قاعدة إماراتية – إسرائيلية في سقطرى اليمنية.. والقرار أميركي
A pro-government forces soldier walks along the beach in the southern coastal city of Aden as Yemeni coast guards search for the remains of a United Arab Emirates helicopter from the Saudi-led coalition backing government forces in Yemen after it crashed on June 13, 2016, killing both crew. The Gulf federation's military command, in a brief statement published by the official WAM news agency, did not specify the type of helicopter, nor the circumstances and location of the crash. But witnesses told AFP the aircraft came down in Aden, Yemen's second city from which Shiite Huthi rebels were driven out by government forces last July. / AFP PHOTO / SALEH AL-OBEIDI

تبدو أسباب إنشاء قاعدة عسكرية إماراتية ـ إسرائيلية في جزيرة سقطرى اليمنية موجهة ضد إيران، لكن، لو تفحصنا المشهد سنجد أن إنشاء القاعدة في جزيرة إستراتيجية في المحيط الهندي هو خطوة في خطة أميركية أكبر لمُحاصرة التمدد الصيني.

ترددت مؤخرًا أنباء نقلاً عن عدد من المصادر، من بينها مصادر يمنية، تفيد بأن نظام تل أبيب يخطط لبناء عدد من قواعد التجسس في جزيرة سقطرى اليمنية.

وبحسب تقرير وكالة JForum اليهودية الناطقة بالفرنسية، فإنّ وفداً من ضباط المخابرات الإسرائيلية والإماراتية وصل إلى جزيرة سقطرى مؤخرًا وفحص مواقع مختلفة لإنشاء القواعد الاستخبارية المخطط لها.

وأضاف التقرير أن الهدف من هذه القاعدة، هو المراقبة الإلكترونية للقوات التابعة للتحالف العسكري بقيادة السعودية التي تشن حربًا على اليمن ومراقبة الجماعات المتشددة في اليمن مثل “داعش” و”القاعدة”، وأن المراقبة ستشمل التحركات البحرية الإيرانية في المنطقة، إلى جانب تحليل الحركة البحرية والجوية في جنوب البحر الأحمر.[i]

وتكمن القيمة السياسية والإستراتيجية لجزيرة سقطرى (3650 كلم2) في كونها تقع في الممر البحري الدولي الذي يربط دول المحيط الهندي بالعالم.

أهمية المحيط الهندي

المحيط الهندي هو الأصغر من حيث المساحة بين محيطات العالم، لكن أهميته الاستراتيجية والاقتصادية هي الأكبر. وتغطي مياهه 70 مليون كيلومتر مربع؛ أي نحو 20% من المياه على سطح الأرض. وتضم منطقة المحيط الهندي الواسعة ثلث سكان العالم، وربع مساحة اليابسة على سطح الأرض، وثلاثة أرباع الاحتياطي العالمي من النفط والحديد والقصدير. وتمتلك 10 دول فقط من منطقة المحيط الهندي الساحلية نحو 65% من احتياطي النفط في العالم.[ii]

تكمن أهمية موقع المحيط الهندي الجغرافية في كونه معبراً للتبادل التجاري ما بين أفريقيا وآسيا، وهذا ما جعله مسرحاً للنزاعات، ولم تنجح أي دولة في السيطرة عليه كاملاً طوال فترة تاريخه الطويل وحتى القرن التاسع عشر، عندما احتلت بريطانيا معظم البلدان المطلة عليه خصوصاً الهند، وأستراليا وسواحل شبه الجزيرة العربية والشواطئ الأفريقية.

ويضم المحيط الهندي عدداً مهماً من الجزر الصغيرة والكبيرة والتي تلعب دوراً مهماً في جيوستراتيجيته أهمها: مدغشقر، جزر القمر، سيشل، المالديف، موريسيوس، سريلانكا ودييغو غارسيا، وسقطرى اليمنية، كما أن جزر أندونيسيا تلعب دوراً مهماً في رسم حدوده الشرقية مع المحيط الهادئ وبحر الصين، كذلك مع الشواطئ الاسترالية.

كما أن هذا المحيط يضم ثلاثاً من أهم المعابر المائية الإستراتيجية، أو ما يسمى نقاط الإختناق في التجارة الدولية، وهي مضيق باب المندب نحو البحر الأحمر وقناة السويس، مضيق هرمز نحو الخليج العربي ومضيق مالاقا ما بين أندونيسيا وماليزيا وباتجاه بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ. وتمر عبر هذه المضائق أهم ناقلات النفط في العالم محملة بالموارد الهيدروكربونية من الخليج إلى مراكز الاستهلاك الرئيسية في جميع أنحاء آسيا، كما يمر عبرها جزء كبير من التجارة العالمية. وثمة تقديرات تشي بمرور أكثر من 70 ألف سفينة[iii] في كل سنة، تشكل مساراتها خطوط المواصلات البحرية(SLOC)  الأكثر أهمية في العالم.

ومنذ أن مال ميزان القوى الاقتصادية العالمية لمصلحة آسيا الصاعدة في العقدين الأخيرين، لم يكن من المستغرب أن تسعى البلدان الآسيوية الكبرى إلى تطوير قدراتها العسكرية البحرية لضمان حماية مصالحها، وخصوصًا المصالح الصينية التي توسعت تدريجياً من المناطق ذات الأهمية المباشرة بالنسبة لها، أي غرب المحيط الهادىء في حالة الصين، لتشمل المناطق الإقليمية الأبعد.

الصين – أميركا

يشهد المُحيط الهندي حالياً حلقة مِن الصراع بين الصين – أميركا، ذلك فإن بكين تحاول الهيمنة على المجال البحري في المحيط الهندي وخصوصًا ما يعد منطقة نفوذ لواشطن بشكل مباشر، وذلك بداية مِن الساحل الشرقي لإفريقيا، وصولًا إلى مناطق التوقف الاستراتيجية المؤدية من المحيط الهندي وإليه، ولا سيما مضيقي ملقا وسنغافورة وغيرهما.

وبالنظر إلى تلك المناطق، فإن الحشد العسكري البحري الأميركي الآن صار يعمل وفق إستراتيجية جديدة تحاول تأمين المصالح داخل منطقة المحيط الهندي المباشرة، وعينها على مناكفة الصين كأحد أولويات التحركات الأميركية.

في السنوات الأخيرة، حصلت الصين على العديد من امتيازات استغلال الموانئ البحرية في المُحيط الهندي مثل موانئ: جوادر – باكستان، كياوكبيو – ميانمار، هامبانتوتا – سيريلانكا، أوبوك – جيبوتي. صحيح أن الاتفاقات المنظمة لهذه الامتيازات هي فقط للاستخدام الاقتصادي، لكن، لا يُستبعد لجوء الصين إلى استخدام هذه الموانئ في أغراض عسكرية في حالة الضرورة، أو في حالة تعرُّض مصالحها لتهديدات محددة. بمعنى آخر، فإن الموانئ والخطوط البحرية تمثل ميزة إقتصادية تُعطي منافذ للصين على المُحيط الهندي، كما أنها تمثل بُعدًا جديدًا للقوة البحرية العسكرية الصينية.

منذ خمس سنوات، أطلقت الصين مبادرة “طريق الحرير الجديد[iv]” التي عكست طموحاً هائلاً للقيادة الصينية، التي سعت لتنفيذ مشاريع في 60 دولة في مختلف أرجاء العالم، للفوز بموطئ قدم سياسي واقتصادي في مواقع استراتيجية في العالم.

ومن الممكن أن تصل تكلفة المبادرة إلى 8 تريليونات دولار على امتداد الأعوام الـ40 القادمة؛ إلا أنها ستعود بفوائد كبرى على الاقتصاد الصيني وستترك أثراً عالمياً واسع النطاق.

شكلت التحركات الصينية لتوسيع رقعة نفوذها داخل المحيط الهندي، تحدياً مباشراً للمصالح الاستراتيجية الأمريكية. والمعروف أن دول جنوب آسيا تتميز بأهمية محورية لمبادرة “طريق الحرير الجديد” الصينية؛ نظراً لأنها توفر سبيلاً للوصول إلى منطقة المحيط الهندي. وفي هذا الإطار، اتبعت بكين دبلوماسية قوية على مدار السنوات الخمس الماضية للتعاون مع جيرانها في جنوب آسيا، ومحاولة دفع “أصدقائها” إلى مواقع السلطة داخل هذه البلاد. وأثارت المبادرة مخاوف أميركية كبيرة، ذلك أن استثمارات بكين في بناء طرق وسكك حديدية وموانئ في نيبال، وبناء جسور ومطارات في باكستان وسريلانكا والمالديف، من الممكن استخدامها لأغراض عسكرية واستراتيجية.

كما أن أميركا قلقة جراء التنمية الصينية لميناء جوادر الباكستاني، ومن التقارب الباكستاني الصيني عبر إقامة الممر الإقتصادي جوادرـ شينجيانغ، فكان الرد الأميركي بالتقارب مع الهند، والسماح للأخيرة بأن تلجأ لإيران – برغم سياسة العقوبات القصوى على ايران – لتوقيع اتفاقية تشمل تأجير طهران جزءاً من ميناء “تشابهار” على الساحل الشرقي للعاصمة الهندية نيودلهي لمدة 18 شهرًا. وهذا المشروع الذي تبلغ الاستثمارات فيه 85 مليون دولار، ويبعد مسافة 90 كيلومترًا فقط عن ميناء “جوادار” الباكستاني، يُشكل مسارًا للنقل وخصوصًا الطاقة بين الهند وإيران وأفغانستان دون المرور بباكستان، وفي ذلك خطوة مُبطنة لمواجهة المشاريع الضخمة للصين في المنطقة.

كما شهد العام 2017، تغيراً في سياسة الصين الراسخة ضد تمركز قواتها فى الخارج، عندما افتتح جيش التحرير الشعبى الصينى أولى قواعده العسكرية في جيبوتي، عند مدخل البحر الأحمر، حيث تقع قاعدة الصين العسكرية على واحد من أهم الممرات الاستراتيجية الرئيسية وأكثر ممرات الشحن البحرى ازدحامًا، بل أيضا تبعد ستة أميال فقط عن قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية وهي “معسكر ليمونيه”. وجاءت هذه الخطوة العسكرية في ضوء الإستراتيجية الصينية الجديدة لمكافحة القرصنة والتجارة غير الشرعية المنظمة عبر المحيط الهندي.

لكن أغلب الظن، أن القاعدة البحرية الصينية في جيبوتي[v] تأتي مِن أجل عامل “الاستدامة” الذي يُعد من العوامل الرئيسية المحددة لإبراز القوة البحرية، والتي ترتبط بمفهوم الامتداد الجغرافي، وتعني قدرة القوات البحرية على العمل في الظروف المختلفة، بما في ذلك وجود العدو. وتتطلب الاستدامة كثافة كافية، وجودة صالحة للإبحار، وتحمل العمل في مسافات بعيدة عن قاعدتها الأصلية، وفي البيئات التشغيلية المحددة.  تلك الاستدامة تتأثر بقدرات الدعم اللوجيستي، في إشارة إلى الوحدات التي يتم نشرها على مسافات بعيدة عن قواعدها الأصلية وتشتمل على غواصات تعمل بالطاقة النووية، حاملات طائرات، مقاتلات سطحية كالطرادات والفرقاطات، سفن هبوط برمائية، وسفن إمداد.

لذا في استراتيجيتها البحرية الجديدة المعنونة بـ”الاستراتيجية التعاونية لقوة البحر في القرن الواحد والعشرين”، ركزت الولايات المتحدة على دور قواتها البحرية في دعم سيطرتها العالمية، حيث إن الغرض من هذه الاستراتيجية هو تأمين القدرة على التدخل ما وراء البحار، عبر نشر المزيد من قطعاتها البحرية حول العالم، وتعزيز تحالفات أميركا القائمة وبناء تحالفات جديدة والمشاركة في المناورات العالمية، وصنع الوكلاء عبر العالم خصوصًا في المنطقة الهندو آسيوية. ولتحقيق أهداف استراتيجيتها، تعمل واشنطن على تقوية التعاون مع حلفائها التاريخيين كأستراليا، اليابان، نيوزلندا، كوريا الجنوبية وتايلاند، كما تسعى لإقامة شراكات جديدة مع دول أخرى في المنطقة مثل بنغلادش، بروناي، الهند، إندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة، وفييتنام، والسيطرة على كل الممرات البحرية المهمة أو مراقبتها على أقل تقدير.

في استراتيجيتها البحرية الجديدة المعنونة بـ”الاستراتيجية التعاونية لقوة البحر في القرن الواحد والعشرين”، ركزت الولايات المتحدة على دور قواتها البحرية في دعم سيطرتها العالمية، حيث إن الغرض من هذه الاستراتيجية هو تأمين القدرة على التدخل ما وراء البحار

 

وكان لافتاً للإنتباه مسارعة سريلانكا مؤخراً إلى التأكيد للهند أن العمليات داخل الموانئ، بما في ذلك الإدارة الأمنية، ستضطلع بها شركة سريلانكية ولن تستخدم للإغراض العسكرية، وذلك رداً على إثارة وزير الدفاع الهندي مسألة العمليات العسكرية في ميناء هامبانتوتا الذي استأجرته الصين. كما رفضت سريلانكا طلبات متكررة لاحقاً من الجيش الصيني لدخول ميناء كولومبو. وقد تركت رسالة نيودلهي أصداءً بمختلف أرجاء المنطقة، دفعت حكومات أخرى لتقديم تأكيدات غير معلنة للهند، بأن الاستثمارات الصينية لن تكتسب طابعاً عسكرياً.

من يتفوق على من؟

 

مع التوسع البحري الأميركي والصيني، راجت سيناريوهات تتوقع صداما عسكريا بين الصين وأميركا، فالولايات المتحدة ستحكم الطوق حول القوات البحرية الصينية في بحر الصين الجنوبي، وبالتالي تمنع تحركاتها في المجال العملياتي الأوسع، كالمحيط الهندي الذي يشكّل منطقة أخرى للمواجهة الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، فضلًا عن فرض سيطرتها على منطقة مصالح الصين. وبدعم أميركي، سيزداد التوتر في المحيط الهندي حيث الخلاف على ملكية عدد من الجزر والمناطق البحرية بين كل من ماليزيا وتايوان وفيتنام وبروناي والفيلبين والصين، فالأخيرة سيطرت على العديد من المناطق المتنازع عليها وشرعت بفرض الأمر الواقع عبر توسعة الجزر وإقامة جزر صناعية وتطوير منشآت اقتصادية وعسكرية.

تُعتبر آسيا الآن المنطقة الاقتصادية الأكثر ديناميكية في العالم. وستكون ست دول أسيوية من الاقتصادات العشرة الأسرع نموًا في العالم في العقد المقبل (بما في ذلك الصين والهند). ولقد حرصت الولايات المتحدة حتى الآن على عدم التعبير عن قدراتها بشكل صريح للغاية، ولكن كلا البلدين، أي الصين وأميركا، لا يريدان صداما شاملا.

لكن في حالة الصدام، يمكن لواشنطن أن تضمن تفوقها على الصين إذا تمكنت من منع وصول 70% من النفط للصين، وتعطيل ثلثي الواردات الصينية، بالإضافة إلى 40% من مشتقات الطاقة القادمة مِن الشرق والأوسط وشمال أفريقيا عبر الهند[vi]. إلى جانب الضغط الدولي لإنهاء أي نزاع محتمل مع الصين قبل أن يتوسع أو يخرج عن نطاق السيطرة. في حين سيكون من مصلحة الصين إستخدام البعدين العسكري والاقتصادي حيث يمكنها استخدام قوة تخريبية أكثر تدميرًا، خصوصًا أن الفترة الزمنية لمثل هذا الصراع، إن وجدت، ستكون قصيرة للغاية. وسيكون النصر مسألة إدراك. لن يكون هناك زمان ومكان لتحقيق انتصارات استراتيجية. سيكون مجموع الانتصارات التكتيكية هو التصور النهائي للنصر.

إيران والعرب

في ايار/مايو 2019، أعلنت الإمارات أن ناقلتي نفط سعوديّتين وناقلة نفط نرويجيّة وسفينة شحن إماراتية تعرضت لأضرار في “عمليات تخريبية” قبالة سواحل إمارة الفجيرة. ولم تكن هذه الحادثة الأولى، بينما أعلنت شركة “بي أس أم” لإدارة السفن في سنغافورة، أن واحدة من ناقلاتها وتحمل اسم “كوكوكا كوريغوس” كانت هدفا لـ”حادثة تخريبية”، وأن واحدة من السفن تدعى “فرونت آلتير”، ترفع علم جزر مارشال، اشتعلت فيها النيران بالقرب من خليج عُمان أيضًا.

تمت أغلب العمليات التخريبية في مياه الخليج جراء ألغام بحرية أو أسلحة يُحتمل إنها إيرانية منها زورق “السمكة المتفجرة”، أو منظومات صواريخ صينية قديمة. وقد ظهر النوع الأول من “السمكة المتفجرة” في أيلول/سبتمبر 2018، ثم عمد الحوثيون في اليمن إلى تطويره للهجوم على السفن التابعة للتحالف بقيادة السعودية من المناطق المحاذية للسواحل اليمنية جنوب البحر الأحمر. وقد أدت هذه الهجمات التخريبية ضد السفن التجارية في المياه الدولية للمحيط الهندي ومضايق هرمز وباب المندب وخليج عمان إلى تعطيل وإرباك حركة الملاحة الدولية.

في العام 2015، رأت الولايات المتحدة أن الإتفاق النووي مع إيران وسيلة لتسريع رحيل القوات الأميركية من المنطقة، بغض النظر عن حالة التوتر المحيطة. ومن أجل تهدئة الحلفاء القلقين، قامت واشنطن بالتوقيع على عقود بيع أسلحة تزيد قيمتها عن 30 مليار دولار إلى دول الخليج العربي، وهي تشكل زيادة كبيرة بالفعل لعمليات بيع الأسلحة إلى تلك الدول. وردت إيران بزيادة استثماراتها في أنظمة الصواريخ والأذرع بالوكالة وقدرات الأسلحة المتطورة. لم يؤجج الاتفاق النووي في حد ذاته عدم الاستقرار الإقليمي، كما ادعى منتقدوه، ولكن الطريقة التي أشعلت بها الولايات المتحدة سباق التسلح الإقليمي، فعلت ذلك.

كما أن الصراعات والإضطرابات في كل من ليبيا، سوريا، اليمن، العراق ولبنان، تضع واشنطن في مأزق. فبقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لحماية الوضع الراهن الذي بات لا يحظى بشعبية على نحو متزايد، صارت تبعاته مكلفة حيث النزاعات لا يمكن حلها بل يمكن أن تتحول إلى حروب أكبر، أو يمكنها المغادرة وترك الطبقات تتساقط فوق بعضها البعض، مما يؤدي إلى مزيد من الصراعات بينما تتدافع الدول لملء الفراغ، ولن تتشاجر الدول العربية مع إيران فحسب، بل ستتدخل أيضًا إسرائيل وتركيا، ثم الصين وروسيا. وستجد الصين مساحة أكبر للمناورة في الخليج العربي لأنها ستستثمر النزاعات في المنطقة إقتصاديًا وعسكريًا، وستكون النتيجة هي ما سعت سياسة “الاحتواء” الأمريكية إلى منعه في العقود الماضية.

بقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لحماية الوضع الراهن الذي بات لا يحظى بشعبية على نحو متزايد، صارت تبعاته مكلفة حيث النزاعات لا يمكن حلها بل يمكن أن تتحول إلى حروب أكبر

وإلى حين إيجاد الولايات المتحدة بديلا أو طريقا للعودة للاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، والذي يوفر الضوابط التي تريدها واشنطن بشأن برنامج إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات التي تعتبر طهران أنها اكتسبتها من خلال امتثالها، تدفع واشنطن نحو تشديد الإجراءات الدفاعية بين دول المنطقة، وخصوصًا أعداء إيران التقليديين، السعودية والحليفان الجديدان إسرائيل والإمارات العربية المتحدة الذين يرون صواريخ إيران والميليشيات التابعة دليلاً على أجندة عدائية. وبشكل منفصل، يحاول المسؤولون الأميركيون تهدئة النزاعات الإقليمية، مثل الحرب في اليمن. لذا يتطلب القيام بذلك تفهم أولويات جميع اللاعبين في المنطقة.

كما ترى واشنطن أن هناك خطرا كبيرا يتمثل بسلاح البحرية الإيرانية كونه يملك عددا كبيرا مِن الطرادات الصغيرة والسريعة مثل (Houdong) الصيني الصنع[vii]، بالإضافة إلى زورق سراج محلي الصنع وجرى تصنيع عدة نماذج منه وتصل سرعته إلى 180 كيلومتراً في الساعة، ومجهز برامية صواريخ 107 مم ورشاش 12.7 مم. كما أنه يحمل راداراً بحرياً لرصد أهداف بحرية عن مسافة 30 كيلومتراً. يضاف إلى ذلك 34 غواصة تندرج ضمن فئة الغواصات الصغيرة الي تعمل بالديزل والكهرباء، أغلبها مِن فئة “غدير” محلية الصنع، وغواصات أخرى من فئة “يوغي” المصنوعة في كوريا الشمالية. وتملك كلا الغواصتين قدرات هجومية قوية، ولا شك في أن تركيز إيران الشديد على الغواصات صغيرة الحجم يساهم في ظهور مقارنات غير منطقية مع أساطيل الغواصات الغربية والأميركية خصوصًا إلا أن إيران لا تحتاج لنشر قوات بحرية حول العالم وما تملكه يكفي لكي يصبح ورقة رابحة تمكن إيران من تحقيق سيطرة على مضيق هرمز وباب المندب وكسب نفوذ في المحيط الهندي وإرباك الأساطيل البحرية المعادية[viii].

وتكفي القوات البحرية الإيرانية الموجودة في المحيط الهندي والتقارب الإيراني مع الصين للضغط على الولايات المتحدة لكي تسمح لإيران بمساحة حٌرة للتصرف في المياه الدولية، فقد قامت إيران بإرسال ناقلات نفط إيرانية تحمل البنزين إلى فنزويلا[ix] المفروض عليها عقوبات أيضًا مِن الولايات المتحدة، دون أن يكون هناك رد فعل قوي أو صارم مِن الأخيرة.

خلاصة

تبدو بصمات أميركا الراعية للإتفاق الإماراتي – الإسرائيلي واضحة على مشروع قاعدة عسكرية استخباراتية في جزيرة سقطري اليمنية، ومنها تُعظم إستفادتها، بأن تُحاصر الوجود الصيني في جيبوتي، وتراقب تحركاته التجارية في المحيط الهندي، وفي الوقت ذاته تراقب إيران وتحجم تحركاتها العسكرية، كما يمكنها أن تغادر المنطقة وتقلل من كثافة وجودها، وتحد من نفقاتها العسكرية، وخصوصًا أن الولايات المتحدة تعيد التفكير في سياستها المتعلقة بالشرق الأوسط بشكل أكثر شمولاً من أي وقت مضى منذ الثورة الإيرانية عام 1979، فالإضطراب الداخلي المتزايد والمواجهة مع الصين يجبران الولايات المتحدة على النأي بنفسها من التورط في المنطقة التي يشعر كثير مِن المراقبيين بشكل متزايد أنها فقدت أهميتها الاستراتيجية[x].

تبدو بصمات أميركا الراعية للإتفاق الإماراتي – الإسرائيلي واضحة على مشروع قاعدة عسكرية مُخابراتية في جزيرة سقطرى اليمنية

نفس القوى الهيكلية التي تجبر واشنطن على إعادة التوازن إلى أولوياتها العالمية تمزق الشرق الأوسط أيضًا، حيث ضرب فيروس كورونا الصين بشدة، ما دفع اقتصاد البلاد للتعثر، وأدى انخفاض أسعار النفط والركود الاقتصادي العالمي المطول إلى إلحاق الضرر بالسعودية وحلفائها. إن جسامة الكارثة ستجبر الجميع على إحداث تحولات في الأولويات الوطنية. سيكون لدى إيران ودول الخليج العربي وإسرائيل والصين والولايات المتحدة رغبة أقل في سباقات التسلح أو الإنفاق السخي على العملاء والوكلاء الإقليميين.

بالفعل، بدأ النقاش بين إيران والإمارات العربية المتحدة، وتحالفت الأخيرة مع تل أبيب. كما يبدو أن كلا من إيران والسعودية تميلان إلى إنهاء الحرب في اليمن. كذلك سحبت طهران بعض قواتها من سوريا، ودعمت رئيس وزراء في العراق تفضله الولايات المتحدة، وتبقى الساحة الآن خالية للصراع الأمريكي – الصيني.

في عالم باتت علاقات المصالح التي تحكمه أكثر تشابكًا وتعقيدًا، فإن السياسات الخارجية والداخلية للدول تتداخل فيه بشكل متزايد، وسيكون من مصلحة القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم التكيف مع نوع من توزيع النفوذ السياسي والاقتصادي، فالعلاقات الأميركية – الصينية أكبر وأكثر تعقيدًا من التبسيط الذي تقوم عليه فكرة الصراع بين قوّتين متنافستين، نظرًا إلى ضخامة حجم الاعتماد الاقتصادي المتبادل بينهما، وتأثير كلّ منهما في مجمل الاقتصاد العالمي. على أنّ هذا التوزيع في تحرّك مستمرّ ولن يكون ثابتًا بصورة نهائية، فهو لا يخلو من بذور تناقض قد يدفع إلى المواجهة في حال حدوث تغيّرات حادة فيه.[xi]

[i] https://www.israelhayom.com/2020/08/31/report-israel-uae-setting-up-spy-bases-in-yemen/

[ii] https://www.ecssr.ae/reports_analysis/التعاون-البحري-بين-الصين-والهند-في-الم/

[iii] https://www.ecssr.ae/reports_analysis/التعاون-البحري-بين-الصين-والهند-في-الم/

[iv] https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=10092018&id=07c91f72-c5ea-4d59-9d70-5e04cb62b26d

[v] https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=28072020&id=3fcdab6b-356a-48ee-93b1-6bb6dfa1bcc9

[vi] https://www.nationalheraldindia.com/opinion/is-india-ready-for-a-bigger-war-with-china-india-can-dominate-the-skies-and-the-sea

[vii] https://arabic.sputniknews.com/military/201703241023035977-القوات-البحرية-الإيرانية/

[viii] https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/6/16/إيران-زوارق-سفن-حربية-غواصات

[ix] https://www.bbc.com/arabic/business-52774588

[x] https://jadehiran.com/archives/17811

[xi] https://www.harmoon.org/reports/استراتيجية-الولايات-المتحدة-في-آسيا-ف/

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course