طالبان في كازابلانكا.. أفغان مغاربة في قندهار

ليست هناك إحصائيات مضبوطة لعدد المتطوعين المغاربة في صفوف طالبان خلال الحرب السوفييتية (1979 ـ 1989)، لكن ثمة أرقام عامة تُقدر عددهم ما بين مائتين وثلاثمائة متطوع. وقد أشار الإخواني عبد الله يوسف عزام، المشهور بـ"رائد الجهاد الأفغاني"، إلى "كرامة" استشهاد مغربي يحمل اسم يوسف من مدينة فاس.

برغم أن أفغانستان تقع على بعد آلاف الكيلومترات وفي قارة أخرى بعيداً عن المغرب العربي الأقصى، إلا أن هذا البلد كان حاضراً هنا منذ قرار الكرملين اجتياحه في الأسبوع الأخير من كانون الأول/ديسمبر 1979، واشتعال حرب واجهت فيها القوات السوفييتية جيشاً من المتشددين الإسلاميين الأفغان المدعومين بتحالف عسكري دولي تقوده الولايات المتحدة وتدعمه السعودية وإنتهت بإنتصار طالبان.

توجهت أعداد هائلة من المتطوعين من مختلف البلاد الإسلامية لنصرة الجهاد الأفغاني. وفي مقدمة هؤلاء “الأنصار”، المقاتلون الآتون من بلدان عربية عديدة. من السعودية واليمن ومصر والسودان، ومن منطقة المغرب العربي، وبينهم نسبة لا بأس بها من المغاربيين المقيمين في بلدان الاتحاد الأوروبي. وقد اشتهر هؤلاء جميعا باسم “الأفغان العرب”. كلهم جاءوا إلى أفغانستان لـ”مقاومة الغزو السوفييتي وإعلاء راية الإسلام”، وتحت قيادة أسامة بن لادن.

قاطع التذاكر عبدالله تبارك

خرج السوفييت من أفغانستان وأحكمت حركة طالبان قبضتها على هذا البلد الاسيوي.. إلى أن حلّ الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. تاريخ جعل أمريكا تغزو أفغانستان وتطارد الجهاديين طوال عشرين سنة. قُتل من قُتل من الأفغان، كما من جنسيات عديدة وبينهم “أفغان عرب”، كما أُسر منهم آخرون تم اقتيادهم إلى القاعدة البحرية بخليج “غوانتانامو”. وكباقي نزلاء هذا السجن الرهيب، قُدّمَ “الأفغان المغاربة” إلى المحاكمة وقضوا مددا في السجن، قبل تسليمهم للسلطات المغربية التي أعادت التحقيق معهم ومحاكمتهم وسجنهم. وقد تم الإفراج عمن قضوا مدة محكوميتهم. ولعل أشهرهم هو عبد الله تبارك، الذي تولى مهمة الحارس الشخصي للشيخ أسامة بن لادن، بل إن (تبارك) كان مسؤولا عن أعمال بن لادن الفلاحية، لما كان الملياردير السعودي مقيما بالسودان، ويقال إنه كلف عبد الله تبارك برعاية مواشي الأبقار والقطيع الكبير الذي كان يملكه بضواحي العاصمة الخرطوم.

منم
عبدالله تبارك

تروي الوقائع أن عبد الله تبارك هو الذي ساهم في إفلات أسامة بن لادن من أن يقع أسيرا بين يدي الأمريكيين لما دخلوا كابول وأسقطوا إمارة الملا عمر عام 2001. إذ تقفى الأمريكيون خطوات أسامة بن لادن عبر الأقمار الصناعية، وتتبعوا هروبه بواسطة التقاط إشعاعات هاتفه المنقول، ولما غمرت الفرحة الكوماندوس الأمريكي باصطياد الغنيمة الكبرى، وجدوا بين أيديهم شخصا آخر غير أسامة بن لادن، كان الشخص الآخر هو المغربي عبد الله تبارك، قاطع التذاكر السابق في شركة “الطاك” للنقل الحضري العمومي بالدار البيضاء. أما بن لادن فسلك اتجاها مغايرا لهرب حارسه المخلص عبد الله تبارك.

قضى عبد الله تبارك فترة بمعتقل “غونتانامو”، وبعد تسليمه للمغرب وضع بسجن “الزاكي” بمدينة سلا المتاخمة للعاصمة الرباط. وهو يعيش اليوم بعد إطلاق سراحه في أحد الأحياء الشعبية بالدار البيضاء، ونادرا ما يقابل وسائل الإعلام أو يتحدث عن مغامرته الأفغانية.

أرملة الجهاد الأسود

عديدة هي الأسماء التي ترد في التقارير الاسخباراتية والأمنية الخاصة بـ”الأفغان المغاربة”، من بين تلك الأسماء الشيخ أحمد رفيقي، ممرض سابق بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، ووصل إلى أفغانستان سنة 1989، وقد كلفه الدكتور عبد الكريم الخطيب بنقل مساعدات أدوية إلى المجاهدين الأفغان. استغل أحمد رفيقي خبرته في مجال التمريض لعلاج المصابين من المجاهدين. وهو والد السلفي السابق محمد عبد الوهاب رفيقي الذي زار هو الآخر أفغانستان مرتين، الأولى، تلبية لدعوة أبيه، والثانية، بحثاً عن والده الذي انقطعت عنه أخباره زمناً. وقد تخلى محمد عبد الوهاب رفيقي عن تطرفه الديني بعد مراجعة فكرية، قادته للعمل بمجلة كان يصدرها حزب الأصالة والمعاصرة المحسوب على القصر.

من النساء نذكر فتيحة المجاطي مع زوجها عبد الكريم المجاطي الذي قتل في هجوم إرهابي بالسعودية، وكانت فتيحة اختارت الاستقرار بالإمارة الأفغانية.

والجهادية “أم عبيدة”، أو كما سمتها الصحافة البلجيكية “أرملة الجهاد الأسود”، مليكة العرود المتحدرة من مدينة طنجة بشمال المغرب، هي أرملة لتونسي متطرف، هو أحد قاتلي الزعيم الأفغاني أحمد شاه مسعود المعارض لحركة طالبان. اتهمت مليكة العرود مرات بمساندتها للفصائل الإسلامية المتشددة التي تقاتل في أفغانستان وسوريا والعراق. وقامت بتجنيد عشرات الشباب المغاربة للقتال تحت قيادة أسامة بن لادن. كما أشرفت على تسيير مواقع إلكترونية مؤيدة لتنظيم “القاعدة”، قبل توقيفها واعتقالها. وفي 2017 سحبت منها الإقامة مع الجنسية البلجيكية، واعتبرت مثل باقي الجهاديين، “قنبلة بشرية موقوتة وإرهابا عابرا للحدود”.

إلا أن عدد المغاربة الأفغان الذين سجنوا بمعتقل “غوانتانامو” في 2001 يصل إلى خمسة عشر مغربياً، من أصل 780 إعتقلوا “إدارياً خارج نطاق القضاء”، قبل تقليص العدد إلى ما دون ذلك بكثير في ديسمبر/كانون الأول 2013.

عودة طالبان رفعت منسوب التوجس والاستنفار إلى حدوده القصوى لدى أجهزة الاستخبارات العالمية، وبينها الاستخبارات المغربية، مخافة عودة محتملة وقريبة لتنشيط الآلية الإرهابية لتنظيم “القاعدة”، بتحول أفغانستان ــ برغم تعهدات طالبان ــ إلى حاضنة للفكر الجهادي ومعسكر لتدريب وتصدير المتطرفين

الجمعية المغربية لمساندة الجهاد الأفغاني

في ثمانينيات القرن العشرين، أسس إسلاميون مغاربة، برعاية غير معلنة من السلطات، “الجمعية المغربية لمساندة الجهاد الأفغاني” برئاسة الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو شخصية قريبة من القصر الملكي وراعي الإدماج السياسي للإسلاميين في المغرب.

عملت “الجمعية المغربية لمساندة الجهاد الأفغاني” على استقطاب تعاطف المغاربة مع المجاهدين الأفغان وجمع التبرعات الإنسانية لفائدتهم. وسلكت الجمعية أسلوب تنظيم محاضرات وأنشطة ذات طابع ثقافي للتعريف بالقضية الأفغانية وللتعبئة الإيديولوجية للجهاد الأفغاني. إلا أن عبد الكريم الخطيب سعى أيضا من خلال جمعيته إلى توفير الغطاء القانوني لسفر المتطوعين المغاربة إلى أفغانستان. وقد أدت الجمعية دورا أساسيا في التقارب بين عبد الكريم الخطيب وبين عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني ومصطفى الرميد وعبد الله باها وغيرهم من الإسلاميين، ممن انخرطوا في حزب الحركة الشعبية الدستورية الديموقراطية لمؤسسه عبد الكريم الخطيب، قبل أن يبدلوا اسم الحزب إلى العدالة والتنمية، وهو الحزب الذي يقود اليوم التحالف الحكومي في المغرب منذ 2011.

إقرأ على موقع 180  في اليمن كابوس سياسي وإنساني وعسكري لا ينتهي

كما يذكر اسم محمد المنتصر الكتاني، والد الشيخ السلفي حسن الكتاني، والدور الذي قام به في توفير الدعم المالي للجهاد الأفغاني، وتوفيره لمنح للطلبة الأفغان للدراسة في المغرب، بل إن المنتصر الكتاني وصل إلى درجة ثقة الأفغان به وتقديره، مما مكنه من القيام بدور الوسيط بين الفصائل الإسلامية المتصارعة في أفغانستان.

إكسسوارات طالبان في الدار البيضاء

قصص “الأفغان العرب” وضمنهم المغاربة لا تنتهي، ولا تقتصر فقط على من قاتلوا إلى جانب طالبان، بل منهم قلة ظلت تعيش في المغرب وتأثرت بإسلام وجهاد طالبان، تجدهم يقلدون هيئة طالبان: اللحى الطويلة والجلابية وفوقها معطف، والرأس مغطى بالطاقية الأفغانية، والصندال في القدمين وجوارب الصوف الخشنة. أما النساء فيتنقبن بالخمار ويتسربلن باللباس الأسود الذي يستر بالكامل أجسادهن، بل لا يبدي حتى أعينهن. وربما لم يكن هناك مجال لارتداء البرقع الأفغاني في شوارع المغرب.

من أين كان يحصل “الأفغان المغاربة” على الألبسة و”الإكسسوارات” الطالبانية؟

يأتي الجواب سريعاً، من رصيف مسجد “النور” الذي يقع بحي بوسيجور في الدار البيضاء. كان المسجد في الأصل كنيسة بنيت على عهد الحماية الفرنسية، وظلت مغلقة لسنوات بعد استقلال المغرب، ولما تحولت إلى مسجد، بقي أثر العمارة الكنسية واضحا في تصميم المبنى، بدءاً من المئذنة والنوافذ. وما لبث أن اشتهر “مسجد النور” بتجنيد مغاربة شباب من الراغبين في “الجهاد ضد الشيوعيين الملحدين الروس في أفغانستان”، ثم تورطت وفود المسجد الجهادية في شن عمليات ضد أميركا والغرب في أكثر من منطقة. و”مسجد النور” هو النقطة التي انطلق منها أغلب الجهاديين المغاربة إلى أفغانستان، ومن بينهم الصديقان عبد الله تبارك وأحمد رفيقي اللذان تحدثنا عنهما سابقاً. وطبعا لم تلعب الصدفة وحدها في أن يكون اسم المركز الثقافي الذي أسسه أسامة بن لادن في مدينة بيشاور في باكستان، يحمل أيضا اسم “مركز النور”.

قندهار في “الكركرات”

واللافت للنظر أنه في بعض المدن المغربية، سميت شوارع باسم “أفغانستان”، مثل الشارع الكبير في الحي الحسني بالدار البيضاء، والذي يشتهر بانتشار الباعة المتجولين حول “مسجد أفغانستان”، وبباعة الملابس والأحذية المستعملة.

أما في جنوب البلاد بالصحراء الغربية، في المنطقة الحدودية العازلة ما بين موريتانيا والمغرب، فقد أنشئ سوق كبير للتبادل التجاري غير المشروع بمنطقة “الكركرات”، وخصوصا تهريب سيارات الدفع الرباعي المسروقة. وتعرف المنطقة باسم “قندهار”، نسبة إلى المدينة الأفغانية المشهورة بترويج المخدرات وبمختلف أنواع التهريب.

الطريق إلى كابول

كما اهتمت السينما المغربية بموضوع أفغانستان، وأنتجت سنة 2015 فيلما بعنوان “الطريق إلى كابول”، وهو فيلم كوميدي تناول موضوع الهجرة السرية، حيث يجد شباب مغاربة أنفسهم عوض الوصول إلى أوروبا عالقين بجبال أفغانستان، متورطين في الإرهاب.

أما في “جوطية درب غلف”، أشهر سوق شعبي في المغرب، معروف عالميا ببيع وتصليح الأجهزة الإلكترونية الجديدة والمستعملة، ومعروف أكثر بقراصنة الهاكرز المتخصصين في فك الشيفرات الإلكترونية، فستصادف محلا كبيرا لإصلاح الهواتف النقالة يحمل لافتة باسم “طالبان لإصلاح الهاتف”، برغم أن صاحب المحل لم يكن من قدماء الأفغان المغاربة، لكنه من جماعة متدينة من تجار “الجوطية” الملتحين، المتشبهين في ملامحهم ولباسهم  بمجاهدي أفغانستان، فأطلق عليهم لقب طالبان والتصق بهم.

***

لا شك أن عودة طالبان رفعت منسوب التوجس والاستنفار إلى حدوده القصوى لدى أجهزة الاستخبارات العالمية، وبينها الاستخبارات المغربية، مخافة عودة محتملة وقريبة لتنشيط الآلية الإرهابية لتنظيم “القاعدة”، بتحول أفغانستان ــ برغم تعهدات طالبان ــ إلى حاضنة للفكر الجهادي ومعسكر لتدريب وتصدير المتطرفين. بالموازاة انطلق الحديث عن مدى إلهاب جذوة الأفغان العرب للتفكير في العودة إلى الإمارة المسترجعة، وهو أمر غير وارد في الغالب بالنسبة للأفغان المغاربة، فبسبب وصولهم في الثمانينيات متأخرين وبأعداد أقل من غيرهم من باقي الأفغان العرب، لم يفتح المجال أمام المغاربة للقيام بأي دور بارز في القيادة والتأطير سنوات الغزو السوفييتي وما بعدها.

إلا أن التيارات السلفية والإسلامية عموما في المغرب، مثل جماعة العدل والإحسان (محظورة)، لن تتردد في استغلال انتصار طالبان ضمن برامجها التعبوية والاستقطابية، أو أن يعمد حزب العدالة والتنمية في حملته الانتخابية الحالية لانتخابات 8 أيلول/سبتمبر 2021، للدعوة إلى التصويت على مرشحيه. كما فعل قبل أعوام مرشح لعضوية مجلس بلدي بمدينة صغيرة وسط المغرب، عندما كتب في دعايته الانتخابية: “انتخبوا من يخاف الله ويؤمن برسله وكتبه واليوم الآخر”.

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  خيبة في الفاتيكان.. ولا مكان لـ"الشطارة اللبنانية"