بن لادن.. عندما غيّر العالم بشكل كارثي (1)

نشرت "فورين أفيرز" دراسة شاملة أعدتها الباحثة الأميركية المتخصصة في الحركات الجهادية نيللي لحود التي سيصدر لها قريباً كتاب بعنوان "أوراق بن لادن"، تعرض فيها لتطور عمل الحركات الجهادية المرتبطة بتنظيم "القاعدة" منذ لحظة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 حتى يومنا هذا. في ما يلي الجزء الأول من الدراسة:

“في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، نفذ تنظيم القاعدة الهجوم الإرهابي الأكثر دموية على الإطلاق الذي تتعرض له الولايات المتحدة من الخارج. بالنسبة لأسامة بن لادن، والعناصر الآخرين الذين خططوا لذلك الهجوم، لم يكن الأمر مجرد عمل إرهابي. كان الهجوم بالنسبة إليهم يمثل شيئا أعظم بكثير: إطلاق حملة عنف ثوري من شأنها أن تُبشر بعصر تاريخي جديد. فبالرغم من أن بن لادن كان شخصاً يبدو وكأنه يتصرف بواعز ودوافع دينية خالصة، إلاَّ أن أهدافه كانت جيوسياسية. لقد كانت مهمة “القاعدة” تقويض النظام العالمي المعاصر للدول القومية وإعادة إنشاء “الأمة” التاريخية، المجتمع العالمي الذي كان يجمع المسلمين ذات يوم على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم تحت سلطة سياسية واحدة. اعتقد بن لادن أنه يستطيع تحقيق هذا الهدف من خلال توجيه ما وصفه بـ”الضربة القاضية” التي ستُجبر الولايات المتحدة على سحب قواتها العسكرية من الدول ذات الأغلبية المسلمة، مما يسمح للجهاديين بمحاربة الأنظمة الاستبدادية في تلك الأماكن وبحيث يكون للجميع فرصة عادلة ومتساوية للنجاح.

وثائق بن لادن

التفاصيل الخاصة برؤية بن لادن للعالم وما كان يخطط له من وراء هجمات 11 أيلول (سبتمبر) ظهرت في وثائق تحوي فحوى الاتصالات الداخلية التي كان يجريها بن لادن مع جماعته وقد تم جمعها في أيار (مايو) 2011، عندما قتلت قوات العمليات الخاصة الأميركية بن لادن في غارة شنتها على مُجمع في مدينة “أبوت آباد” الباكستانية، حيث قضى سنواته الأخيرة مختبئاً. في السنوات التي تلت ذلك، رفعت الحكومة الأميركية السرّية عن بعض الوثائق، لكن الجزء الأكبر منها ظلَّ في حوزة دوائر الاستخبارات حصراً.

“القاعدة” غيَّرت العالم.. ولكن ليس بالطريقة التي توقعتها

في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، رفعت وكالة الاستخبارات المركزية CIA السرّية عن 470.000 ملف رقمي إضافي، بما في ذلك مقاطع فيديو وتسجيلات صوتية وصور ورسائل ونصوص بعضها مكتوب بخط اليد. بالتعاون مع اثنين من مساعدي باحثين، تصفحت أكثر من 96000 من هذه الملفات، بما في ذلك ما يقرب من 6000 صفحة من النصوص العربية التي تشكل سجلا للاتصالات الداخلية الخاصة بـ”القاعدة” بين عامي 2000 و2011، والتي قضيت السنوات الثلاث الماضية في تحليلها. تتكون هذه الوثائق من مذكرات لبن لادن، ومراسلاته مع شركائه، ورسائل كتبها له أفراد من عائلته، ومذكرة من 220 صفحة مكتوبة بخط اليد وتحتوي على نصوص نقاشات عديدة مختلفة جرت داخل مجمع “أبوت آباد” بين أفراد عائلة بن لادن المقربين جدا خلال فترة الشهرين الأخيرين اللذين سبقا مقتله. تقدم الوثائق لمحة فريدة لا مثيل لها عن “فكر بن لادن”، وتقدم صورة مشهدية عن “الحرب على الإرهاب” الأميركية كما كان يتخيلها الهدف الرئيسي لتلك الحرب (بن لادن).

تاريخ التنفيذ في 11 أيلول (سبتمبر) سبقته عقود قضاها بن لادن يفكر في كيف يمكن شن هجوم نوعي على أراضي الولايات المتحدة. وبعد سنوات عديدة من التنفيذ، وأثناء محادثاته مع أفراد عائلته المقربين، استرجع بن لادن كيف كان يفكر ويخطط لهجمات 11 أيلول (سبتمبر). كشف لهم أنه في العام 1986، اقترح لأول مرة فكرة ضرورة “أن يضرب الجهاديون داخل أميركا” انتقاماً للمحن التي يعاني منها الفلسطينيون. فبرأي بن لادن، الدعم الأميركي هو الذي سمح بإقامة دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية. كان اهتمام بن لادن بالفلسطينيين حقيقياً. وكثيراً ما ذكَّر رفاقه وأتباعه بأن “إعلان جهادنا” كان بسبب معاناة الفلسطينيين. لكن الفلسطينيين غالباً ما شكلوا البديل المناسب لقضايا المسلمين في جميع أنحاء العالم، والذين صورهم بن لادن على أنهم ضحايا للاحتلال والقمع الأجنبي.

كسر الخوف!

في بيان “إعلان الجهاد”، الذي أدلى به في العام 1996، والذي أصبح معروفاً بين الجهاديين باسم “رسالة الرسول بولس لادينس” أو “رسالة لادن”، أبدى بن لادن “حزنه” على المسلمين الذين “أُريقت دماؤهم” في أماكن بعيدة مثل الشيشان والعراق وكشمير والصومال. وقال: “إخواني المسلمين في العالم، إخوانكم في أرض الحرمين وفلسطين يدعونكم للمساعدة، ويطلبون منكم المشاركة في القتال ضد العدو، عدوكم، ضد الإسرائيليين والأميركيين”. كان بن لادن يأمل أن تكون هذه المعركة الجماعية هي الخطوة الأولى على طريق إعادة إحياء “الأمة”.

بن لادن لم يتوقع أبداً أن تخوض الولايات المتحدة الحرب رداً على هجمات 11 أيلول (سبتمبر)

وسُرعان ما أصبح واضحاً أن بن لادن مستعد لدعم أقواله بالأفعال. ففي عام 1998، نفذت “القاعدة” تفجيرات متزامنة استهدفت سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، ما أسفر عن مقتل 224 شخصاً وإصابة أكثر من 4000. وبسبب الاهتمام الدولي الواسع الذي حظيت به تلك الضربات، أصبح بن لادن أكثر طموحاً. ففي 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2000، استهدف تنظيم “القاعدة” المدمرة الأميركية USS Cole “يو. إس. إس- كول”، بزورق متفجر اصطدم بها عن قصد بينما كانت تتزود بالوقود في ميناء عدن في اليمن. أسفر الهجوم عن مقتل 17 من أفراد البحرية الأميركية. بعد ذلك بوقت قصير، أخبر بن لادن حشداً كبيراً من المؤيدين أن الهجمات ستتكرر وستمثل “نقطة تحول حاسمة في تاريخ صعود الأمة نحو سمو أعظم”.

تتضمن الأوراق والملفات والمستندات التي وُجدت في مجمع أبوت آباد ملاحظات مكتوبة بخط اليد، كتبها بن لادن في عام 2002، وفيها يكشف عن “ولادة فكرة 11 أيلول (سبتمبر)”. وأنه في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2000، وفي غضون أسابيع من هجوم المدمرة الأميركية “يو. إس. إس ـ كول”، قرر بن لادن مهاجمة “الوطن الأميركي”. كما كشفت تلك الملاحظات عن أسباب اختيار التوقيت. كان بن لادن يعتقد أن “العالم الإسلامي بأكمله يخضع لحكم أنظمة التجديف والهيمنة الأميركية”. كان الهدف من هجوم 11 أيلول (سبتمبر) “كسر الخوف من هذا الإله الزائف، وتدمير أسطورة المناعة الأميركية”.

بعد حوالي الأسبوعين من الهجوم، أصدر بن لادن بياناً قصيراً، على شكل “إنذار” موجه إلى الولايات المتحدة، أعلن فيه: “لدي بضع كلمات فقط لأميركا وشعبها. أقسم بالله العظيم الذي رفع السماوات دون جهد، أن لا أميركا ولا أي شخص يعيش هناك سينعم بالأمان حتى يصبح الأمان حقيقة لنا كلنا وخصوصاً فلسطين.. لن يكون هناك أمان قبل أن تغادر كل جيوش الكُفار أرض محمد”. كان للهجوم تأثير مثير. وفي السنوات التي تلت، ألزم الآلاف من الشباب المسلمين حول العالم أنفسهم بطرق مختلفة بتبني قضية بن لادن. لكن القراءة الدقيقة لمراسلات بن لادن تكشف أن الإرهابي الأكثر شهرة في العالم كان جاهلاً بحدود صنعته الخاصة.

وثائق بن لادن تقدم صورة لـ “الحرب على الإرهاب” كما كان يراها الرجل

الرهان على نموذج فيتنام

إقرأ على موقع 180  الكاظمي في واشنطن: الإنسحاب الأميركي مقابل أية إغراءات؟

ولد أسامة بن لادن في عام 1957، في المملكة العربية السعودية. كان والده من الأثرياء ومن الأقطاب البارزين في مجال أعمال البناء. اشتهرت شركته، ليس فقط ببناء القصور الفخمة التي تعود لأفراد العائلة الملكية الحاكمة في السعودية، بل وأيضاً بشهرتها في ترميم الأماكن الإسلامية المقدسة، خصوصاً في مكَّة والمدينة. نشأ بن لادن في بيئة مريحة جداً، وأصبح شاباً متزناً يهوى المشاركة في القضايا السياسية في جميع أنحاء العالم الإسلامي. ومن مآثره الجهادية المُبكرة، القتال في أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، والمساعدة في تمويل المجاهدين الذين يحاربون الاحتلال السوفياتي، وقد أثبت أنه تعلم شيئاً عن ريادة الأعمال والإدارة من الشركة العائلية. ومع ذلك، وبالرغم من أن مراسلات بن لادن تشير إلى أنه كان على دراية جيدة بالتاريخ الإسلامي، ولا سيما الحملات العسكرية التي قام بها النبي محمد في القرن السابع، إلا أنه لم يكن لديه سوى فهم روتيني وبسيط للعلاقات الدولية الحديثة.

وقد انعكس ذلك في هجمات 11 أيلول (سبتمبر)، التي مثلت سوء تقدير فادح، إذ لم يتوقع بن لادن أبداً أن الولايات المتحدة ستخوض الحرب رداً على تلك الهجمات. وبالفعل، فقد توقع أنه في أعقاب الهجمات، سينزل الشعب الأميركي إلى الشوارع، ليكرر الاحتجاجات التي كان نظمها ضد حرب فيتنام، ويدعو حكومته إلى الانسحاب من الدول ذات الأغلبية المسلمة. وبدلاً من ذلك، احتشد الأميركيون خلف رئيسهم جورج دبليو بوش وأيدوا “حربه على الإرهاب”. في تشرين الأول (أكتوبر) 2001، عندما غزا تحالف تقوده الولايات المتحدة أفغانستان لمطاردة تنظيم القاعدة وإزاحة نظام حركة “طالبان” (الذي استضاف الجماعات الإرهابية منذ عام 1996)، لم يكن لدى بن لادن أي خطة لتأمين بقاء تنظيمه الجهادي.

هجوم 11 أيلول (سبتمبر) كان انتصاراً باهظ الثمن للقاعدة. تحطمت المجموعة في أعقاب انهيار نظام “طالبان” مباشرة، وقُتل أو أُسر معظم قادتها الكبار، ولجأ الباقون إلى المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الفيدرالية في باكستان

تبين أن هجوم 11 أيلول (سبتمبر) كان انتصاراً باهظ الثمن للقاعدة. تحطمت المجموعة في أعقاب انهيار نظام “طالبان” مباشرة، وقُتل أو أُسر معظم قادتها الكبار، ولجأ الباقون إلى المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الفيدرالية في باكستان، وهي منطقة حكم ذاتي على الحدود مع أفغانستان. أصبح الاختباء طريقة حياة بالنسبة لهم. تكشف اتصالاتهم أنه طوال حياة بن لادن، لم يستعد تنظيم القاعدة أبداً القدرة على شن هجمات في الخارج. صحيح أن الجماعة نفذت هجمات في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002 في كينيا، لكنها كانت قادرة على القيام بذلك فقط لأن العناصر المُكلفة بالتخطيط لتلك الهجمات كان قد تم إرسالهم إلى شرق إفريقيا في أواخر عام 2000 وأوائل عام 2001، أي قبل أن ينهار كل شيء بالنسبة للقاعدة في أفغانستان. وبحلول عام 2014، وجد خليفة بن لادن، أيمن الظواهري، نفسه أكثر انشغالاً بنزع الشرعية عن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) – الجماعة الجهادية التي تغلبت في النهاية على “القاعدة” – أكثر من انشغاله بحشد “المسلمين” ضد الهيمنة الأميركية. ومع ذلك، من المستحيل أن ننظر إلى الوراء ولعقدين ماضيين ولا نندهش من الدرجة التي تمكنت بها مجموعة صغيرة من المتطرفين بقيادة شخص كاريزمي خارج عن القانون من التأثير على السياسة العالمية. لقد غيّر بن لادن العالم بالفعل – ولكن ليس بالطريقة التي كان يريدها.

رسائل إلى إرهابي في منتصف العمر

بعد الفرار إلى باكستان عقب هزيمة “طالبان”، ألقت السلطات القبض على العديد من مقاتلي “القاعدة” ونشطائها. وخوفاً من أن يلقوا المصير نفسه، عبر من بقي من قادة “القاعدة” ومعهم العديد من أفراد عائلة بن لادن المقربين سراً الحدود إلى إيران في أوائل عام 2002. وبمجرد وصولهم إلى هناك، ساعدهم متشددون سُنة في استئجار منازل بعدما أمنوا لهم وثائق مزورة. لكن بحلول نهاية عام 2002، تعقبت السلطات الإيرانية معظمهم ووضعتهم في سجن سرّي تحت الأرض. تم نقلهم في وقت لاحق إلى مجمع يخضع لحراسة مشددة مع قريباتهم وأطفالهم.

في عام 2008، هرب ابن بن لادن (سعد) من إيران، وكتب رسالة إلى والده يوضح فيها بالتفصيل كيف تجاهلت السلطات الإيرانية مراراً وتكراراً الظروف الطبية لمعتقلي “القاعدة”. وكيف “تراكمت المصائب وازدادت المشاكل النفسية”. وعندما احتاجت زوجة سعد الحامل للمساعدة في وقت الولادة لم يتم نقلها إلى المستشفى إلا بعد أن “توقف الجنين عن الحركة في بطنها”. كما أنها أُجبرت على “ولادته (الجنين) بعد وفاته”. كان سعد مقتنعاً بأن الإيرانيين “أساتذة في جعلنا نفقد أعصابنا. كانوا يُسعدون بتعذيبنا نفسياً”. كانت ظروف جماعة بن لادن في إيران يائسة إلى درجة أنه عندما تم إطلاق سراح القائد الجهادي الليبي، أبو أنس السبيعي، في عام 2010، كتب الأخير إلى بن لادن يقول إن “إيران هي المكان الذي يسود فيه الشيطان الأعظم”. وأضاف أن الاحتجاز هناك بدا وكأنه “المنفى من الدين”، معترفاً أنه توسل حتى لآسريه الإيرانيين من أجل ترحيله إلى “أي دولة أخرى، حتى لو كانت إسرائيل”.

لم يكن بن لادن على دراية بهذه المصاعب أثناء حدوثها. تُظهر أوراق مجمع أبوت آباد أنه في أعقاب الغزو الأميركي لأفغانستان، اختفى بن لادن ولم يكن يقود “القاعدة” لمدة ثلاث سنوات، على الرغم من استمراره بإصدار تصريحات علنية تشيد بهجمات الجهاديين في كل من إندونيسيا والكويت وباكستان وروسيا وتونس واليمن”.

(*) نقلاً عن “فورين أفيرز” عدد أيلول (سبتمبر) ـ  تشرين الأول (أكتوبر).

(**) في الجزء الثاني غداً: رحلة بن لادن من 2004 حتى “الربيع العربي”

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  نصرالله يحصي حُلفاءه: يا وحدنا!