فرنسا تتأرجح بين مصلحة لبنان.. والوصاية عليه! 

يعمل الفرنسيون على تحضير مؤتمر عالمي افتراضي جديد مخصص للبنان، قبل نهاية هذا الشهر، لمتابعة ما تقرر من دعم انساني أقر في مؤتمر مماثل عقد في كانون الأول/ديسمبر الماضي. ويقدر محضرو المؤتمر الحاجات الجديدة الملحة بنحو ٣٠٠ مليون دولار.

يُصر الفرنسيون على أن أي مبلغ للحاجات الانسانية لن يُصرف الآن عبر الحكومة اللبنانية، بل مباشرة للجهة المحتاجة بأساليب مختلفة أو عبر منظمات غير حكومية (إن جي أوز)، علماً بأن بعض التجارب على هذا الصعيد لا تشي بحصول فرق جوهري كما يريد الفرنسيون ومعهم دول أخرى كارهة للقنوات الرسمية اللبنانية المتهمة بالفساد او الهدر. فهي، تنتقل من تحت الدلفة الى تحت المزراب، إذ  تتبرع بمبالغ لمشاريع يتضح أحياناً انها وهمية أو غير مؤثرة تثري القيمين على تلك المنظمات والجهات غير الرسمية قبل غيرهم.

لا يمكن لوم الفرنسيين وغيرهم بعدما جنت براقش على نفسها. فالفساد الحكومي اللبناني تجذر في نظام محاصصة تأسس في فترة التسعينيات ثم تمدد لاحقاً بكل اتجاه غازياً بغرغرينا مستشرية في معظم مفاصل الدولة. واقع مرير لا يشجع أي مانح أو مقرض على مغامرات جديدة يذهب ريعها الى جيوب المتسلطين الماسكين بأصول البلاد وفروعها السياسية والادارية والاقتصادية والمصرفية والمالية وحتى الإجتماعية منها.

في المقابل، لا يمكن تنزيه الفرنسيين عن سبر أغوار المصالح، بدليل ان وفد تجمع شركات فرنسا (ميديف) الذي زار لبنان مؤخراً طرح افكار مشاريع بما قيمته ١٠ الى ١٥ مليار يورو (١٢-١٨ مليار دولار). ووسع “بيكار” المصلحة لتتجاوز اعادة اعمار مرفأ بيروت الى طرح مشروع عملاق للمدينة بأسرها تحت عنوان “بيروت المستدامة”، يشمل تطوير الخدمات الأساسية مثل المدارس والمستشفيات، بالاضافة الى قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل الحضري وحماية التراث. وأعين الفرنسيين تغمز من قنوات تمويل تتيحها مؤسسات دولية وصناديق استثمار عالمية وبالتعاون مع البنك الدولي.

فهم الفرنسيون من الحكومة اللبنانية ان ما سيحصل عليه لبنان من صندوق النقد سيُقتطع منه ٢٠٠ مليون دولار للفقراء، و٢٠٠ مليون للقطاع الصحي والاستشفائي ومكافحة كورونا. والباقي، أي ٥٠٠ مليون دولار، يذهب الى احتياط العملات الأجنبية في مصرف لبنان

يقدم الفرنسيون انفسهم على انهم أولى بالمعروف ولا يتوانون عن تكرار تاريخية العلاقة المميزة في مدى 800 سنة والالتزام الفرنسي بلبنان ومسيحييه منذ الملك لويس التاسع (طوب قديساً) الذي أمضى في لبنان 4 سنوات بين عامي  1250 و1254. ولا يعبأون كثيراً بتغير المشهد، ويستخفون بمنافسة دول أخرى مثل الصين التي يعتبرون، بحسب معلوماتهم، انها غير مهتمة بلبنان بالنظر الى تعقيدات يفضل الصينيون عدم الغوص بها. اما الألمان فلا يرى الفرنسيون تنافساً معهم مؤكدين أن المشروع الألماني الذي قدم لتطوير مرفأ بيروت والمنطقة المحيطة بها لا يستبعد المشاركة الفرنسية الأساسية فيه (هناك وفد ألماني حالياً في بيروت لهذه الغاية أيضاً).

أما العرقلة في الدهاليز اللبنانية فلا تغيب عن ذهن الفرنسيين، ويحاول “ميديف” الظهور بمظهر اللامبالي كثيراً مدعياً امكان العزوف عن أي مبادرة وعدم الدخول بأي مشروع لأن لدى شركات التجمع ما يكفي من الأعمال حول العالم ويغنيها عن لبنان. أما واقع الحال فهو عبارة عن معادلة عصا وجزرة لم تعد خافية على أحد، بموازاة التلويح بعقوبات تطال سياسيين لبنانيين بحجة انهم يعرقلون تشكيل حكومة لبلدهم.

الى ذلك، يزور لبنان هذا الشهر أيضاً وزير فرنسي مفوض بشؤون الشرق الاوسط، ووفد من مجموعة الصداقة الفرنسية اللبنانية في مجلس الشيوخ الفرنسي، بعدما كانت بيروت استقبلت السفير بيار دوكان المكلف بتنسيق المساعدات الدولية للبنان ومتابعة تنفيذ مقررات مؤتمر “سيدر”.

ويحرص مندوبون يمثلون الأليزيه على سؤال الجهات اللبنانية المعنية عن خطط صرف مبلغ الـ ٩٠٠ مليون دولار التي سيحصل عليها لبنان من صندوق النقد الدولي في ايلول/سبتمبر المقبل، مهددين ـ على نحو غريب ـ بعرقلة حصول الحكومة على ذلك المبلغ بحجة العين الساهرة على عدم تبديد الاموال مجدداً في سبل الفساد التي بات الفرنسيون يرونها في زاوية كل ادارة او وزارة لبنانية. وقد لا يدخل ذلك التهديد الا في باب ما تتهم به فرنسا من جهات محلية نافذة، مثل حزب الله، بأن الوصاية على لبنان تدغدغها مجدداً.

وفهم الفرنسيون من الحكومة اللبنانية ان ما سيحصل عليه لبنان من صندوق النقد سيُقتطع منه ٢٠٠ مليون دولار للبطاقة التمويلية المخصصة للفقراء، و٢٠٠ مليون للقطاع الصحي والاستشفائي ومكافحة كورونا. والباقي، أي ٥٠٠ مليون دولار، يذهب الى احتياط العملات الأجنبية في مصرف لبنان. ومن النقطة الأخيرة يتوجس الفرنسيون، فثقتهم بالحاكم رياض سلامة تساوي صفراً أو دون ذلك.

وتحت عنوان منع الطبقة السياسية (الفاسدة) من “تشبيح” المال عشية الانتخابات النيابية لزيادة حظوظها في شراء الذمم، تتجلى مجدداً الرغبة الفرنسية الدفينة بالوصاية في تهديد مبطن بايقاف تحويل مبلغ صندوق النقد الى لبنان بمساعدة جهات دولية أخرى موافقة على “الحجر المالي”، ما تفسره جهات محلية بالانتهاك الصارخ لسيادة لبنان على حق دولي من حقوقه.

إقرأ على موقع 180  قطر للإيرانيين: إستغلوا عامل الوقت قبل فوات الأوان!

 بيد أن فساد السياسيين اللبنانيين او فشلهم وسوء ادارتهم للأزمة لم يترك للصلح مطرحاً. وبات العجز البنيوي مستفحلاً لدرجة  اورثت خسائر متراكمة تقدر حتى الآن بنحو ٥٠٠ مليار دولار وفقاً للرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود. والمقصود بتلك الخسائر ما هو مباشر وغير مباشر، بين سابق ولاحق ومستدام الفقدان، في القطاع العام ومصرف لبنان وقطاعات المصارف والعقارات والمصانع والمزارع والفنادق والمرافق السياحية والترفيهية والثقافية والخدمات فضلاً عن تقهقر الليرة بأكثر من ٩٠ في المائة من قيمتها وهبوط الناتج من 54 مليار دولار الى 19 ملياراً فقط، والحبل على جرار الانهيار.

ماذا يعلم الفرنسيون عن قانون الانتخاب المفصل على قياس الديناصورات الطائفية التي لا تنقرض لمجرد اتهامها بالفشل والفساد؟ أو لمجرد انها خيّبت ظنون الرئيس ايمانويل ماكرون بتحقيق هدف سهل عشية انتخاباته الرئاسية الصعبة العام المقبل

لا يريد الفرنسيون اعطاء الطبقة الحاكمة فرصة التنفس بأي اوكسجين مالي ممكن عشية الانتخابات النيابية المزمع عقدها أوائل الربيع المقبل. ويرغبون باسقاط اكبر عدد ممكن من رموز تلك الطبقة معولين في ذلك على جماعات يعتقدون بقليل من الواقعية وكثير من الاستسهال انها البديل الجاهز للجمهورية الجديدة. وهنا نتحدث عن منظمات غير حكومية وشخصيات مستقلة وربما احزاب وجهات قائمة موالية لفرنسا وفسادها مصنف “لايت”!

يراود الفرنسيون حلم “صنع لبنان الجديد” بعدما تيقنوا ان لبنان الماضي لم يعد موجوداً، ويبذلون جهوداً لاعادة صياغة سياسية اقتصادية جديدة لبلاد الأرز. ولذلك يحاولون التركيز على مساعدة اللبنانيين في هذه المرحلة بعيداً عن حكامهم. لكن من هم هؤلاء اللبنانيين؟ ما “بروفايلهم”؟ ماذا عن انتماءاتهم؟ ما مشاريعهم السياسية ورؤاهم الاقتصادية؟ ما عمق تمثيلهم في النسيج الطائفي المتجذر المحبط لأي مشروع مدني علماني جمهوري على الطريقة الفرنسية؟

وبين الأسئلة أيضاً: كيف سيدير الفرنسيون العلاقة مع حزب الله تحديداً وهو الرافض للوصاية الغربية ويفضل عليها التوجه شرقاً عموماً والى طهران خصوصاً؟

وماذا يعلم الفرنسيون عن قانون الانتخاب المفصل على قياس الديناصورات الطائفية التي لا تنقرض لمجرد اتهامها بالفشل والفساد؟ أو لمجرد انها خيّبت ظنون الرئيس ايمانويل ماكرون بتحقيق هدف سهل عشية انتخاباته الرئاسية الصعبة العام المقبل، وهو المسؤول الأول عن إعادة تعويم أكباش الطوائف غداة إنفجار مرفأ بيروت، قبل سنة من الآن.

وهل سمع الفرنسيون دهاقنة السياسة في لبنان الساخرين من اي تدويل، والمستعدين لشحذ السكاكين في وجه من يجرؤ على طرحه، وهم الأكثر علماً واحاطة بدروس افشال مشاريع تدويل سابقة منذ الخمسينيات الى اليوم؟

أمام هذه المرآة العاكسة لقتامة المشهد، لا يمكن الا التسليم بواقع يبدو فيه سياسيون وزعماء طوائف يأخذون الناس رهائن في بوسطة بلا فرامل على سفح منحدر نحو مهوار، حتى لو وصلت بهم المغامرة الى تحدي دول يريدون منها مالاً مجرداً من أي وصاية أو شروط تغير وجه لبنان ونظامه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

(*) راجع التقرير المرفق “تهديد فرنسي بمنع وصول 900 مليون دولار إلى لبنان”

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  مقتلة المُدرس الفرنسي تتفاعل.. الجمهورية العلمانية على المحك