حوار باباوات الفاتيكان مع اللبنانيين.. بالعربية!

دشّن لبنان مئويته الثانية، في ظل واقع لبناني مأزوم، سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً. هذه محاولة لمقاربة هذا التاريخ المئوي بأغلب محطاته، وكيف كانت نظرة الكنيسة الكاثوليكية ووصايا الباباوات.. أفضل دواء تاريخي للبنان الذي لم يأت بعد.

في ايار/مايو عام 1997 تكرّم قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بزيارة لبنان حيث وقّع الارشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان” واحسن اللبنانيون، قيادات وشعبا، وفادته بغبطة وحمْد، وقد لفَتَه ترحيب البعض به بلغات اجنبية متعددة، فكان أن لفتَهم الى وجوب إكرامه بلغتهم العربية الأم، هوية ولساناً، وخاطب الشبيبة اللبنانية قائلاً: “أسقِطوا كل جدران الخوف والتفرقة في ما بينكم ومواطنيكم من غير المسيحيين، وعودوا لبناء وطن كان لأجدادكم وابنائكم حلماً ونموذجاً، وسيبقى للعالم اجمع كما أسميته “وطن الرسالة”.

بعده زارنا البابا بندكت الثاني عشر عام 2012 وخاطب المستقبلين بالعربية: “سلامي اعطيكم”، ووصف العلاقة مع المسلمين بأنها “شراكة في الحياة والمصير وبناء المجتمع”.

مبدئياً، يرى الباحث في هذه اللفتات البابوية أمرين:

أولاً؛ دعوة مسيحيي لبنان الى صراحة الهوية والانتماء، والفخار بعربيتهم وعروبتهم. فاللسان خير مقومات القومية، والبابا بندكت “اقترح استخدام اللغة العربية في دوائر الكرسي الرسولي واجتماعاته”، وخلاصاً من “ازدواجية” ما تزال تلازمهم منذ ولادة لبنان الكبير 1920.

قد يبرر الباحث هذه الازدواجية الممتدة ربما الى زمن المتصرفية ضمن دولة عثمانية اسلامية، لكن بعد زوال السلطنة العثمانية، وولادة الجماعات والكيانات العربية بعد الحرب الكونية، وبعد ولادة لبنان الكبير عام 1920، والحاق مقاطعات وجماعات به لا لُبْس بعروبتها، كان من المفترض، مبدئياً وفي عصر القوميات، انتماء مسيحيي لبنان الى العروبة، بايجابياتها وسلبياتها، خصوصا وانهم كانوا من اوائل الفخورين بعروبتهم، والعاملين لاحياء اللغة العربية مقابل حركة التتريك العثمانية، وقبلها، وقد سجل العرب لهم، تاريخياً، هذه المأثرة.

وربما كان طبيعياً استئخار الافصاح المسيحي عن الانتماء العربي في ظل “حماية” الانتداب الفرنسي، رهاناً على مستقبليات ما، فذهب بعضهم الى ابتداع انتماء قومي خاص بلبنان يعود الى ايام الفينيقيين (مع ان هؤلاء من عرب الجزيرة العربية). ونادى آخرون بلبنان “اللبناني بذاته” دون كل محيطه، غافلين (خطأً او استعلاء وغروراً) عن ردود فعل شركائهم العرب الملحقين بهم قسراً بارادة فرنسية.

ثم كان رفْض عرب الملحقات اللبنانية، بغالبيتها الاسلامية، للانتداب الفرنسي كاستعمار، وللفروقات الطائفية في الحقوق والواجبات (ضرائب، اعفاءات واستثناءات) بين سكان لبنان القديم والجديد، الصغير والكبير، منبئة بصعوبة “لبننة الملحقات” خارج العروبة، فكان ما عُرف “الميثاق الوطني” الذي اشتهر باللاءات المتبادلة: “لا للوحدة السورية ولا للوصاية الفرنسية”، ونعم “للبنان ذي وجه عربي”، مع تشديد حكومة الاستقلال على الغاء الطائفية المدمرة في “ساعة قريبة”.. ومع ان “اللاءات لا تبني وطنا”، فكان من نِعَم الميثاق انه اوصل الى الاستقلال اللبناني عام 1943 بدعم وترحيب من الدول العربية، فكان لبنان من مؤسسي جامعة الدول العربية عام 1945.

حسناً فعلت عهود المارونية السياسية بالحفاظ بحكمة على المزاوجة بين اللبننة والعروبة باشكال متنوعة.. والحياد الايجابي بين الخلافات العربية، والصلح في ما بينهم، بديلا للتصعيد والهجْر في ساعات توتر

ومرت السنون حبلى بالاحلام والاوهام في عهود الاستقلال، وظل “الوجه العربي” للبنان مُرضياً للعروبيين ومطمْئناً للبنانويين (إن صحّ التعبير).

وبمختصر تاريخي مفيد نرى لبنان “الوجه العربي” مع بشارة الخوري مشاركا في معارك فلسطين (في المالكية 1947) وفي رعاية لاجئيها؛

ولبنان كميل شمعون “فتى العروبة الاغر” استضاف مؤتمر القمة العربية 1956، إلا أن شمعون حاول ضم لبنان إلى حلف بغداد المناوىء للوحدة، وفي المقابل، طمع “عروبيو” لبنان، في زمن الوحدة بين مصر الناصرية وسوريا البعثية؛ بتجاوز وجه لبنان العربي الى الاكثر، فكانت انتفاضة 1958 التي انتهت بلا غالب ولا مغلوب.

ولبنان الرئيس الاصلاحي فؤاد شهاب حافظ على سيادة لبنان العربي في لقائه الرئيس جمال عبد الناصر في الخيمة التاريخية التي نصبت مناصفة على الحدود اللبنانية – السورية.

ثم كان عهد شارل حلو امتدادا تنازليا لعهد شهاب، فتجاوز حرب 1967 بعدم الانخراط فيها، وتجاوز العرب عن حياده بسلامة لبنان من مضاعفاتها، حتى كانت ولادة الثورة الفلسطينية المسلحة وتمدد فصائلها الى لبنان، بمناصرة بعض اللبنانيين “العروبيين”، وعقد “اتفاق القاهرة” 1969 الذي سمح بالنضال الفلسطيني عبر الاراضي اللبنانية.

عموماً حسناً فعلت عهود المارونية السياسية بالحفاظ بحكمة على المزاوجة بين اللبننة والعروبة باشكال متنوعة.. والحياد الايجابي بين الخلافات العربية، والصلح في ما بينهم، بديلا للتصعيد والهجْر في ساعات توتر.

وثمة عقلاء مسيحيون نخبويون مقتنعون بوجوب الاعتراف بعروبة لبنان منذ ولادته، استمراراً لمسار التاريخ بعيداً عن استنباط البدع العرقية في القرن العشرين وعصر القوميات على طريق الانسانية الاممية، وهم مارسوا عروبتهم ولم يشعروا بغبن او خوف، فكانوا شهادات بينة لذلك، فلنتعظ.

هذا حتى كان “اتفاق الطائف” 1989، حيث عُرّب لبنان هوية وانتماء، جزءاً اصيلاً من الدول العربية.. وطناً نهائياً لكل بنيه.

ثانياً؛ المبدأ الثاني للتوصيات الفاتيكانية هو التوافق الداخلي، ووصف العلاقة مع المسلمين، على لسان البابا بندكت الثاني عشر، بأنها “شراكة في الحياة والمصير وبناء المجتمع”.

بداية يتفق اعيان لبنان السياسيون التاريخيون على اختلاف مشاربهم مع أحبار الفاتيكان بقولهم إن لبنان الطائفي هو “لبنان التوافقي بامتياز”، فلا يجوز ان يُقرّر أمر مصيري فيه الا بالتوافق الطوائفي، واستطراداً وُلد، عُرفاً، ما عرف “الفيتو الطائفي” برفض اي طائفة، عبر ممثليها الدينيين او الدنيويين، اي قرار مصيري عام فيلغيه.

في هذا الباب استحضر من التاريخ  اللبناني حدثاً دستورياً عام 1973، من عهد الرئيس سليمان فرنجية، وهو هام جداً بعبرته وحكمته عن الوفاق اللبناني الراقي المسؤول وطنياً.

يومها كانت الصلاحيات الرئاسية المارونية شبه مطلقة، حتى كاد رئيس الحكومة المسلم يعتبر (باشكاتب). وبحظوة الرئيس فرنجية السورية، وفروسيته العشائرية في آن، اصطدم بتجاوزات الفلسطينيين في لبنان، واستخدم الطيران في قصف مخيماتهم (1973)، فاستقالت الحكومة برئيسها رشيد كرامي احتجاجاً، وساندته دار الفتوى الاسلامية، وتعذر على رئيس الجمهورية اختيار احد اعضاء ما عُرف لاحقا “نادي رؤساء الحكومة” لتشكيل الحكومة، فاختار من خارجهم النائب الطرابلسي امين الحافظ، وشكل حكومته وسط البلبلة السياسية الطائفية المحتجة على سلطوية الرئيس فرنجية.

الحياد اللبناني ونزع سلاح المقاومة والتقارب مع الكيان الاسرائيلي شعارات خلافية لا توحيدية، واللبنانيون الجنوبيون بخاصة كـ”المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين”، او “من جرّب المجرّب كان عقله مخرب” الخ

بالمختصر المفيد، انعقدت جلسة الثقة في 12 حزيران/يونيو 1973، بمقاطعة طائفة المسلمين السنة: سياسيين ودار افتاء، وكان النصاب مكتملاً بحضور 61 نائباً من 99؛ والثقة مضمونة عددياً ولو بغياب اقطاب السنة، ولكن اقطاب الموارنة الحكماء: كميل شمعون، ريمون اده، بيار الجميل، سألوا من الخارج عن حضور النواب صائب سلام ورشيد كرامي وغيرهم؟ فافيدوا بغيابهم عن الجلسة، فسحبوا كتلَهم من الجلسة لغياب “الميثاقية” – كما قال شمعون، كي لا يسجل اول انقسام نيابي طائفي: مسيحي حيال سني، وبعدها استقالت حكومة الحافظ دون مثولها امام المجلس، فكانت العبرة بهذا الموقف الوطني الحكيم المسؤول في زمن الصلاحيات الدستورية المطلقة للمارونية السياسية، فهل نتعظ اليوم؟

التباس صلاحيات الرؤساء يعجز عن  تفسيره جهابذة الراسخين في العلم، فالدستور “كتاب” صامت ويستنطقه قرّاء حكماء.

وبعد، لنلقِ ضوءاً على طروحات بعض اللبنانيين بين وصايا الامس التوافقية الفاتيكانية وواقع اليوم، فنرى ان بعض النخب في لبنان طرح مؤخراً، أفراداً (شخصيات وزعامات) وجماعات (احزاب طوائفية)، شعارات خلافية مصيرية كبرى، خلافاً لتوصيات الفاتيكان، دون اي تنسيق مسبق او تفاهم مع الآخر الطائفي. مثال: الحياد الدولي للبنان بنسخ متعددة: ايجابي، فاعل، نشِط، تدويل الازمة اللبنانية بصيغة مؤتمر دولي حول لبنان، فدرلة لبنان بسبب صعوبة التعايش السياسي الطائفي معاً، وجود المقاومة وشرعية سلاحها لمواجهة خطر اسرائيل، لا مانع من اجراء الصلح مع اسرائيل ولو بشروط، لا عداء ايديولوجياً بين لبنان واسرائيل، هذا إلى حد طرح التطبيع المبطّن بين البلدين العدوين، من خلال طرح استثمار المكامن النفطية المشتركة بين لبنان واسرائيل عبر شركة نفطية ثالثة.. وربما تتوالد مثل هذه الافكار بعد وبعد لاحقاً.

مبدئياً، لا أحد يرفض هذه الافكار بالمطلق، وفي طليعتها الحياد، ولا احد  يكره الحياد في عالم متفجر بالحروب، ولا احد يندفع الى الموت مجاناً إن لم يكن لمقاومة غاز محتل، تعذّر السلام معه، ولمّا كان نصيب لبنان ان يكون من امة عربية منكوسة اُخرجت للناس، وجزءاً لا يتجزأ منها هوية وانتماء، وطناً نهائياً لجميع بنيه، ولمّا وقع لبنان ايضاً في منطقة شؤمٌ طالعها ومهتز فالقها، استعمرتها تركيا قروناً اربعة، ثم استهدفتها الدول الكبرى، بعد حروب عالمية، بالاستعمار والاستيطان والاغتصاب، دونما ادنى مسوّغ سوى موازين الضعف العربي؛ فبعد تقسيم العالم العربي بموجب اتفاقية سايكس – بيكو الانكليزية – الفرنسية، دويلات مصطنعة بذرائع أديانٍ ومذاهب واقوام، زرعت في قلبه كياناً مصطنعا بمزاعم تاريخية اسطورية (الكيان الاسرائيلي) ليكون قاعدة عسكرية للغرب، استُجلِب لها شعب، وهُجّر شعبها الفلسطيني وشُرد في اصقاع الارض، فكانت هبة ممن لا يملك لمن لا يستحق. هذا ويطلب من اصحاب الارض الفلسطينبين، ومن امة العرب المهيضة الجناح نسيان هذا الاغتصاب على فظاعته، وهو حدث غير مقبول لا انسانياً ولا قومياً ولا اخلاقياً ولا دولياً ولا فاتيكانياً.

إقرأ على موقع 180  ترامب ومدفعية الإعلام المعولم الثقيلة

ان ما يلفت الإنتباه في الطروحات اعلاه نخبوية طارحيها، المدركين لمصيريتها وتعذر تطبيقها لاستحالة التوافق الطوائفي عليها، فهل يستوي المجاورون للخطر الاسرائيلي والبعيدون عنه؟ “واللي بياكل العصىّْ مش مثل اللي بيعدها”، وخير مثال ما قاساه الجنوبيون اللبنانيون، بشراً وحجراً، من الاعتداءات الصهيونية طوال نصف قرن وما ينوف. لكل ذلك تصبح شعارات: الحياد اللبناني ونزع سلاح المقاومة والتقارب مع الكيان الاسرائيلي شعارات خلافية لا توحيدية، واللبنانيون الجنوبيون بخاصة كـ”المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين”، او “من جرّب المجرّب كان عقله مخرب” الخ، يخشون حل المقاومة الوطنية (اسلامية او غيرها) دون بدائل مطمئِنة، ولا يغير في الامر التخويف من غطرسة العسكرية الاسرائيلية، او ما ظهر من العرب من رِدّة وعجز وارتهان وخذلان امام اسرائيل وتطبيع معها، الخ. فمبادئ الامم المتحدة تتولى بالرعاية والحماية قضايا الشعوب المحقة والسلام العادل، ولو بعد حين، فإن كان اليوم خمر فغداً أمر، ولا يضيع حق وراءه مُطالب مهما تقادم الزمان، فمن اقدارنا العربية الخروج مرة من احتلال الاندلس، وإخراج الصليبيين مرة من بلادنا بعد مئات من السنين وإخراج الاحتلال الإسرائيلي مدحوراً عام 2000 بعد عشرين سنة مقاومة وآلاف الشهداء والجرحى.

ثم ان موافقة اسرائيل على هذه الطروحات السلمية غير مضمونة قولاً وفعلاً، ولا يؤمن جانبها واطماعها بالجنوب اللبناني ومياه الليطاني غير خافية واصرار طارحيها عليها يبعث على التساؤل والشك، ولن نذهب الى ابعد.

ومبدئياً، ليس ما يمنع اللبنانيين من استيلاد الافكار الخلّاقة لتطوير اوضاعهم السياسية، لكن للامر مقاديرَ ومحاذير، فما يتناساه الواحد يذكره الاخر ويتمسك به، والأوْلى بان تحظى الطروحات السياسية باجماع ميثاقي بين المكونات اللبنانية قبل كل شيء، فتُطرح الشعارات اعلاه، بين عقلاء الامة لا بين غوغائها، على طاولة مستديرة خاضعة للمفاوضات، والاخذ والرد وتدوير الزوايا، لا على الشاشات التلفزيونية، حتى اذا ما ظهر التوافق حولها تعلَن للعامة بشبه استفتاء، وإن لم تلق القبول تعلّق وتؤجل لتولد ظروفها، فنتفادى انقساماتها المجانية. هذا لا أن تطرح الامور مباشرة للعامة، في عصر الفيسبوك والسوشل ميديا.. حيث سريعا ما تتناولها دهماء الطوائف بالاصطفافات العشوائية الحزبية العصبوية العدائية: مع وضد؟ فيتعطل العقل وتحضُر الاعصاب، وتنعدم امكانية التفاهم والتوافق، ويُجهَض الشعار قبل ولادته ويزداد تفكك “المجتمعات” الطوائفية اللبنانية (الفدرالية غير المعلنة)، بدل توحيدها.. والبلد “مش ناقصو”.

البابا فرنسيس لم ينادِ باي من الشعارات  السياسية التي شاعت مؤخراً في لبنان، من الحياد او التدويل او التقارب مع اسرائيل المغتصبة للارض الفلسطينية. ولهذا دلالاته ورؤاه، فلبنان البابا فرنسيس هو وطن الرسالة

ثم ليعلم المهتمون أن الوصول الى الفدرالية قد ينهي الكيان بدل اراحته، فهل تساءل هؤلاء عن راي الشريك الاخر المستغرق بالصمت الناطق حول طروحات الفدرلة، فرفْضُها يساوي “الفيتو” السياسي دستورياً، وطرْح بديل لها قد يعيدنا، وبالتاكيد، الى ذكريات ما قبل ولادة “لبنان الكبير” 1920، فتُحيى بعد نسيان. فملحقات لبنان (لمن لا يعلم) سلخت قسراً من “ولاية بيروت” او من “ولايات سوريا” واُلحقت بلبنان.. وكانت طروحات 1920 تتراوح ما بين الوحدة السورية او الفدرالية السورية – اللبنانية برضى ضمني فرنسي، او لاحقا بفدرالية بين جبل عامل ولبنان، او بين الساحل والداخل اللبنانييْن، ولم تهدأ هذه الطموحات الا بعد “الميثاق” والاستقلال 1943، فلصالح من “الحركشة بعش الدبابير”؟

 تقديري ان هؤلاء يضعون “العربة قبل الحصان”، فيضعون الهدف “المرتجل”، خلافاً للتاريخ وعِبَره، ثم يجتهدون نظرياً لدعم احلامهم، فهلّا قرأوا تاريخ “القائمقاميتين” مثالا، ومجازرها الطائفية، فكيف بـ”قائمقاميات” واي سياسة خارجية او دفاعية (خلافية) لهذه الفدرالية؟

يجيب بعضهم (الدكتور في العلوم السياسية هشام بو ناصيف، والناشط السياسي اياد بستاني) بكونفدرالية طوائفية من 4 كانتونات شبه مستقلة و«تقرير كل مكوّن لبناني لأسلوب الحكم الذاتي الذي يريده»، وفي ذلك استحضار لتجارب سياسية اوروبية “مطعْوجة حسب الرغبة الشخصية اللبنانية”، طارحين “كونفدرالية لبنان” حيث لكل كانتون ان يصوغ سياساته وعلاقاته الخارجية (سلماً ام حرباً) بمعزل عن الآخر، حتى لتصبح الكانتونات دويلات متصارعة قبل ان تولد.. وافرح يا لبنان بهذا “الخطأ الشائع” المستنبط من بنات افكار نخب عالمة، تجهل، على الأرجح، مفاعيل التاريخ والاجتماع والانتربولوجيا.

اليوم، وبعدما تابع قداسة البابا فرنسيس طروحات المسيحيين الاخيرة، بعد توصيات سابقيه، ارتاى دعوة بطاركة لبنان من كل المذاهب في 1 تموز/يوليو 2021 للصلاة من اجل لبنان وديمومته واستقراره (واحداً موحداً)؛ وبعد ان اطلع، طوال نهار كامل، مستمعاً اكثر منه متكلماً – كما نقل البطريرك بشارة الراعي – على كل رؤى بطاركة لبنان، كان خطابه خلاصة هذا المؤتمر العياني.

واللافت المعبّر ان البابا فرنسيس لم ينادِ باي من الشعارات  السياسية التي شاعت مؤخراً في لبنان، من الحياد او التدويل او التقارب مع اسرائيل المغتصبة للارض الفلسطينية. ولهذا دلالاته ورؤاه، فلبنان البابا فرنسيس هو وطن الرسالة. وطن التعددية في الوحدة لا الكونفدرالية. وللتوثيق نقتبس بعض فقراته الحكيمة:

  • “لبنان وطن رِسَالَة” “هُيَ أنْ يَكُونَ أرْضَ تَسامُحٍ وَتَعَدُدِيَّة، وَواحَةَ أُخُوَّةٍ تَلْتَقِي فِيها الأدْيانُ والطَوائِفُ المُخْتَلِفَة، وَتَعِيشُ فِيها مَعًا جَماعاتٌ مُخْتَلِفَة، وَتُفَضِّلُ الخَيْرَ العام علَى المَصَالِحِ الخاصَة.”
  • للبنانيين “أنْ نَبْقَى مُتَحِدِين. مَعًا، مِنْ خِلالِ اسْتِقامَةِ الحِوار أيُّها الإخِوَةُ والأخَوات، فَلتَخْتَفِ لَيْلَة الصِّراعاتِ وَلْيُشْرِقْ مِنْ جَديد فَجْرُ الأَمَل. لِتَتَوَقَّفْ العَداوات، وَلْتَغْرُبْ النِزاعات، فَيَعُودَ لبنانُ إشْعاعًا لِنورِ السَّلام”!
  • “نحْنُ المَسِيحيِّين مَدْعُوونَ لأن نَكون زارِعِي سَلامٍ وَصانِعي أُخُوَّة، وأَلَّا نَعِيشَ علَى أحقادِ الماضي والتَحَسُّر، وأَلَّا نَهْرُبَ مِنْ مَسؤُولياتِ الحاضِر. نُؤَكِدُ لإخْوَتِنا وأَخَواتِنا المُسْلِمينَ وَمِنَ الدِياناتِ الأُخْرَى الانْفِتاحَ والاسْتِعْدادَ لِلتَعاوِنِ لِبِناءِ الأُخُوَّةِ وَتَعْزِيزِ السَّلام. السَّلام “لَيْسَ فِيهِ غالِبونَ وَمَغْلُوبون، بَلْ إخْوَةٌ وأَخَوات، يَسِيرونَ مِنَ الصِّراعِ إلى الوَحْدَة، رَغْمَ سُوءِ التَفاهُمِ وَجِراحِ الماضي”.
  • كَفَى أنْ يَبْحَثَ عَدَدٌ قَليلٌ مِنَ الناسِ عَنْ مَنْفَعَةٍ أنانِيَّة علَى حِسابِ الكَثيرين”! كَفَى أنْ تُسَيْطِرَ أَنْصافُ الحَقائِقِ علَى آمالِ الناس”.. “اننا وَحْدَنا لا نَسْتَطيِعُ أنْ نَخْلُص”.
  • “لمْ نَشْهَدْ لِلإنْجِيلِ بِصُورَةٍ كامِلَة.. وَرَأَيْنا الفُرَصَ الضائِعَة علَى طَريقِ الأُخُوَّةِ والمُصالَحَةِ والوَحْدَةِ الكامِلَة”.

لا اكتب هذا البحث انتهازاً لاحراج فريق لبناني امام اخر، انما لاقتناعي بفساد القرن الاول من عمر “لبنان الكبير” الطائفي – الطبقي في آن وأيضاً لإقتناعي بوصايا الباباوات الحكيمة علاجاً تاريخياً للبنان المستقبل

ان الباحث الملتزم “بلبنان وطنا نهائيا لجميع بنيه” يرى مواقف الباباوات موضوعية واقعية تاريخية خير حافظ للبنان ومصلحته العامة لا الشخصية. فبعد الاقرار بعروبة لبنان الحضارية (اتحاداً لا اندماج وذوبان ولا عداء ولا استعداء)؛ لا لانصاف الحقائق السياسية والاجتماعية الملائمة لفريق دون الاخر، ولا لتباعد الشركاء بل لمزيد من الاقتراب والتمازج والتعايش ليزدهر لبنان كما كان.

يقول البابا يوحنا بولس الثاني: “أسقِطوا كل جدران الخوف والتفرقة في ما بينكم ومواطنيكم من غير المسيحيين، وعودوا لبناء وطن كان لأجدادكم وابنائكم حلماً ونموذجاً. لا خلاص لفئة دون الاخرى ولا لمصلحة قلة على حساب كثرة.. لا سلام مع الاصوليات الدينية اسلامية ومسيحية (اي العصبيات الطائفية)”.

أخي اللبناني؛

انا لا اكتب هذا البحث انتهازاً لاحراج فريق لبناني امام اخر، انما لاقتناعي بفساد القرن الاول من عمر “لبنان الكبير” الطائفي – الطبقي في آن وأيضاً لإقتناعي بوصايا الباباوات الحكيمة علاجاً تاريخياً للبنان المستقبل، وعلى اللبنانيين العاقلين العمل بها، وعلى فريق منهم ان يبدأ، واوْلاهم واولهم المسيحيون، على ان يتبعهم المسلمون المقتنعون بها، او بدعوة اسلامية مماثلة متوخاة، وتأخير الحكمة الاسلامية إدانة لها لا ذريعة للتنصل من الحكمة البابوية الرسالية، ولبنان الواحد الموحد، بنظام المواطنة والعدالة والمؤسسات.

Print Friendly, PDF & Email
محمد بسام

أستاذ جامعي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الرئيس القوي