لبنان ينكشف أمنياً.. عين قانا نموذجاً

من إنفجار عين قانا في أعالي إقليم التفاح بجنوب لبنان إلى منزل رئيس الحكومة المكلف مصطفى أديب في بيروت، ثمة خيط رفيع عنوانه مراوحة قاتلة يخشى ألا تنكسر إلا بجنرال الأمن الذي "يزدهر" حضوره في هكذا مناخات سياسية.

من مشهد 11 أيلول اللبناني في مرفأ بيروت قبل حوالي الخمسين يوماً إلى يومنا هذا، إنتهت المبادرة الفرنسية إلى حالة من الفراغ القاتم. واقع يزداد معه الخوف على الأمن في لبنان. لماذا؟

أولاً، لا خشية من حرب إسرائيلية على لبنان، بإستثناء التهيب المتبادل من تدحرج ما يؤدي إلى “معركة عسكرية محدودة بين الحروب” أو إلى “جولة محدودة بين المعارك”، ربطاً بقواعد الإشتباك القائمة بين حزب الله وإسرائيل منذ صيف 2006.

هذا لا ينفي أن الطرفين يخوضان حالياً معركة أمنية يُلم بتفاصيلها فقط صُناع القرار في غرف العمليات الأمنية في كل من تل أبيب والضاحية الجنوبية لبيروت وطهران.

في هذه المعركة الأمنية والإستخباراتية، يحاول طرفا المعادلة ألا يتركا أثراً أو بصمة، لكن لا يفوّت كلاهما أية وسيلة لبلوغ أهدافه، وتحديداً إستهداف قدرات الطرف الآخر بالأمن، طالما أن الإستهداف العسكري المباشر دونه محاذير كثيرة. نموذج الحرب السيبرانية المستعرة بين طهران وتل أبيب وتدمير منشأة نطنز الإستراتيجية والكثير الكثير من العمليات التي لم يُعلن عنها، وكان أحدها وصول مسيرتين إلى مسافة أمتار من هدف محدد في الضاحية الجنوبية قبل أقل من سنة، لكن الصدفة حمت المنطقة وأجهضت العملية.

ما جرى اليوم (الثلاثاء) في بلدة عين قانا في إقليم التفاح من إنفجار أو تفجير لأحد مستودعات أسلحة حزب الله، يعيد إلى الذاكرة عشرات المحاولات الإسرائيلية لإستهداف منظومة الصواريخ الدقيقة التي تقلق تل أبيب، وهو مسار دشّنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل سنتين من مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما نشر صور وخرائط مزعومة لمستودعات صواريخ دقيقة لحزب الله في بيروت.

وفي إنتظار ما سيقوله حزب الله، في ضوء التحقيقات بحادثة بلدة عين قانا (خطأ بشري أم فني أم عمل أمني)، لن يكون مفاجئاً في حال إرتفاع حظوظ الإستهداف الأمني (في إستنساخ متجدد لنموذج شارع معوض بالضاحية الجنوبية)، أن يحتفظ حزب الله بحقه بالرد بالأسلوب ذاته، اي بالأمن، وهذا رهن ما سيفضي إليه التحقيق وتحديداً هل ترك الإسرائيلي بصمة أو دليلاً إذا كان ضالعاً في التفجير؟

بكل الأحوال، هذه حرب هيتشكوكية شبيهة بأفلام الجواسيس. في سياقها، تأتي عبارة مثل “سأقتلك. سأقتلك. سأقتلك” التي ساقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في يوم من الأيام ولم تتلقفها سوى جهة واحدة في العالم، سارعت إلى المراجعة في اليوم التالي، وحصلت على تطمينات مرتبطة بمسار سياسي وأمني محدد.

في السياق الإسرائيلي، وعدا عن حركة المسيرات الكثيفة والإستثنائية في أجواء لبنان، في الساعات الـ 72 الأخيرة، وعدا عن حالة الإستنفار المستمرة منذ حوالي الشهرين على طول الحدود الجنوبية بين لبنان وفلسطين المحتلة، حصل تطوران بارزان، ومن خارج السياق الميداني، في الأيام الأخيرة:

أولهما، قول قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي الجنرال أمير برعام للمراسل العسكري لصحيفة “يسرائيل هيوم” يوآف ليمور إن “نصرالله هو هدف للاغتيال، في ظروف معينة. والآن هذا ليس مناسباً، لكن الأمور يمكن أن تتغير. وعلى نصرالله أن يعلم طوال الوقت أن الملجأ هو مكان جيد. وعليه أن يبقى هناك. وعليه أن يعلم أنه لا يوجد مكان لا يمكن العثور فيه على شخص”!

ثانيهما، كانت صحيفة “نيويوركر” الأميركية، قد كشفت منذ سنوات، تفاصيل عملية اغتيال الرجل الثاني في حزب الله عماد مغنية في العام 2008 بوصفها نتاج جهد مشترك بين المخابرات الأميركية (سي أي إيه) و”الموساد”، غير أن اللافت للإنتباه أن موقع “فشل الرقابة” الإسرائيلي (مدونة تيكون عولام) الذي يعنى بإفشاء أسرار الأمن القومي لإسرائيل، ومقرّه الولايات المتحدة، قرر قبل ثلاثة أيام الكشف عن اسم قاتل مغنية، وهو “صانع القنابل” نعوم إيرز الذي شغل منصب كبير المسؤولين التنفيذيين في المخابرات الإسرائيلية، وكان مرشحاً لأن يكون خليفة تامير باردو، على رأس “الموساد”، لكن سارة (زوجة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو)، “فضلت يوسي كوهين الوسيم والساحر”، على رأس “الموساد”، فيما إنضم إيرز إلى رئيسه السابق في شركة ناشئة للأمن السيبراني (XM Cyber​​) بمنصب الرئيس التنفيذي للشركة، كما أورد موقع “فشل الرقابة”!

لماذا قرر الإعلام الإسرائيلي الإفصاح عن قضايا أمنية وإستخباراتية إستثنائية ليس مألوفاً تداولها في الأحوال العادية، الأمر الذي يطرح علامات إستفهام حول توقيت طرحها وصلته بتطورات الداخل الإسرائيلي أو الداخل اللبناني أو الإنتخابات الأميركية؟

في هذه المعركة الأمنية والإستخباراتية، يحاول طرفا المعادلة ألا يتركا أثراً أو بصمة، لكن لا يفوّت كلاهما أية وسيلة لبلوغ أهدافه، وتحديداً إستهداف قدرات الطرف الآخر بالأمن، طالما أن الإستهداف العسكري المباشر دونه محاذير كثيرة. نموذج الحرب السيبرانية المستعرة بين طهران وتل أبيب وتدمير منشأة نطنز الإستراتيجية والكثير الكثير من العمليات التي لم يُعلن عنها

ثانياً، لنأخذ نموذج الزوارق التي رمت بعائلات لبنانية وغير لبنانية في عرض البحر اللبناني. برغم تهافت اللبنانيين وخصوصاً عنصر الشباب على هجرة غير مسبوقة، منذ سني الحرب الأهلية، هل يعقل أن هذا الأمر يحصل بالصدفة بإتجاه أوروبا؟ لماذا لم يحصل ذلك طوال عشر سنوات من عمر الأزمة السورية؟ هل هناك بعد أمني وسياسي لهذا الفرار اللبناني من “جهنم” إلى المجهول أم أن الأمر إنساني بحت؟ ليس القصد من طرح هذه الأسئلة الإساءة إلى الضحايا ولا إلى مشاعر أهاليهم، لكن تجار الموت في لبنان دائماً على أهبة الإستعداد. بعضهم لديه أجندات مالية وبعضهم الآخر هو مزيج من تقاطعات الأمن والمال وربما السياسة.

ثالثاً، لماذا مرت حادثة كفتون في الكورة بشمال لبنان مرور الكرام. هل نحن أمام حالة شبيهة ببدايات إنطلاقة تنظيم “فتح الإسلام” في العام 2006. سرقة مصارف. شراء أسلحة. تمويل عمليات إرهابية في كل المناطق اللبنانية.. وصولاً إلى مخيم نهر بارد جديد؟

رابعاً، ثمة هواجس متبادلة. منابر محسوبة على 14 آذار، مثل حركة المبادرة الوطنية ولقاء سيدة الجبل، ناقشت في بعض إجتماعاتها الأخيرة، المخاوف من تجدُد الإغتيالات. أثار هذه النقطة النائب السابق مروان حمادة. قدّم معطيات تُدعّم مخاوفه، وتُحاول أن توجه الإتهام في إتجاه سياسي محدد. بالمقابل، يعيش رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل وقوى وشخصيات مسيحية هاجس عودة مسلسل الإغتيالات. قيل بالحرف الواحد إن أي إغتيال سياسي في هذه اللحظة لأية شخصية مسيحية وازنة، من شأنه أن يجعل الفدرالية أمراً واقعاً، وسيكون متعذراً التمييز على الأرض، بين إبن “القوات” أو إبن “التيار” أو إبن “الكتائب”!

خامساً، حصل حراك إستثنائي في المشهد الفلسطيني في لبنان، على خلفية التطبيع الإماراتي ـ الإسرائيلي، لكنه بتوقيته المحلي، يطرح الكثير من علامات الإستفهام ليس فقط إزاء ما تحمله زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية إلى مخيم عين الحلوة، وسط تظاهرة مسلحة علنية، بل في ما يمكن أن يكون لملف اللجوء الفلسطيني من تداعيات أمنية وسياسية في المشهد اللبناني مستقبلاً، وتحديداً في حالة الفوضى أو “الصوملة”.

سادساً، ما ينطبق على اللجوء الفلسطيني يسري على النزوح السوري، وهو ملف حمال الأوجه وقابل للإستثمار في إتجاهات مختلفة، ربطاً بمعطيات الواقعين اللبناني والسوري.

سابعاً، ثمة خشية من إنفجار إجتماعي كبير في ضوء التقديرات الأخيرة للبنك الدولي التي تقول بأن نسبة خمسين في المئة من اللبنانيين باتت تحت خط الفقر، الأمر الذي يعني أن لبنان متجه نحو انفجار اجتماعي محتّم، حسب تحذيرات العديد من المؤسسات الدولية. يترافق ذلك مع أرقام قياسية لظواهر مثل السرقة والجرائم في جميع المناطق اللبنانية. زد على ذلك واقع بدء العام الدراسي المدرسي والجامعي وإنتقال شريحة كبيرة من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي، من دون أن يكون الأخير مُجهزاً أو قابلاً لإحتواء هذه الشريحة، فكيف مع ظاهرة كورونا المتفاقمة وإرباك وزارة التربية وكل الدولة اللبنانية في التعامل مع الوباء؟

ثامناً، ليس خافياً على أحد أن تجارة السلاح إزدهرت في لبنان في الشهور الأخيرة، ولو أن القيمين على الأمن يقلّلون من خطورتها، إذ أنهم يضعونها في خانة إستشعار الحاجة إلى السلاح الفردي للشعور بالأمان، سواء أكان لأجل حماية مدخراتهم في منازلهم (مال وذهب) أم لأسباب نفسية بحتة. هذه الأسلحة بمجرد وجودها بأيدي اللبنانيين (يلاحظ أن العرض أقل بكثير من الطلب) تفتح الباب أمام ظواهر عنفية مستجدة.

بإختصار، ليس مشهد الفراغ مطمئناً لأحد. الإنهيار الذي يعيش وقائعه اللبنانيون، سيتحول إلى إرتطام. الإرتطام ينتج عنه تدمير وسقوط ضحايا. هل ينجح ماكرون برمي صخرة حكومة مصطفى أديب أمام الحافلة التي تعطلت مكابحها وتخلى سائقها عن مسؤولية القيادة، أم أن الإرتطام الكبير حتمي ربطاً بوعد جهنم؟ للبحث صلة.

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free