خليل بذلك، بل قال إن هناك من يريد الإستقواء بالمبادرة الفرنسية داخلياً. فإذا قررتم السير بالمداورة في الحكومة، نحن نطالب بالمداورة في الرئاسات. المداورة في وظائف الفئة الأولى كلها من قيادة الجيش والمصرف المركزي ومجلس القضاء الأعلى إلى آخر وظيفة إدارية في الدولة.

رد ميشال عون أكثر من مرة بأن هذا الكلام يضع وزير المالية في مصاف الرؤساء وليس الوزراء. أنا رئيس للجمهورية أترأس مجلس الوزراء ولكن لا يحق لي التصويت. وزير المال يمتلك الصوت والتصويت. بكل الأحوال، إذا لم يكن هناك توافق، أنا لن أقبل بإقصاء الشيعة ولا عزلهم. ليس ميشال عون من يرضخ لإرادة أحد في الخارج، سواء أكان في القصر الجمهوري أم خارجه.

فعلت كلمات عون فعلها عند “الثنائي” وتحديداً عند الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. بالنسبة إلى حزب الله، ثمة إلتباسات حصلت منذ زيارة ماكرون الأولى حتى يومنا هذا. بدأ حديث الرئيس الفرنسي مع حزب الله من حكومة الوحدة الوطنية، وإنتهى إلى المشهدية الآتية: بري ونصرالله يستجديان حقيبة. هل هزم المشروع الإقليمي الذي ينتمي إليه حزب الله حتى يجري عزلهما؟ وافقنا على حكومة الإختصاصيين برغم تحفظنا عليها. أعطينا أصواتنا النيابية لمصطفى أديب، وهذه أول مرة يجيّر فيها حزب الله أصوات نوابه لمرشح إختاره الحريري ورؤساء الحكومات السابقين. نحن قطعنا على أنفسنا عهداً بأن لا نقبل بأقل من الثلث الضامن في كل حكومات ما بعد مؤتمر الدوحة. تخلينا هذه المرة عن الثلث الضامن. قال الفرنسيون هذا هو البيان الوزاري للحكومة. هل هناك من قرر حرق المراحل، فلم ينتظر المرحلة الثانية من المبادرة الفرنسية (المؤتمر الوطني مطلع 2021)، فقرر أن يحاصر حزب الله منذ الآن؟

الأسئلة كثيرة عند حزب الله.. والأجوبة غير متوفرة لا عند الفرنسيين ولا عند الحريري. ثمة عتب وزعل وقهر في عين التينة: لماذا قرر سعد الحريري أن يلبس هذا الثوب؟ لماذا قرر أن ينقلب على مواقفه السابقة؟ هل إكتشف أن تعويمه أمام جمهوره وأمام السعودية والأميركيين ممره الإلزامي أن يستقوي بالمبادرة الفرنسية ضد شريك داخلي، هل هكذا يكون رد الجميل لنبيه بري الذي لم يقصر مع الحريري منذ شباط/فبراير 2005 حتى يومنا هذا؟ وإذا قرر إستعداء “الثنائي” من هو شريكه الشيعي وهل هكذا يحمي الوحدة الوطنية ويمنع الفتنة السنية الشيعية؟

أسئلة بري التي لا تنتهي مجبولة بعلامة تعجب كبيرة: ليس هذا هو سعد الحريري الذي عرفناه في المرحلة الأخيرة.

عنصر الوقت يضغط على الجميع. الفرنسي له مصالحه ولا يريد أن يفشل. تعهد بفكفكة اللغم الأميركي إذا كان موجوداً. الإيراني قرر أن يسهل ولكن بسقف عدم تجاوز حلفائه في لبنان. ثمة إرتياح خليجي واضح لمواقف الحريري، فإذا كان هذا هو هدف رئيس تيار المستقبل، يكون قد نجح في توصيل رسالته. هنا تحديداً، قرر الفرنسيون التواصل مع سعد الحريري لمحاولة إقناعه بالتجاوب مع مطلب إسناد وزارة المالية للطائفة الشيعية، وأن يُترك أيضاً للرئيس بري أمر تسمية الوزير مع إعطاء حق “الفيتو” لمصطفى أديب (ضمناً لرؤساء الحكومات السابقين). بالنسبة للإسمين الشيعيين الآخرين، يمكن إيجاد أكثر من صيغة للتسمية تكون مقبولة من الجميع.

هل يعني ذلك أن الفرنسيين ما زالوا يأملون بأن تنجح فرصتهم؟

لم يفقد الفرنسيون الأمل.. هم إستنفروا العديد من العواصم هذه الليلة، فإذا لم يطرأ عنصر مفاجىء، من المتوقع أن يطلب مصطفى أديب تأجيل زيارته إلى بعبدا في الساعات المقبلة، لكن هل إزالة لغم وزارة المالية يعني إقلاع الطائرة الحكومية؟

على الأرجح، ليس ذلك كافياً. من سمع ما قاله رئيس الجمهورية، أمس، أمام زواره: أنا شريك كامل في التأليف ولست شرابة خرج. قرر رئيس الحكومة أن يسمي ولكن لرئيس الجمهورية كلمته في التشكيلة أيضاً. هذا ما يقوله الدستور.

لا يجب أن يقفز أحد فوق المعطى الإقتصادي والمالي والإجتماعي. حاكم مصرف لبنان المركزي أبلغ الجميع أنه سيبدأ بالتحرر تدريجياً من الدعم لعدد من السلع التي يدعمها بالعملة الصعبة من إحتياطي المصارف الإلزامي. الموعد الأقصى لرفع الدعم عن كل المواد والسلع والمحروقات هو عند نهاية كانون الأول/ديسمبر 2020.

كيف سيكون المشهد في اليوم الأول من السنة المقبلة. لا أحد يعلم.. وللبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course