ديفيد هيل يُهادن حزب الله ويُعوّم سلامة.. وأولويته الجيش
Lebanese army soldiers stand by as anti-government protesters block a road leading to the parliament in the capital Beirut's downtown district on January 27, 2020. (Photo by PATRICK BAZ / AFP) (Photo by PATRICK BAZ/AFP via Getty Images)

المواسم اللبنانية كثيرة ولكن حصادها قليلٌ جداً. بين زيارة ديفيد هيل إلى بيروت وزيارة سعد الحريري إلى موسكو، حلّق الفراغ الحكومي وطار تعديل مرسوم الحدود البحرية وأعيد تعويم رياض سلامة وتقدمت أسئلة دور الجيش اللبناني ما بعد "الإرتطام الكبير"!

أن يأتي ديفيد هيل، الخبير الدبلوماسي الأميركي المُحلّف في الشأن اللبناني إلى بيروت، ويُحدث كل هذه الجلبة، على مدى أيام زيارته الأربعة، فهذا كفيل بأن يغري مساعد وزير الخارجية الاميركية للشؤون السياسية الذي خدم ثلاث مرات في لبنان، قبل أن يبلغ منصبه الحالي، أن يفكر جدياً بتمضية تقاعده الدبلوماسي في الربوع اللبنانية “العامرة”. عندنا، سيشعر بأهمية نفسه، وسط الركام الكبير، وهو الذي لم يتردد، كما فعل غيره، في تقريع الطبقة السياسية، حتى من على منبر القصر الرئاسي اللبناني، متعمداً عدم ذكر كلمة رئيس الجمهورية اللبنانية في كل بيانه المكتوب، على عكس البيان اللبناني الذي قدّم الدبلوماسي الأميركي على ميشال عون!

في هذه السطور، محاولة لترسيم حدود الدور الأميركي في المشهد اللبناني، ربطاً بمجريات ونتائج زيارة ديفيد هيل:

أولاً؛ أصل الزيارة وطابعها العام:

ليس من عادة الدبلوماسيين الأميركيين القيام بزيارات وداعية. قالها هيل بوضوح أنه يزور لبنان بناءً على طلب وزير الخارجية أنتوني بلينكن “للتأكيد على التزام إدارة (جو) بايدن المستمر تجاه الشعب اللبناني ورغبتنا المشتركة في الاستقرار والازدهار في لبنان”. حتماً، سيرفع تقريره إلى بلينكن الذي سيرفع بدوره تقريره إلى مجلس الأمن القومي الأميركي، أي إلى البيت الأبيض. يحمل ذلك في طياته أول إشارة إلى إهتمام الإدارة الأميركية نسبياً بالملف اللبناني. لا يعني ذلك أبداً أن لبنان أولوية شرق أوسطية. هو في مرتبة متراجعة مقارنة بملفات إيران والعراق وسوريا واليمن وغيرها. هل يمكن البناء على الزيارة من أجل القول إن الأميركيين ليس من مصلحتهم إنهيار الوضع اللبناني إلى حد “الإرتطام الكبير”؟

قال ديفيد هيل الشيء ونقيضه. صحيح أنه كان يكرّر لازمة حرص بلاده على إستقرار لبنان، في كل اللقاءات التي عقدها (المعلنة وغير المعلنة)، لكنه ذهب أكثر من مرة إلى الجزم بأنه لا يرى حكومة لبنانية في المستقبل القريب وأن الأمور “تتجه نحو الأسوأ”. زدْ على ذلك سؤاله المتكرر حول ماذا يجب أن تفعل بلاده في الأشهر المقبلة، في ضوء إحتمالات عدم تأليف الحكومة وأن يزداد تأزم وإنهيار الوضع اللبناني؟

نصح هيل اللبنانيين بعدم ربط ملفهم بأي ملف خارجي ولا سيما الملف النووي الإيراني. تملك واشنطن تقديراً مفاده أن السيد علي خامنئي ليس مستعجلاً إنجاز أي تفاهم مع الولايات المتحدة قبل الإنتخابات الرئاسية الإيرانية في منتصف حزيران/ يونيو المقبل. أيضاً ما بعد هذه الإنتخابات، ليس مضموناً التوصل إلى إتفاق. هل يمكن للبنان أن يبقى بلا حكومة لأشهر وربما اكثر؟

ما يسري على إيران ينطبق على سوريا. الأزمة مفتوحة. واشنطن ستحاول إبرام تفاهمات موضعية مع موسكو في سوريا، لكن على لبنان أن يغادر مربع إنتظار الحل السوري أو الإقليمي الكبير!

ثانياً؛ الولايات المتحدة وحزب الله:

يعتبر الأميركيون أن وجود هذا الفيل الكبير الذي إسمه حزب الله في البيت اللبناني، أعطى قيمة للبيت نفسه. ففي تقرير “تقييم التهديد السنوي”، الصادر عن أجهزة الإستخبارات الأميركية وتم نشره للعلن، قبل أيام قليلة، ثمة توقعات من حزب الله أن يواصل تطوير قدراته “الإرهابية” لإخراج الولايات المتحدة من المنطقة، وتحذير من إحتفاظ الحزب بالقدرة على إستهداف مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء داخل لبنان أو خارجه.. وبدرجة أقل في الولايات المتحدة.

هذا هو المعلن، ويتماشى إلى حد كبير مع تصريح هيل المكتوب سلفاً، قبل زيارته بعبدا. لكن ماذا في المضمر؟

تعتبر إدارة بايدن نفسها واقعية في التعامل مع لبنان أكثر من إدارة دونالد ترامب، وبالتالي تملك نظرة برغماتية إلى دور حزب الله. مثلاً، قال ديفيد هيل إنه لا يفهم هذا الموقف الحاد لولي العهد السعودي محمد بن سلمان من رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري، بسبب علاقة الأخير بحزب الله وضرورة أن يتمثل في الحكومة، وسأل: “هل يستطيع سعد الحريري أن يؤلف حكومة ويحكم من دون حزب الله”؟

لسان حال الأميركيين أن من يكون أو لا يكون في الحكومة “ليس هو قضيتنا” (في إشارة إلى عدم ممانعة تمثيل حزب الله)، فما يعنينا هو البرنامج الإقتصادي وأن لا تضم الحكومة أياً من رموز الطبقة السياسية الفاسدة. هم يُعفون الداخل اللبناني من عبء التعامل مع حزب الله، بوصفه أصبح ظاهرة إقليمية.

في التحليل، يعني ذلك أن مصير التفاهم مع إيران هو الذي يُحدد كيفية التعامل مع ما تسمى “أذرعتها” الإقليمية، ومنها حزب الله. إذا حصل التفاهم وكانت هناك مصلحة أميركية بتعزيز الدور الإيراني إقليمياً، لن تكون هناك مصلحة أميركية بإضعاف حزب الله. إذا تعذر التفاهم أو إستمر الستاتيكو، فإن الولايات المتحدة لن تتردد بإتباع أية وسيلة لإضعاف نفوذ حزب الله، بالأدوات الناعمة.. وحتماً ليس بالحرب.

ثالثاً؛ الولايات المتحدة والجيش اللبناني:

ليس خافياً على أحد أن أهم إستثمار أميركي في لبنان، في السنوات الـ 16 الأخيرة، هو الجيش اللبناني أولاً وباقي المؤسسات الأمنية من قوى أمن وأمن عام وأمن دولة. الإلتزام الأميركي معلن. لكن ما جديده ربطاً بزيارة ديفيد هيل؟

يقارب الأميركيون الإنهيار اللبناني من زاوية إرتداداته على المؤسسة العسكرية وباقي المؤسسات الأمنية اللبنانية. الأولوية هي لحماية الجيش من تداعيات الإنهيار. أن يبقى قادراً على الوقوف على قدميه. لذلك، قرر الأميركيون تعديل أو تخفيف القيود الإجرائية المتصلة بالمساعدات العسكرية للجيش. هذه المسألة قيد المعالجة حالياً. الهدف هو توسيع هامش صرف المساعدة المالية (ليس فقط الـ 60 مليون دولار التي لم تصرف بعد) بل إمكان توفير مساعدة إضافية، بهدف وضعها بتصرف الجيش، سواء لتأمين الغذاء والدواء والشراب للعسكريين أو إذا إقتضى الأمر تدعيم رواتبهم بمكافآت شهرية أو سنوية أو في ما يخص تأمين المحروقات وغيرها من المتطلبات الضرورية للمؤسسة العسكرية اللبنانية.

إقرأ على موقع 180  %10 يملكون 70% من ثروات أميركا.. و10% جائعون

بهذا المعنى، يُدرك الأميركيون أن الإنهيار الكبير يعني تحول حزب الله إلى قوة فعلية قادرة على الإمساك عسكرياً بمعظم الجغرافية اللبنانية (الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية الجنوبية ومعظم الشرايين الحيوية مثل طريق بيروت ـ الجنوب والبقاع ـ الجنوب وبيروت ـ دمشق). لذلك، على الجيش أن يكون قادراً على الإمساك بباقي الجغرافية اللبنانية من دون التصادم مع حزب الله (…).

رابعاً؛ الولايات المتحدة وحاكم مصرف لبنان:

لم تفاجىء زيارة ديفيد هيل ببرنامجها ومضمونها معظم الوسط السياسي اللبناني، بإستثناء الشق المتعلق بحاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة. تعمدت السفارة الأميركية في بيروت أن يتضمن البرنامج زيارة إلى سلامة وتلبية دعوة إلى الغداء. لماذا؟

هذه أوضح إشارة منذ 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 إلى حجم الإحاطة الأميركية لرياض سلامة وأن يتولى هذه “المرحلة الإنتقالية” (نحو ماذا؟). يقول الأميركيون إن دعمهم لسلامة “مطلق، لكن إذا تبين مستقبلاً أنه متورط في الفساد، لن نغطيه”. بهذا الكلام، يتجاوز الأميركيون كل ما يثار في الإعلام اللبناني والعالمي عن دور مصرف لبنان، فضلاً عن الدعاوى المرفوعة ضد حاكمه المركزي، سواء في سويسرا أو بريطانيا أو حتى لبنانياً. الأميركيون مقتنعون بفساد الطبقة السياسية اللبنانية برمتها “من دون إستثناء أحد”. يحمّلون مصرف لبنان والمصارف ما يسمونها “مسؤولية غير مباشرة”، من خلال تشجيع الطبقة السياسية على الإستمرار في فسادها، عبر تمويل العجز طوال ثلاثين سنة، ما أدى إلى تراكم الدين العام وإنهيار القطاع المصرفي وتطيير ودائع اللبنانيين.

ما لا يقوله الأميركيون علناً أن العنصر الأبرز هو عدم ثقتهم ببديل رياض سلامة. فأولاً، لا حكومة تعين هذا البديل. ثانياً، إذا توفر البديل، لن يكون مسموحاً أن يكون عضواً أو صديقاً أو محسوباً على التيار الوطني الحر. ثالثاً، ليس مسموحاً أن تؤول حاكمية مصرف لبنان ولو لساعة واحدة إلى النائب الأول للحاكم (أي إلى نائبه الشيعي).

يقود ذلك إلى الإستنتاج نفسه الذي تكوّن لدى جهات لبنانية منذ حوالي السنة تقريباً: الأميركيون يريدون حماية رياض سلامة بعد أن يحصلوا منه على “الداتا” كاملة (أي التدقيق الجنائي الجدي لإستخدامه لاحقاً بالطريقة التي تخدم مصالحهعم مستقبلاً)، ومن ثم يُصار إلى توفير “الخروج الآمن” له إلى إحدى الدول الأوروبية، برعاية أميركية كاملة.

خامساً؛ الولايات المتحدة وجبران باسيل:

عملياً، يعترف الأميركيون بأن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إستحق العقوبات بسبب “مماطلته” في موضوع التنصل من تفاهمه مع حزب الله. العقوبات سياسية بإمتياز. المعضلة التي تواجه باسيل أن “قانون ماغنيتسكي” له آليات قانونية تحتاج إلى وقت طويل. أثار الثلاثي إلياس بو صعب (ممثلاً باسيل شخصياً)، سليم جريصاتي وآلان عون مع ديفيد هيل في لقاء السفارة الأميركية في عوكر قضية العقوبات. لم ترشح معلومات دقيقة عن حوار الجانبين. لكن يمكن تسجيل الآتي:

– إعتماد سياسة الأبواب المفتوحة أميركياً بحذر، من دون تحديد ماهيتها أو المقصود منها.

– ليس ديفيد هيل هو المرجع الصالح للبت بالعقوبات لأنه على عتبة إنتهاء مهمته ولا صلاحيات لديه تخوله البت بموضوع بهذه الأهمية والحساسية، فضلاً عن أن هذا الملف ليس بعهدة وزارة الخارجية بل وزارة الخزانة الأميركية ولها آليات عملها ولا يمكن مراجعة أي مؤسسة غيرها في هذا الملف تحديداً.

– ثمة آلية إدارية وقانونية معروفة وقد قام باسيل بتوكيل أحد أكبر مكاتب المحاماة في الولايات المتحدة بمتابعة قضيته أمام القضاء الأميركي.

– ثمة آلية سياسية ولكنها تحتاج إلى مقاربة مختلفة. إذا نجح باسيل بإقناع الأميركيين بحيثياته السياسية، يمكن للإدارة الأميركية أن تشكل عنصر دفع بإتجاه تقصير المهل الزمنية للإجراءات الإدارية والقانونية والقضائية، ولكن ذلك لن يحصل، اياً كانت الإعتبارات، حتى الآن طبعاً، إلا بعد إنتهاء موعد الإنتخابات الرئاسية في خريف العام 2022، اي أن الأميركيين يريدون من باسيل أن يتصرف من الآن بوصفه خارج نادي المرشحين الرئاسيين في العام المقبل.

واللافت للإنتباه أن ديفيد هيل تناول نقطتين هامتين أيضاً؛ الأولى، ضرورة إجراء الإنتخابات النيابية “في موعدها”، أي في ربيع العام 2022؛ الثانية، عدم حماسة الولايات المتحدة لخيار التدويل نهائياً، وكان هيل صريحاً بإبلاغ موقفه هذا إلى البطريرك الماروني بشارة الراعي!

ماذا عن تجميد تعديل المرسوم 6433/2011؟ وما هو المقابل الذي حصل عليه رئيس الجمهورية مقابل “رميه في الجارور”؟ وكيف سيتصرف لبنان، وتحديداً قيادة الجيش اللبناني في المفاوضات المقبلة مع إسرائيل؟ وماذا إذا بدأ الإسرائيليون بإستخراج الغاز من حقل كاريش في مطلع الصيف المقبل؟ للبحث صلة.

 

Print Friendly, PDF & Email
حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  معارك إدلب: الجيش السوري يقرع "باب حلب"