إغتيال فخري زاده.. بصمة إسرائيلية في وقت أميركي مستقطع

على بُعد يومين من الذكرى العاشرة لاغتيال العالم النووي الإيراني مجيد شهرياري، ومحاولة اغتيال زميله فريدون عباسي دوائي، وعلى بعد 37 يوماً من حلول الذكرى السنوية الأولى لإغتيال الجنرال قاسم سليماني، يتكرّر المشهد اليوم باغتيال محسن فخري زاده، في توقيت بالغ الخطورة والدلالات.

تأتي جريمة إغتيال فخري زاده في ظل التكهنات السائدة حالياً بشأن ما يضمره دونالد ترامب تجاه ايران في ما تبقى من فترة اقامته في البيت الأبيض، ومحاولات اسرائيل الاستثمار إلى أقصى حد ممكن في الوقت المستقطع بين الولايتين الرئاستين الأميركيتين، لكسر الستاتيكو الذي فرضته ايران خلال السنوات الماضية، برغم سياسة الضغوط القصوى الممارسة ضدها أميركياً. غير أن العنصر الأكثر خطورة هو تآكل قدرة الردع الإيرانية، بسبب عدم رغبة طهران من جهة بتأجيج الموقف وتقديم ذرائع لمن يريد كسر الستاتيكو، وفي الوقت نفسه، تؤدي سياسة ضبط النفس، كما حصل من سنة حتى الآن، إلى تشجيع الإسرائيليين على القيام بعمليات عسكرية أو أمنية من هذا النوع.

بحسب وسائل الإعلام الإيرانية، فإنّ فخري زاده تعرض لهجوم من قبل “عناصر ارهابية مسلحة” في أبسارد، وهي مدينة صغيرة تقع في ضاحية دماوند شرقي طهران، نقل على أثره إلى مستشفى محلي، حيث فارق الحياة، بعدما فشل المسعفون والأطباء في انعاشه.

ونقلت وكالة أنباء “فارس” شبه الرسمية، والتي يُعتقد أنها قريبة من الحرس الثوري، عن شهود عيان قولهم إنهم سمعوا دوي انفجار ثم نيران مدفع رشاش.

وفي وقت لاحق، نشر التلفزيون الحكومي على موقعه على الإنترنت صورة لقوات الأمن وهي تغلق الطريق. وأظهرت الصور ومقاطع الفيديو التي تمت مشاركتها عبر الإنترنت سيارة “نيسان سيدان” وقد اصابها الرصاص وأحدث ثقوباً في زجاجها الأمامي، وأظهرت أيضاً دماء على الطريق.

الهجوم الذي استخدم فيه المسلحون متفجرات ونيران مدافع رشاشة، يحمل بصمة إسرائيلية أو أميركية – أو الاثنتين معاً – حتى وإن لم تتبنَّ أية جهة رسمياً، حتى لحظة كتابة هذه السطور، المسؤولية الرسمية عن هذه العملية، التي تشكل فصلاً جديداً من حرب استخباراتية تشنها تل أبيب وواشنطن ضد طهران منذ سنوات، وتفاوتت أشكالها بين الاغتيالات التي استهدفت شخصيات قيادية في المشروع النووي الإيراني، وبين عمليات التخريب السيبرانية للبنية التحتية المدنية والعسكرية، وعمليات التفجير للمواقع الايرانية الحساسة، التي بلغت ذروتها خلال الصيف الماضي.

وبرغم أن تلك الحرب السرية الدائرة رحاها منذ سنوات قد باتت تحمل نمطية مألوفة في الصراع المفتوح بين ايران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أنّ اغتيال محسن فخري زاده قد يكون الهجوم الأكثر خطورة على الإطلاق، قياساً على كل ما سبقه، فعلاوة على عامل التوقيت، فإنّ أهمية دور الرجل في البرنامج النووي الإيراني، تجعل من اغتياله مؤشراً على احتمال تآكل قدرة الردع الإيرانية، خصوصاً أن الهجوم يأتي بفارق 11 شهراً على اغتيال قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في عملية اغتيال اميركية، كانت مكشوفة في تلك المرّة، وعلى مقربة من مطار بغداد.

وغالباً ما وُصف فخري زاده في الإعلام الغربي بأنه القائد الفعلي للبرنامج النووي العسكري السري لإيران، والذي يُقال أنه حُلّ في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وتم تصنيفه باعتباره “العالم الأول في وزارة الدفاع ودعم القوات المسلحة الإيرانية والمدير السابق لمركز أبحاث الفيزياء”، وهو واحد من خمس شخصيات إيرانية ضمن لائحة أقوى 500 شخصية في العالم وفق مجلة “فورين بوليسي” الأميركية، وقد أدرج في 24 آذار/مارس عام 2007 على قائمة عقوبات مجلس الأمن الدولي ضد إيران.

وتطلق الاستخبارات الأميركية على فخري زاده، المولود عام 1958 في مدينة قم، والذي انضم إلى الحرس الثوري بعد الإطاحة بالشاه محمد رضا بهلوي عام 1979، لقب “عبد القدير خان الإيراني”، نسبة إلى عبد القدير خان مصمم المشروع النووي الباكستاني، وتشير إلى أنه المسؤول عن شراء تكنولوجيا نووية من خارج إيران.

تطلق الاستخبارات الأميركية على فخري زاده لقب “عبد القدير خان الإيراني”، نسبة إلى عبد القدير خان مصمم المشروع النووي الباكستاني

 

ولسنوات طويلة ظلّ فخري زاده متتبَّعاً من قبل الاستخبارات الغربية، والأهم الاسرائيلية، وهو ما تبدّى بشكل جلي في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد خصه بالاسم في نيسان/ابريل عام 2018، حين كشف صورته علناً في مؤتمر صحافي أعلن فيه عن سرقة الأرشيف النووي الإيراني، قائلاً “تذكروا هذا الإسم”.

ونشرت وسائل إعلام إسرائيليّة حينها تفاصيل عن فخري زاده منها أنّه محاضر في كلية الفيزياء في جامعة الإمام حسين في طهران، وأنه خبير في الفيزياء النووية. وبحسب تقرير نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن فخري زاده باحث مطلع على معلومات هائلة في الفيزياء النووية والكيمياء، الضرورية لبناء قنبلة نووية، ويتمتع بقدرات إدارية مثيرة، ويعتبر مخلصا للثورة الإيرانية والحرس الثوري.

ووفقاً لما أورده الكاتب الإسرائيلي يوسي مليمان في كتابه “جواسيس غير مثاليين”، فإنّ الرجل يُعتبر “دماغ ومدير البرنامج النووي العسكري الإيراني”، وبحسب ميلمان فإنّ جهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد” وشعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي “أمان” فشلا في السابق في تحديد موقعه.

على المستوى الرسمي، لم يتأخر الاتهام الإيراني لإسرائيل بتدبير عملية الاغتيال، وهو ما أكده وزير الخارجية محمد جواد ظريف حين وصف الهجوم بأنه عمل من “إرهاب الدولة”، في حين اعتبر قائد الحرس الثوري حسين سلامي، في تغريدة عبر حسابه على موقع “تويتر” إن “اغتيال العلماء النوويين أبرز مثال على المواجهة العنيفة التي يمارسها نظام الهيمنة لمنعنا من التوصل إلى العلوم الحديثة”.

لكن الموقف الأكثر حدّة أتى على لسان حسين دهقان، مستشار المرشد الأعلى الإيراني والمرشح الرئاسي في انتخابات إيران 2021 ، الذي كتب على موقع “تويتر”، مشيراً على ما يبدو إلى دونالد ترامب: “في الأيام الأخيرة من الحياة السياسية لحليفهم المقامر، يسعى الصهاينة إلى تكثيف وزيادة الضغط على إيران لشن حرب شاملة”، مضيفاً “سننزل كالبرق على قتلة هذا الشهيد المظلوم ونجعلهم يندمون على أفعاله”.

كعادتها، امتنعت إسرائيل عن التعليق رسمياً على اغتيال فخري زاده. ولكنّ تصريحاً صادراً عن مكتب نتنياهو انطوى على ما يمكن اعتباره تلميحاً صريحاً إلى المسؤولية المباشرة عن العملية، إذ جاء في البيان أن رئيس الوزراء الإسرائيلي “لا يستطيع الإعلان عن كل إنجازاته هذا الأسبوع”.

ويمكن افتراض أن ثمة أسباباً كثيرة قد تجعل إسرائيل المسؤول المباشر عن عملية الاغتيال، خصوصاً في ظل القلق الاسرائيلي من عودة الولايات المتحدة إلى التفاوض مع إيران بعد تسلم جو بايدن مهماته الرئاسية في كانون الثاني/يناير المقبل.

وقبل ساعات على الاغتيال، قال وزير شؤون المستوطنات الإسرائيلي تساحي هنغبي إن تل أبيب تناقش مع دول الخليج العربية كيفية التعامل مع إيران، إذ اعتبر أن “القصة ليست ترامب، ولا حتى إسرائيل. القصة هي إيران. الخوف المتزايد من عودة الإدارة الأميركية الجديدة إلى الاتفاق النووي الذي يهدد وجود دول الخليج”، مضيفاً “سنعرف كيف نتعامل مع موضوع التهديد الايراني حتى لو بوسائلنا الخاصة.”

في الولايات المتحدة، لم يصدر حتى الآن أيّ تعليق رسمي على اغتيال فخري زاده. ومع ذلك، فقد كان ملفتاً للانتباه أن دونالد ترامب أعاد نشر تغريدة يوسي ميلمان حول الهجوم، والتي جاء فيها: “اغتيل فخري زاده مهابادي في دماوند شرقي طهران بحسب تقارير في إيران. كان رئيس البرنامج العسكري الإيراني السري ومطلوباً منذ سنوات عديدة من قبل الموساد. وفاته هي ضربة نفسية ومهنية كبيرة لإيران “.

ونقلت شبكة “سي إن إن” عن مصدر رئاسي قوله إن إدارة ترامب تراقب عن كثب اغتيال فخري زاده، فيما قال مسؤول أميركي آخر إن العملية “ستكون مشكلة كبيرة”.

ولم يخف آخرون سعادتهم بعملية الاغتيال، فقد نقلت  صحيفة “نيويورك تايمز” عن مسؤولين أميركيين قولهم إن “مقتل فخري زاده، وهو الأخير في حلقة اغتيالات غامضة استهدفت كبار العلماء النوويين الإيرانيين، من شأنه أن يمثل رسالة حادة للعلماء الآخرين الذين يعملون في البرنامج النووي الإيراني: طالما أننا وصلنا إليه، فسنصل إليكم أيضاً”.

وبحسب ما قال المسؤول السابق في البنتاغون لشؤون الشرق الأوسط مايكل مورلوي، فإنّ “مقتل فخري زاده من شأنه أن يمثل انتكاسة للبرنامج النووي الإيراني”، موضحاً أن الأخير “كان من أبرز العلماء النوويين الكبار، ويُعتقد أنه المسؤول عن البرنامج النووي الإيراني السري”، ولهذا السبب فإنّ اغتياله “قد يعزز رغبة ايران في الرد بالقوة”.

هنا تبرز اسئلة كثيرة حول طبيعة الرد الإيراني وتوقيته، فهل سيكون عسكرياً أم أمنياً أم سياسيا؟ وهل يتريث الإيرانيون في الرد أصلاً بانتظار ان يتلاشى “كابوس” دونالد ترامب وتتضح توجهات الإدارة الأميركية المقبلة؟

قد يكون من السابق لأوانه تقديم اجابة قاطعة على أسئلة من هذا القبيل، ومع ذلك، فإنّ اغتيال فخري زاده لا شك أنه يضفي مزيداً من التعقيد على العلاقات الأميركية-الإيرانية وقد يضع الإدارة الاميركية الجديدة في موقف مربك.

على هذا الأساس، لم يفت “نيويورك تايمز” التحذير من أن اغتيال فخري زاده ستكون له تداعيات كبيرى على إدارة جو بايدن، إذ من المرجح أن يُحدث رد فعل حاد في إيران، كما حدث حين تم اغتيال قاسم سليماني، مشيرة إلى أن هذا الأمر من شأنه أن يعقد جهود الرئيس الجديد لكي يفي بتعهداته بشأن اعادة إحياء الاتفاق النووي.

وسام متى

صحافي لبناني متخصص في الشؤون الدولية

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy paid course free download