لبنان يشتري 2021 بـ”الزور”.. وبعدها “يفرجها الله”!

تخطط حكومة حسان دياب (المستقيلة) لبرنامج دعم بديل بعدما وصل احتياطي العملات الأجنبية في مصرف لبنان الى حدود يرفض حاكمه رياض سلامة المساس بها بحجة الحفاظ على ما تبقى من اموال المودعين.

انجزت الحكومة اللبنانية، برغم موسم تصريف الأعمال، ورقة أولية للعام 2021 (مرفقة أدناه كاملة) تقوم أساساً على الاستمرار في الاعتماد على مصرف لبنان بمبلغ 3 مليارات دولار، والتعويل على الاتفاق النفطي المؤجل الدفع مع العراق بواقع مليار دولار، وترشيد دعم الأدوية والسلع الاساسية، ودعم القطاعين الصناعي والزراعي، بالإضافة الى اعتماد بطاقة تمويلية فيها 600 ألف ليرة شهرياً توزع على العائلات الفقيرة التي تقدر الحكومة عددها بنحو 500 الف أسرة.

في التفاصيل يمكن ملاحظة الآتي:

أولاً، لا ذكر لصندوق النقد الدولي في الورقة العتيدة. فالبرنامج مطروح لسنة واحدة فقط من دون ربطه بأية اصلاحات أخرى ورد ذكرها في توصيات صندوق النقد أو المبادرة الفرنسية. والاستنتاج هو أن لبنان يسعى لشراء بعض الوقت بمسكنات مرحلية هروباً من العملية الجراحية الإصلاحية الصعبة.. وفي إنتظار معطيات سياسية تفضي إلى معطيات إقتصادية ومالية!

ثانياً، بعدما كان حاكم مصرف لبنان حذر من شح المبالغ الباقية للدعم، عاد وبشّر اللبنانيين بأن لديه نحو ملياري دولار يمكن استخدامها في الاستيراد المدعوم على سعر صرف 1500 ليرة للدولار، علماً بأن حسبة الاحتياطي الالزامي تختلف (باتجاه نزولي) مع تبخر الودائع الدولارية باستخدام الشيكات المصرفية المصروفة بثلث قيمتها الحقيقية وبسحوبات على سعر المنصة 3900 ليرة للدولار. لذا، الملياران قد يصلان الى ثلاثة  بنهاية العام 2021، ليبقى في مصرف لبنان نظرياً بين 14 و15 مليار دولار تشكل 15 في المائة (نسبة الاحتياطي الالزامي) مما يبقى من ودائع مسجلة بالدولار. وبذلك يلاقي الحاكم حكومة سعد الحريري المنتظرة عند منتصف الطريق لقضاء العام 2021 معاً من دون كبير عناء، وفي 2022 “يفرجها الله” أو “صندوق النقد الدولي”!

ثالثاً، على صعيد المحروقات التي تستهلك وحدها نحو 50 في المائة من إجمالي الدعم، وفي سياق شراء الوقت أيضاً، نؤجل سنة دفع  مليار دولار للعراق الذي وافق مبدئياً على تزويدنا بكميات محدودة من النفط (الخام) وبالأسعار العالمية، ليتولى لبنان على عاتقه التكرير او مقايضة الخام بفيول أويل، والباقي البالغ أكثر من ملياري دولار من مصرف لبنان.  وبالتالي،  يمر العام 2021 من دون المساس بدعم الفيول لكهرباء لبنان، مع اقتراح خجول وحذر بخفض دعم البنزين 30 في المائة فقط. ليستمر الغني والميسور بدفع سعر الصفيحة، التي قد ترتفع من 25 ألف ليرة الى 35 ألفاً، بأقل مما هي عليه في السعودية والكويت والإمارات النفطية!

رابعاً، بشأن الأدوية والمستلزمات الطبية ينخفض الدعم الإجمالي 25 في المائة من 1.2 مليار إلى 900 مليون دولار، على أن يستمر دعم إستيراد أدوية الأمراض المزمنة والمستعصية وأدوية “الجنريك” للتشجيع على استخدامها، مقابل رفع أسعار أدوية الصحة العامة والأمراض غير المزمنة لتباع بسعر 3900 ليرة للدولار أي بزيادة نسبتها 160 في المائة لا يمكن للمستهلك تحملها إلا بدعم يأتيه بشكل آخر.

خامساً، يستمر دعم القمح (150 مليون دولار سنوياً) مقابل الغاء دعم عدد كبير من السلع والمواد الغذائية الأخرى، وتشجيع استيراد ما سعره أقل من سعر المنتج الوطني مع طلب تعديل اتفاقيات تجارية لتقييد استيراد سلع أخرى! في ما يشبه الشيء ونقيضه في معادلة غير مفهومة وغير منسجمة بين ضرورتي دعم المنتج الوطني مقابل تأمين سلع رخيصة مستوردة للمستهلكين!

سادساً، استقر الرأي مبدئياً على اطلاق بطاقة تمويلية توزع على 500 ألف أسرة بواقع 600 ألف ليرة للأسرة الواحدة بسعر 1500 للدولار، بكلفة سنوية تبلغ 2.4 مليار دولار تعجز وزارة المالية عن تأمينها من خلال الميزانية الرازحة تحت عجوزات مزمنة ثقيلة، ولا يمكن صرفها بالليرة اللبنانية حتى لا ينفجر التضخم أكثر ليحرق اليابس بعدما أجهز على الأخضر.

لكن من أين ستأتي الأموال الطائلة لتلك البطاقة لا سيما وأن ما سيرصد لها سيكون منفصلا عن إتفاقية القرض الموقعة مع البنك الدولي لأجل “شبكة الأمان الإجتماعي ـ أزمة الطوارىء في لبنان” بقيمة 246 مليون دولار؟

تعول الحكومة على المجتمع الدولي ليأخذ مسؤولياته بشأن دعم النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين بمبالغ مليارية أعلى بكثير من المصروفة حالياً. فهل ما كان بالقطارة طيلة سنوات سيتحول كرماً على درب في أشهر ومن دون قيد أو شرط

وقد ورد في الورقة ضرورة البحث عن مصادر دولية لتمويل البطاقة التمويلية مع تجاهل ساذج لحقيقة ان المجتمع الدولي بات حاسماً في ربط أي دعم “وازن” ببرنامج اصلاحات جذرية  بدءاً من التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان واقرار قانون ضبط الرساميل (كابيتال كونترول) وتوحيد أسعار الصرف، ومروراً بتأهيل كهرباء لبنان وضبط عجز الموازنة وهيكلة النظام المالي والمصرفي، وصولاً إلى ضمان استقلالية القضاء وشفافية المناقصات ومحاربة الهدر والفساد.

إقرأ على موقع 180  عندما تُبحر ديناصورات لبنان في التيتانيك

سابعاً، يبلغ اجمالي الدعم المطلوب للعام 2021 نحو 7.6 مليارات دولار، منها ٣ مليارات للمحروقات (مع تأجيل دفع مليار منها للعراق) و150 مليوناً للقمح و900 مليون للأدوية و1.5 مليار لدعم سلع أساسية اضافة الى دعم الصناعة والزراعة، و2.4 مليار كلفة البطاقة التمويلية.

والغريب أن الكلفة الاجمالية المتوقعة في الورقة الخاصة باصلاح الدعم وترشيده لعام 2021 أعلى من الكلفة التي تكبدها مصرف لبنان في 2020 والتي لا تزيد على 7 مليارات! فهل نحن أمام ترشيد فعلاً أم أن المقترح “التجميلي” أن لم نقل “الترقيعي” يعبر عن خوف حكومة حسان دياب من تجرع الكأس المرة نيابة عن الحكومة المنتظرة؟

 ثامناً، ورد في الورقة “شعار” تاريخي مبهم التنفيذ خاص بمحاربة تهريب الديزل والأدوية وغيرها من المواد والسلع. تهريب يحول دون استيفاء الخزينة العامة حقوقاً  بمئات الملايين من الدولارات سنوياً. فما  عجزت عنه السلطات الحدودية والجمركية طيلة سنوات وعقود، هل بات اليوم ممكناً بعصا سحرية وتعويذة “ابراكادبرا” الشافية بلمح البصر، كما ورد في الورقة العتيدة!

 تاسعاً، ليس مفهوماً في الورقة أيضاً كيف ستزيد ايرادات كهرباء لبنان باعتماد شرائح للاستهلاك يدفع بموجبها الأكثر استهلاكاً تعرفة أعلى من الحالية، مع علمنا بأوضاع الجباية المتردية والخسائر الناجمة عن السرقة والتلاعب بالعدادات والفواتير بما نسبته 40 في المائة من الانتاج. فما عجزنا عنه سنوات هل سنقضي عليه خلال أشهر عجائبية قليلة!

عاشراً، تعول الحكومة على المجتمع الدولي ليأخذ مسؤولياته بشأن دعم النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين بمبالغ مليارية أعلى بكثير من المصروفة حالياً. فهل ما كان بالقطارة طيلة سنوات سيتحول كرماً على درب في أشهر ومن دون قيد أو شرط؟ وماذا لو بقي الحال على ما هو من شح فهل يستطيع لبنان تحمل قنبلة موقوتة في حضنه مكتفياً بالقول أن الدعم المقر هو للبنانيين فقط، بغض النظر عن التداعيات الأمنية الخطرة والاجتماعية الحرجة والإنسانية المحزنة بين صفوف 1.5 مليون سوري ومئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين.

(*) النص الكامل لورقة ترشيد الدعم للعام 2021:

تقرير ترشيد الدعم

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  وداعاً دونالد ترامب!