إلى “يساريي” لبنان: هل تبنينا “إعادة التوزيع” ونسينا “التوزيع”؟ (1)

الصّراعُ بين من يضع الحريّة الفردية في صدارة الأولويّات الأيديولوجية، وبين من يضع العدالة الاجتماعية فوقها (أو قبلها)، هو صراعٌ يبدو أنه لن يُحسم بسهولة في عالم الفكر ولا في عالم العمل، على غرار العديد من الأسئلة الجوهرية في الفلسفة والاجتماع والاقتصاد والسياسة.

عند ظهور الأزمات “الهُويّاتية” والاجتماعية، وخصوصا الاقتصادية، تعود هذه الأسئلة إلى الواجهة اليوميّة الملحّة، لا سيّما عندما ترى الشعوب نفسها أمام معضلات تتعلق باستئثار مجموعة أو فئة أو طبقة على جلّ الثروات والإنتاج والقيمة المضافة والعوائد الماليّة، وبشكل متكرّر.

في واقعنا الراهن، المعضلة الأعمق، والتي تعود إلى الواجهة عند كل أزمة ماليّة-نقدية على وجه الخصوص، يمكن اختصارها كالتالي: يبدو أنّ هناك أقلية تستفيد في المراحل “الصعودية” للدورات الاقتصادية، ثم تُجبر الجميع على تأميم الخسارة في المراحل “النزولية”. بتعبير آخر، يشعر كثير من مواطني هذه الأرض أحيانا أنّ الربح “مخصخص”، في حين أنّ الخسارة “مؤمّمة” بشكل أو بآخر. وهذا ما حصل عمليا بعد أزمة ٢٠٠٨ الكبرى في أميركا: هناك من احتكر وضارب وربح واستفاد في مرحلة الصعود.. ثمّ “أجبر” المجتمع كلّه على مشاركته خسارته في مرحلة النزول (عبر السياسة الماليّة-الحكوميّة، والسياسة النقدية المستمرتين منذ ذلك الحين، واللتين لا بدّ من تمويلهما في نهاية المطاف من قبل المواطن، إما من زاوية الضريبة أو من زاوية التضخّم.. عاجلاً أم آجلاً).

لذلك، من غير المفاجئ – في هذا السياق – أن نقرأ كلّ هذه الأرقام العجيبة عن توزيع الثروات والإنتاج والعوائد على مستوى العالم. وبالطبع، نحن عموما أمام الظاهرة عينها على مستوى لبنان، بل يمكن القول إنّ هذه الظاهرة تأخذ أشكالا أكثر تطرّفا و”وحشيّة” في بلاد “التجار الفينيقيين والعرب” (راجع حول هذه النقطة عن الثقافات الاقتصادية والتجارية المختلفة: دراسات فيرنر سومبارت وجورج سيمل وماكس فيبر، وهم من مؤسسي المدرسة الألمانية في علم الاجتماع). فمن الأرقام التي يمكن استخدامها كمثال على “التوزيع غير العادل للثروات والعوائد”، هو الرقم الذي ينقله موقع Euronews عن المنظمة غير الحكومية Oxfam (مقال بالتعاون مع وكالة AFP بتاريخ 1 كانون الثاني/يناير ٢٠٢٠: ٢١٥٣ مليارديرا فقط يملكون أموالا أكثر مما يملكه 60٪ من سكّان العالم بأسره.

 أيضا، في نهاية 2019: “وحدهم 1٪ من سكان الكوكب الأكثر ثراء يملكون ضعفي الموارد التي يملكها كل الـ6.9 مليار الأقل ثراء”. ويضيف المقال: “أخيرا، لدى ال22 رجلا الأكثر ثراء في العالم أموال أكثر من كل النساء اللاتي يعشن في أفريقيا.” أما في فرنسا، فيذكر التقرير عينه أنّ 10٪ من السكّان يملكون 50٪ تقريبا من ثروات البلاد.

وما نسمعه ونقرأه عن توزيع الثروات والإنتاج والودائع المصرفية في لبنان هو، على الأقل، أكثر تطرفا كما يُردَّد حاليا على الدوام (راجع أرقام الخبراء عن الأقليّة الصغيرة التي تملك أكثر من نصف الودائع في المصارف اللبنانية.. على اختلاف أرقامهم التفصيلية). طبعا، هذه أرقام اعتيادية بالنسبة إلى المتخصصين والعاملين في مجالات التنمية والأسواق المالية وما إلى ذلك من علوم ومهن. لكن، لنتوقّف عند تعبير مسؤول هذه الNGO في الهند، أيضا على سبيل المثال: “إنه لمن الواضح مطلقاً أننا نعيش في نظام اقتصادي [عالمي] يميل لمصلحة الأغنياء. ولذلك، فالأثرياء يزيدون ثراء على الدوام والرجال يستفيدون أيضا على الدوام [في مقابل النساء]. إنه إذن بالفعل نظام مبني على استغلال النساء، واستغلال الفئات الأكثر فقرا”.

وحدهم 1٪ من سكان الكوكب الأكثر ثراء يملكون ضعفي الموارد التي يملكها كل الـ6.9 مليار الأقل ثراء

من دون الدخول في الأحكام القيميّة ولا التموضعات الأيديولوجية، لا يمكننا إلا الاعتراف بوجود إشكالية (لكي لا نقول: مشكلة)، واقعية، على مستوى توزيع الثروات وعوائد الإنتاج بين البشر على هذه الأرض، وبين المواطنين في الدول على وجه الخصوص. وفي كتابه مثلاً عن أهم “٥٠ عمل كلاسيكي في الفلسفة” عبر التاريخ الإنساني، يذكر توم بوتلر-باودن، على الأقل خمسة فلاسفة كبار يضعون هذه الإشكالية في قلب تفكيرهم. نذكر في هذا الإطار، بين المعاصرين: جان بودريارد، نعوم تشومسكي، ميكاييل ساندل، بيتر سينغر، سلافوج زيزك (Tom Butler-Bowdon, 2017, 50 Philosophy Classics: The Greatest Books Distilled). ويمكن الملاحظة، بسهولة، أنّ هذه القضية تتخطى الخلافات والتموضعات بين يميني ويساري ووسطي: إذ يمكن التحدّث – من دون مخاطرة تذكر – عن أننا أمام واقع غير قابل للنقاش. إننا نعيش في ظل نظام اقتصادي ومالي ونقدي يؤدي بنا – بشكل واضح – إلى توزيع غير متوازن (كي لا نقول: غير عادل) للثروات؛ وكما تحدثنا في مقالات سابقة، إننا نعيش، أيضا، في ظل نظام اجتماعي-اقتصادي يؤدي بنا إلى عقلية فردانيّة-عدائية مهيمنة (راجع الفقرات التالية).

بين “التوزيع” و”إعادة-التوزيع”

كيف تفسّر – ومن ثمّ: كيف تحاول أن تعالج – النظريات الاقتصادية الأساسيّة هاتين الإشكاليّتين (أولا؛ عدم التوازن في توزيع الثروات والإنتاج والعوائد؛ وثانيا؛ هيمنة تلك العقلية التي سميناها بالفردانية-العدائيّة)؟

إقرأ على موقع 180  "ألفاريز" هل تمهل الحريري.. قبل نعي "التدقيق الجنائي"!

في الحقيقة، اهتمت المدارس الاقتصادية المعاصرة بالإشكالية الأولى بشكل خاص. أمّا الثانية، فقد لاقت اهتماما أصغر نسبيّا، ولذلك نركّز عليها أكثر فأكثر في أبحاثنا. المهم، يمكن اتباع – في ما يخص الإشكالية الأولى خصوصا، ومسألة التوزيع تحديدا – التقسيم الكلاسيكي الذي استخدمه الفيلسوف العراقي الراحل السيد محمد باقر الصدر (ت. ١٩٨٠) في “اقتصادنا”: (١) التوزيع ما-قبل-الإنتاج؛ (٢) التوزيع ما-بعد-الإنتاج؛ (٣) إعادة التوزيع. أمّا الأوّل فهو يُعنى على العموم بتوزيع الموارد والثروات الطبيعية غير المملوكة مسبقا، ويصدق عليه في وضعنا الراهن المقولة العامية: “اللي ضرب ضرب، واللي هرب هرب”. ذلك أنّ المبحث هذا، برغم أهميته النظريّة الفائقة، بعيد عن واقع اشكاليتنا الراهن، إلا بحال اكتشفنا أراض وموارد غير معلومة لنا على هذا الكوكب، أو استوطنّا كواكب جديدة في المستقبل.. وأمّا التوزيع ما-بعد-الإنتاج فهو يُعنى على العموم بتوزيع عوائد الإنتاج، ومنه ينبثق، عادة، النظام المصرفي والمالي والنقدي العام للدول. وأمٌا القسم الثالث، أي إعادة التوزيع، فهو مرتبط عادة بمبحث السياسة الضرائبية للمجتمعات والدول: بعد أن استملكنا ابتدائياً، ثم أنتجنا، ثم وزّعنا عائد الإنتاج بين وسائل الإنتاج، كيف نعيد التوزيع بين هذه الأخيرة، وبينها وبين الأفراد؟

العالم قد ركّز – خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وبشكل مبالغ فيه – على “إعادة التوزيع”، مع أنّ النظرية الماركسيّة كانت تقدّم نفسها، قبل أي شيء، على أنّها بديل على مستوى التوزيعين ما-قبل-الإنتاج وما-بعد-الإنتاج

والأطروحة التي يقوم عليها مقالنا تنطلق من هذا التقسيم واقعاً. فهي تعتبر أنّ العالم قد ركّز – خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وبشكل مبالغ فيه – على المبحث الأخير، أي “إعادة التوزيع”، مع أنّ النظرية الماركسيّة كانت تقدّم نفسها، قبل أي شيء، على أنّها بديل على مستوى التوزيعين ما-قبل-الإنتاج (وقد أقصيناه هنا للأسباب المذكورة آنفا، وهي أسباب عمليّة) وما-بعد-الإنتاج. وقد يكون هذا التركيز نتيجة طبيعية للشعور بانهزام كل بديل للرأسمالية-الليبرالية مع سقوط العملاق السوفياتي-الشيوعي المدوّي (مع تبعاته الأيديولوجية والنفسيّة). إذ يبدو أنّ الأحزاب الشيوعية واليسارية، وغيرها من الأحزاب والحركات “المعارضة” للنظام المهيمن، قد ارتأت أنه من الأفضل التركيز على مسألة إعادة التوزيع هذه، من خلال النظام الضرائبي، أمام صعوبة تحدّيه (أي هذا النظام) على مستوى بعمق مستوى التوزيعين الابتدائي والثانوي ([١] و[٢] في التقسيم أعلاه). لذلك، فقد نشعر أحيانا بأنّ الأحزاب اليسارية، في أوروبا الغربية تحديدا، أصبحت عبارة عن أحزاب تنادي “بزيادة الضرائب” وبـ”تشليح الأثرياء” (إلخ..) كما نسمع على الدوام في فرنسا وألمانيا وبلجيكا مثلاً.

إنّ فكرتنا الأساسية في هذه الورقة تتمحور، إذن، حول ضرورة العودة إلى النقاش حول “التوزيع” نفسه، بدلاً من التركيز فقط على “إعادة التوزيع”. فإشكالية عدم التوازن المذكورة، وإشكالية الفردانيّة المتطرفّة المذكورة أيضا، هما أعمق بكثير من مسألة السياسة الضرائبية. إنهما تتعلقان بكل بساطة بأصل العلاقة بين العمل من جهة، ورأس المال (بجميع أشكاله) من جهة أخرى.. وكما سنرى، فبخلاف المدارس الاشتراكية والشيوعية الكلاسيكية على تنوّعها، يطرح بعض المفكرين الجدد (يمكن تسميتهم باليسار الجديد؟)، ومنهم مفكرون متأثرون بالعلوم الدينية وبالمدراس المالية “الأخلاقية”: فكرة مفادها أنّ المعضلة الأساسية خلف الاشكاليتين المذكورتين، هي في أصل التعاقد بين العمل ووسائل الإنتاج الأخرى. ومن هنا، فهم يدعون إلى اجتثاث المشكلة من أساسها عبر نسف “التوزيع الرأسمالي” من أصوله لا من فروعه، من خلال تطبيق نظام يقوم على التشارك المعمم.

وقد قضيت، شخصيا، سنوات أعمل على هذه القضية، ليس فقط من خلال زاوية النظرية المالية والاقتصاد-السياسي، إنما أيضا وخصوصا، من زاوية محاولة فهم عقلية فقهاء الإسلام الاقتصادية (من كل المذاهب والعصور). وقد وصلت إلى نتيجة جوهريّة مفادها أنّ هؤلاء، على غرار مدارس أخرى لا تنحصر بالتراث الإسلامي، يدعون – بشكل لا لبس فيه – إلى تبنّي عقلية تشاركيّة، ترفض، قدر الإمكان، عقلية الأجر المضمون وعقلية “بيع الخطر”، وهذا التبنّي يوصل لا محالة، بمفاهيمنا المعاصرة، إلى اعتماد نظام مالي ومصرفي وتأميني مبني بشكل “راديكالي” على النظرية التشاركيّة-التعاونيّة.

(*) في الجزء الثاني من هذه المقالة غداً: الحريّة الفردية أم العدالة الاجتماعية؟

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

باحث، خبير مالي وإقتصادي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  في جنازة جسدي