ثورة لبنان وتفاحة تشي غيفارا (2)

في 17 أكتوبر، ثار اللبنانيّون على أنفسهم وعلى الواقع المأزوم الذي باتوا معه رهائن. ما عادوا يريدون أن يكونوا طُفيْليّين في بلدٍ طُفيْلي. أشعلت السلطة، بأناملها، شرارة غضب شعبي مكتوم تلقّفته الشوارع والساحات، على كامل خارطة الوطن، ما أعطى الدليل الحسّي على نضج العامل الموضوعي للتغيير. لتغيير النظام الذي فقد كلّ شرعيّةٍ لبقائه. لإسقاط نظامٍ لا يعترف بشعبه، ولا يعرف أن يتعاطى إلاّ مع "شوارع طائفيّة". فإذا به، ذات تشرين، يجد نفسه بمواجهةٍ مع هذا الشعب.

طوال أسابيع، استمرّت الجموع بالنزول، من تلقاء نفسها، إلى الساحات. حتى أنّ كثيرين التزموا بـ”دوام حضور” في “الثورة”. أي، مثلما يفعل الموظّف في مركز عمله. ولقد نظّموا هذا الحضور، في لاوعيهم، وفق روزنامة محدّدة: أناس يأتون في الصباحات، آخرون بعد الظهر و.. في المساء والليل. كأنّ كلمة السرّ أعطيت، كيلا يخلوا الساحات. فهُم يوقنون، كم إنّ رؤيتها محتشدة وموحَّدة، تزعج أركان السلطة. كلّ ذلك، جعل وسط بيروت (حيث الساحتان المركزيّتان للتجمّعات) تظهر، كمساحةٍ واسعة وحرّة للتعبير الفردي والجماعي عن الغضب والأمل. بدت الأمكنة متروكة ليعبّر فيها، كلٌّ عن نفسه وعلى طريقته، وليبوح بمكنوناته بلا ضوابط. باتت ساحات الثورة أشبه ما يكون، بتلك الحديقة اللندنيّة الشهيرة الـ Hyde Park. ميدانٌ مفتوح للجميع، ولكلّ الاحتمالات و.. المطالب.

لكلٍّ دوافعه للغضب وأسلوبه في تظهير مطالبه

تجاوزت هتافات الثورة كلّ المحاذير والحُرمات والمقدّسات. لم تعد الطائفة ولا المذهب ولا الحزب ولا الزعيم حصناً (مزوَّراً؟) لأحد. هتفت الجموع للبلد المستقلّ والهويّة اللبنانيّة (فقط لا غير) والقانون العادل والجيش النظامي، كمقدّساتٍ جديدة. أصبحت الكلمة، لوطن وشعب يريدان أن يستعيدا دولةً وهويّةً وانتماءً. وعليه، نقلت الكاميرات، وفي لقطاتٍ ماسحة للحشود في كلّ الاتجاهات Panoramiques، دوافع النزول إلى الشارع. فصرنا نشاهد ونسمع الأصوات المطالِبة بمروحةٍ واسعة من المطالب التي أصرّوا على أنّها حقوقهم البديهيّة. مطالب بسيطة واضحة (الكهرباء والماء والدواء والعمل..)؛ وثانية تنادي بحقوق مهدورة (الجنسيّة والعفو عن المساجين وقانون الإيجارات وحقوق عمّاليّة ومهنيّة…)؛ وثالثة شكت همومها طالبةً “التصدّق” عليها بفُتات مساعداتٍ ماليّة وعينيّة. فأعطتها الشاشات اللبنانيّة حيّزاً كبيراً لتوظّفها، وبتواطؤ مثيرٍ للغثيان، أسلوباً لتجميل صورة أصحابها (أصحاب الشاشات)؛ ورابعة ذهبت أبعد في المطالبة بتمثيل نيابي سليم وبقانون انتخاب متطوّر وبإلغاء الطائفيّة السياسيّة؛ وخامسة صوّبت على قضايا سياسيّة شائكة وخلافيّة، في مقدّمها، طبعاً، سلاح حزب الله.

كلّ مطلبٍ كان مباحاً طرحه في الساحات. وكلّ صوتٍ كان متاحاً له أن ينادي بما يراه مناسباً “له شخصيّاً”. وبغياب العناوين الكبيرة الموحَّدة لإيصال مطالب الناس إلى المعنيّين بتحقيقها، بدا وكأنّ كلاًّ من هؤلاء “المطالِبين” يغنّي على ليلاه. وبدا، كذلك، وكأنّ الناشطين في الاحتجاجات، يعملون وفق “أجندة فوضويّة”. صحيحٌ أنّ الجميع كان مؤمناً بضرورة التغيير (أليس هذا ما أنزلهم إلى الساحات؟)، لكنّهم لم يعرفوا أن يتّفقوا كيف سيقومون بهذا التغيير! وصحيحٌ، أيضاً، أنّ الظرف الموضوعي للتغيير كان قد نضج (كما أشرنا)، لكن لا يكون تغييرٌ بغياب أداته؛ ولا يكون، وهذا الأهمّ، بغياب مشروعٍ واضحٍ ومحدَّدٍ ومتدرِّج الأهداف، لإيجاد البديل عمّا تطالب جماهير الانتفاضة بتغييره. أي، النظام السياسي اللبناني. ومع كلّ هذه الغيابات، سرعان ما بدأت الخلافات المتجذّرة، للاجتماع السياسي الطائفي اللبناني، تطفو على السطح. فأضحى كلّ طرفٍ يسعى، لتصفية حساباته السياسيّة مع الأطراف الأخرى. ما أدّى إلى إدخال الحشود المنتفضة في عناوين خلافيّة ضدّ مصلحة الثورة. وإلى الانسحابات المتدرّجة لمُوالي بعض أحزاب السلطة (الذين شاركوا بكثافة في بداية الاحتجاجات). بحيث تضخّم استخدام هؤلاء لتعابير، مثل “تسييس الانتفاضة” و”خطف الخصوم للانتفاضة واستمالتها إليهم” و”رفض استهداف زعيمنا وحزبنا”..إلخ. بوشر مذّاك، وكما استنتج الجميع، دقّ الأسافين بين المنتفضين. ما أوحى، بأنّ الأمور تُدفَع دفعاً إلى جعل “وحدة الصفّ”، التي شكّلت العلامة المضيئة المركزيّة لـ 17 تشرين، تتداعى.

غياب المشروع والكلّ ينادي “أنا أو لا أحد”

من الصعب أن تركض صعوداً على سلّمٍ كهربائي، بينما هو في حركةٍ هابطة (نزولاً) بالمشاة، بهدوءٍ فظيع. يشبه هذا الأمر، كثيراً، ما كان يحدث في الساحات، مع ما سُمّي اختصاراً لتسمياتٍ عديدة “مجموعات الثورة”. فأكثر من ستّين مجموعةً مُعلِنة عن نفسها (والبعض يتحدّث عن رقمٍ أكبر بكثير)، نشطت بشكلٍ يوحي وكأنّها تمارس نوعاً من الوكالة الحصريّة على مطالب الثورة وشعاراتها. فطوال أسابيع، اندلعت نقاشاتٌ وحوارات (غزيرة جداً) بين نُخبٍ ومجموعات شبابيّة، حول مستقبل الانتفاضة وضرورة تنظيمها وترتيب العلاقة بين أطرافها. لكن عبثاً يحاولون. فشلٌ ذريع في القدرة على التلاقي. فشعارهم المضمر كان، “إتّفقنا على ألاّ نتّفق”! لقد شكّل ذلك، أبرز معضلات الانتفاضة، والتي أفضت، كما يتوافق الجميع، إلى تفريغ الساحات.

رأينا هذه المجموعات تتشتّت وتتبعثر وتتنازع، في كلّ مرّة طُرحت فيها فكرة تفاوضٍ مع السلطة، أو نُظِّم لقاء مع أحد المسؤولين اللبنانيّين أو مع أيّ مسؤولٍ غربي زائر (وكأنّهم كانوا يخافون أن “يبيع بعضهم ويشتري” على انفراد في هكذا لقاءات)

فمعلومٌ أنّه، وفي كلّ الثورات التي شهدها العالم، يجب أن يكون هناك قيادة (فرديّة أو جماعيّة) تخطّط وتنفّذ “الهجوم”. وعندما تغيب القيادة المنظِّمة للفعل الثوري (حزب سياسي، هيئة عسكريّة، شخصيّة دينيّة..)، يصبح تشكيل تحالفٍ واسع للقوى المشاركة أو جبهة وطنيّة، بمعنى آخر، أمراً حتميّاً. لذا، كانت المجموعات التي فعّلت التحشيد في الساحات، أو تلك التي وُلِدت للتوّ في الانتفاضة، مُطالَبةً ببلورة نفسها وفرض حضورها والتنسيق بمنهجيّة وبعقلٍ منفتح، مع بعضها البعض، لتشكيل هكذا جبهة! على الأقل، لوضع خطّة تنقل الانتفاضة من “مرحلة الفوضى العفويّة” إلى ما يمكن أن نسمّيه “مرحلة تنظيم هذه الفوضى”، ومن ثمّ إلى مرحلة إعداد وبلورة “مشروع سياسي-اقتصادي-اجتماعي” بديل.

عجزت غالبيّة هذه المجموعات عن فعل ما كان يجب فعله. لأنّها، أولاً، ليست بالمستوى المطلوب (فكريّاً وسياسيّاً) لوضع هكذا مشروع واستشراف آليّات التغيير؛ ولأنّها، ثانياً، تنشط بأجنداتها الذاتيّة التي تحمل أهدافاً خاصّة؛ ولأنّه تبيّن ثالثاً، أنّها كانت تعلن أنّها تفهم السياسة تدبيراً صالحاً لصوْن حقوق الناس ودرْء المفاسد عنهم. لكنّها، في الحقيقة، كانت تُضمِر فهْماً منحرفاً للسياسة يقول، إنّ هذه الأخيرة إنّما هي السعي المحموم إلى السلطة والانتفاع منها (أي مثلهم مثل سياسيّينا تماماً)؛ ورابعاً، لأنّ الثقة مفقودة، بالكامل، بين هذه المجموعات. فرأيناها تتشتّت وتتبعثر وتتنازع، في كلّ مرّة طُرحت فيها فكرة تفاوضٍ مع السلطة، أو نُظِّم لقاء مع أحد المسؤولين اللبنانيّين أو مع أيّ مسؤولٍ غربي زائر (وكأنّهم كانوا يخافون أن “يبيع بعضهم ويشتري” على انفراد في هكذا لقاءات)! هل تطلب عُصبة الـ6 أكثر من هذه الأرضيّة الخصبة لتضرب في عمق الثورة؟ كلا.

طالما كانت الثورة، طالما وُجِد الانتهازيّون المستفيدون منها. وكلّما طال أمَدُ الثورة، في ظلّ غياب المشروع والبرنامج والقيادة الجماعيّة الموجِّهة، كلّما كثُر الانتهازيّون المتسلِّقون عليها، وبوعيٍ تامّ لما يفعلون ولكيفيّة الاستفادة من كلّ ظروف الثورة

كيف تصدّت السلطة للثورة الوليدة؟

من البداهة القول، إنّنا لن نجد أيّ نظام سياسي في العالم يكون سعيداً بأيّ ثورةٍ شعبيّة! والنظام اللبناني لا يشذّ عن القاعدة. ونظامٌ كذاك الذي يحكم بلدنا ويتحكّم فينا، لا يستطيع أن يعتبر نفسه إلاّ مضادّاً لثورة. إلاّ مضادّاً لهذه الثورة. وعندما التحم اللبنانيّون في 17 تشرين، مستقلّين وموالين وأتباعاً، شعرت الرؤوس الكبيرة في السلطة بخطرٍ وجوديٍّ حقيقي. ماجت الأرض تحت الأقدام. وسمعوا في صرخات “كلّن يعني كلّن”، وهم يتابعون المشهديّة الصاخبة على الشاشات، صوت أزيز “جنط” عرباتهم يجرّها الثوار على الإسفلت، لإزاحتهم عن الصورة. عرفوا أنّ ما يحصل هو نذير ثورةٍ آتية، لا محالة. لذا، بدؤوا على الفور البحث عن سبلٍ للنيل من هذه الثورة. من هالتها. من سمعتها. من شأنها. من دوافعها وأهدافها واستهدافاتها. ما العمل؟ التقطوا أنفاسهم وشرعوا يتكتكون لإجهاضها ونصبوا الجبهات:

الجبهة الأولى، تولاّها أمين عام حزب الله عبر إطلاقه خطابيْن؛ حرص في الأوّل، على الإشادة بالتحرّكات الشعبيّة ووصفها بالتاريخيّة والعفويّة “التي لا يقف خلفها أحد”. غير أنّه وضع خطوطاً حمراء، برفضه إسقاط العهد واستقالة الحكومة وإجراء انتخابات نيابيّة مبكرة. أمّا في الخطاب الثاني، فأعدّ مضبطة ادّعائيّة بحقّ الثورة والثوار (استوحت معظم ما صيغ فيها من اتهامات من خطاب 8 آذار/مارس 2005 والخطاب المعادي للثورات العربيّة في 2011 والسِهام التي وُجِّهت إلى حراك 2015). اتّهامات تلخّصت بالآتي: لاأخلاقيّة المتظاهرين، بسبب لغة الشتيمة التي استخدموها ضدّ رموز السلطة (ولا سيّما أنشودة الهيلا هيلا هو)؛ التدخّل الأميركي عبر بعض مجموعات ما يُسمّى “المجتمع المدني”، بهدف الانقضاض على المقاومة؛ تمويل السفارات الغربيّة للمحتجّين والذي يصبّ، أيضاً، ضدّ المقاومة؛ الدور المشبوه للـ”أن. جي. أوز” في التظاهرات مدعوماً من أعداء معسكر الممانعة. وطبعاً، تعزّزت مفاعيل خطابيْ حزب الله، بالدعوة الصريحة لـ “بيئته” للانسحاب من التظاهرات “خشية احتكاكاتٍ غير محمودة”. ودُعِّم هذا الانسحاب، لاحقاً، بغزواتٍ لساحات الاعتصام والتظاهر من قِبَل ممتطي الدراجات الناريّة “للثنائي الوطني”. وطنيّة، تُرجمت انهيالاً بالعصي والرصاص على المحتجّين وشتائم، على شكل هتافات، باسم الطائفة المقاوِمة والزعيم المفدّى.

الجبهة الثانية، تولاّها فريق “التيار الوطني الحرّ” الذي لم يرَ في الثورة، إلاّ استهدافاً “للعهد القوي” ولرئيس التيار الذي صار اسمه اللازمة في أنشودة الـ”هيلا هيلا هو”. فتصدّى العونيّون بمسيراتٍ مضادّة باتجاه القصر الجمهوري، بينما بدأ زجّالو التيار غزوةً في أزقّة الانترنت ضدّ المحتجّين. قوام الغزوة، استنتاجات وأقاويل تبثّ الهلع في نفوس “المسيحيّين المحافظين”، من رُهاب المثليّة الجنسيّة التي “تطالب الثورة بتشريعها”(؟). وبدأ العونيّون بالتركيز الممنهج (لكن بغباءٍ موصوف) على تفشّي المخدّرات والجنس على جسور الثورة وفي ساحاتها. من دون أن ينسوا، طبعاً، التذكير بالأصول اليهوديّة لجورج سوروس (المموّل المفترض للثورة)، والربط بين “قبضة الثورة” وحركاتٍ عنصريّة وصهيونيّة (المجسَّم الأبيض الضخم لقبضة يد بيضاء)!

الجبهة الثالثة، وكانت جبهة عجيبة غريبة بتركيبتها. فهي تشكّلت على قاعدة “من كلّ وادي عصا”؛ ففيها لفيفٌ من قادة أحزاب السلطة الذين قفزوا من “تيتانيك الحُكم” في الساعات الأولى لانطلاق الاحتجاجات. لعلّهم يستطيعون تصفية حساباتهم مع الأحزاب السلطويّة الأخرى، ويربحون مناصرين من الثوار، ويكسبون ثواباً عند ربّهم. ومع هؤلاء الهاربين للتسلّق على الثورة، نشط بعض الانغماسيّين والمؤسّسين الطارئين لأحزاب سياسيّة جديدة “برّاقة”، تغيب عنها كلّ شفافيّة حول تمويلها وبرامجها وأهدافها “الدفينة”. أضف إلى كلّ هؤلاء، المحبطين من عدم قدرتهم على المضي قدماً في تقديم نماذج متمايزة للبلد. ونعني بهم، بعض المجموعات التي تدور في فلك أشخاص وأجهزة ذات أجندات وشعارات، لا تمتّ بصلة إلى روح الثورة.

الجبهة الرابعة، هي جبهة هادئة يشغلها الانتهازيّون، ولا سيما الذين كانت غالبيّتهم من المستفيدين مباشرةً من فساد السلطة وزبائنيّتها (عبر عقود بميزانيّات منفوخة). فطالما كانت الثورة، طالما وُجِد الانتهازيّون المستفيدون منها. وكلّما طال أمَدُ الثورة، في ظلّ غياب المشروع والبرنامج والقيادة الجماعيّة الموجِّهة، كلّما كثُر الانتهازيّون المتسلِّقون عليها، وبوعيٍ تامّ لما يفعلون ولكيفيّة الاستفادة من كلّ ظروف الثورة. فهؤلاء كُثُر ويتوزّعون في مطارح عديدة: موجودون بين زعماء أحزاب السلطة وحُماتهم الرسميّين ومستشاريهم. وبين زعران زعماء السلطة الذين يوعز إليهم أولياء نعمتهم للقيام بمهمّات عديدة وفق معايير القوة البوليسيّة والميليشياويّة (أهمّها “إقطعوا الطرقات”). وبين المنتفضين أنفسهم على هيئة روّاد في المجتمع المدني ويحبّهم حكّامنا كثيراً (هم معروفون جيداً من قِبَل المجموعات السياسيّة الصادقة والمتمرِّسة).

يؤكد الثائر الأممي الأشهر أرنستو تشي غيفارا “أنّ الثورة ليست تفاحة تسقط عندما تنضج. بل عليك أن تجعلها تقع”

أمّا الجبهة الخامسة، فكانت جبهة “حربيّة” حقيقيّة تمترس فيها عناصر من “قوى الأمن الداخلي” و”الجيش اللبناني” و”شرطة مجلس النواب” وقوى غير محدّدة بملابس مدنيّة. أمعنت هذه القوى، وبعنفٍ مفرط ولذةٍ ظاهرة أحياناً، في مطاردة المحتجّين وقمعهم. طاردتهم بكلّ ما ملكت أيْمانها: حجارة، عصي، سكاكين، خراطيم المياه، قنابل الغاز المسيّل للدموع (منتهية الصلاحيّة)، رصاص مطاطي (فقأ عيون بعض الثوار)، ذخيرة حيّة، كريات معدنيّة، خردق..إلخ. أعطيَت لهم الأوامر للتصويب على الرأس والعنق. أمّا الأجساد، فسُحلت على الإسفلت كقصاص على تجرُّئها وتمرّدها. وهذه المسألة ليست مجرّد كلام عاطفي، فأحزاب وشخصيّات السلطة راكمت في صدرها وقلبها وعقلها حقداً وغِلاًّ على “الثوار” كونهم تجرّؤوا على رفضها و.. شتمها.

هل أُجهِضت الثورة؟

يقول الكاتب والمنظّر السياسي الإيطالي انطونيو غرامشي: “العالم القديم يموت، والعالم الجديد يتأخّر تظهيره. وفي هكذا عتمة سابقة للفجر، تظهر الأشباح والمسوخ”. كيف نفسّر لبنانيّاً هذا القول؟ نفسّره بأنّ الجبهتيْن الثالثة والرابعة (المشار إليهما آنفاً)، أي اللتيْن تتشكّلان من الانتهازيّين والراكبين أمواج الثورة، يجب أن تلفظهما صفوف الثوار، باعتبارهما الأشباح والمسوخ المقصودة في مقولة غرامشي. فهما أكثر المسيئين إلى الثورة والضارّين بها. من ناحيته، يؤكد الثائر الأممي الأشهر أرنستو تشي غيفارا “أنّ الثورة ليست تفاحة تسقط عندما تنضج. بل عليك أن تجعلها تقع”. ما يعني في حالتنا، وجوب أن تضع قوى الثورة مشروعاً للتغيير، يُسقِط النظام الناضج والآيل إلى السقوط. وفي لبنان، يخطئ المواطنون الثائرون حين يظنّون أنّهم أخفقوا في تحقيق بعضٍ من مقاصد الثورة ومطالبها. فالثورة لم تنتهِ لأنّها، ببساطة، لم تبدأ بعد! فما شرعنا به وأسّسنا له في 17 تشرين الماضي، لم يكن إلاّ بداية المسار الذي يجب أن يوصلنا إلى إنجاز فعل الثورة.

كلمة أخيرة. الثورة سلوك إنسانيّ إستثنائي. و17 أكتوبر، كان الخطوة الأولى التأسيسيّة لرحلة الألف ميل للثورة. خطوة، فُتحت على وقْعها مواجهة شرسة وضارية مع النظام الحاكم، لا رجعة عنها. ومهما قيل في الغضبة الشعبيّة في سنويّتها الأولى، مديحاً أو ذمّاً أو تشكيكاً أو تقليلاً من شأنها، إلاّ أنّ اسمها يبقى “ثورة”. كونها لم تُصِب واقع اللبنانيّين السياسي والاقتصادي والاجتماعي فحسب، بل أصابت بُنيتهم الذهنيّة في الصميم. لا مستقبل لنا، إذاً، من دون هذه الثورة. من دون قبضات الثوار. إنّها مستقبلنا. إقتضى التذكير والتأكيد والتنويه وحسم الجدل.

(*) الجزء الأول: عوْدُ على بَدْء.. كلّن يعني كلّن

 

 

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course