في ماهيّة الإسلام: الجهاد في التراث الاسلامي (6)

الجهاد في الاسلام هو مفهوم ديناميكي ديالكتيكي يعبّر عن رغبة المسلمين في إعطاء الحرب بُعداً دينياً، من جهة، وعن إستخدامه أداة يتسلحون بها عند الحاجة إليها ويرمونها بعيداً عندما يصبح ضررها أكبر من نفعها، من جهة ثانية.

مفهوم الجهاد في الاسلام يناقشه كثيرون في هذه الايام من دون إلمام بالفكر الديني وتناقضاته عبر التاريخ الاسلامي أو من زاوية انتهازية سواء بالترغيب به أو الترهيب منه، تبعاً لمصلحة هذا وذاك.

يقول الشافعي (ت. 820) في حديثه عن العلم (المعرفة): “(هناك) العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط.. ولا يجوز فيه التنازع”، ويقدر كلّ مسلم على فهمه واتباعه. لكن هناك نوع آخر من (العلم) المعرفة يبقى حكراً على أهل العلم لتوضيحه للمسلمين من أجل فهمه وإتباعه.

المثل الوحيد الذي يعطيه الشافعي عن النوع الثاني من المعرفة هو واجب الجهاد، فيقول ما خلاصته أنّ الآيات القرآنية تُولّد قناعة خاطئة أن “الجهاد كلّه والنفير خاصّة منه على كلّ مطيق له لا يسع أحداً منهم التخلّف عنه..” بمعنى أخر، من يقرأ القرآن على ظاهره ومن غير علم ومعرفة يفهم خطأ أنّ الله فرض واجب الجهاد على كلّ مسلم بالغ، فبرأي الشافعي، واجب الجهاد هو فرض كفاية، أي هو واجب إذا قام به بعض المسلمين يسقط عن الآخرين.

لماذا قرّر الشافعي أن يجعل من الجهاد فرض كفاية؟

الجواب يأتينا من متطلبات الحكم في زمن الخلفاء العباسيين وضرورة حماية الدولة ومصالحها من أولئك الذين كان لهم رأي آخر في الجهاد مثل الفرقة التي كان من أهمّ ممثّليها عبد الله بن المبارك (ت. 797)، والذي انتقل مع مجموعة من الجهاديين من آسيا الوسطى إلى آسيا الصغرى – تحديداً المنطقة المحيطة بالحدود الغربية بين تركيا وسوريا الآن – لكي يقوموا بممارسة الجهاد ضد البيزنطيين.

إذاً، كلام الشافعي، وهو شيء وافقه عليه معظم العلماء (شيعة أو سنة)، نتج عن قناعة أنّ مصلحة المسلمين تأتي فوق أي واجب ديني، وفي أي لحظة يصبح الواجب الديني عثرة يُصار إلى تجاوزه أو إلغائه. نظرية فرض الكفاية هدفها القول أن حكّام المسلمين همّ من يقررّ كيفية ووقت تنفيذ الجهاد، وهم من ينتدب من يقوم به نيابة عن الأمّة.

طبعاً هناك إلتباسات كثيرة حول مفهوم الجهاد والحرب في الاسلام لم يكن من السهل حلّها. مثلاً، إذا نظرنا في فصل الجهاد في كتاب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” – وهو موسوعة في الفقه وأحكام الشريعة الاسلامية لابن رشد (ت. 1198) – نجد موضوعات مختلفة وخلافية حول الجهاد (مثلاً لماذا يحارب المسلمون، شروط الحرب، الضرر المسموح لهم فعله بالأعداء، المهادنة، الخ). يقول ابن رشد أن هناك اختلافاً بين المسلمين حول هذه المواضيع، وسبب الخلاف، إمّا “معارضة القول للفعل”، أي ما قاله الرسول عن الجهاد خالف ما فعله، أو “معارضة بعض الآثار بخصوصها لعموم الكتاب”، أي معارضة الحديث النبوي للآيات القرآنية، أو “مخالفة فعل أبي بكر في ذلك لفعله (النبي) صلّى الله عليه وسلّم”، أي تناقض ما فعله أبو بكر مع ما فعله النبي محمد، مع العلم أن ما نجده عند ابن رشد هو القاعدة في معظم كتب الشريعة التي تعالج قوانين الجهاد.

الآية 5 (آية السيف) تعلن أنّ على المسلمين واجب قتال المشركين حتّى يتوبوا ويعتنقوا الاسلام. لكن الآية 6 تقول عكسها: على المسلم حماية المشرك إذا طلب الأخير ذلك منه وعليه إطلاقه ليبقى على شركه. جلّ ما يمكن للمسلم أنّ يفعله هو قراءة كلام الله (القرآن) للمشرك

حتّى في القرآن، موضوع الجهاد له كثير من الاشكاليات كون النصّ القرآني يناقض بعضه البعض. أنا لا اتحدّث هنا فقط عن أنّ آية معينة تنقض ما تقوله آية أخرى. ما أقصده هو أنّه في أكثر الحالات، فإن الآية ذاتها تحتمل الكثير من التناقض. لنأخذ مثلاً الآية 29 من سورة التوبة: “قاتلوا الذين لا يؤمنون باللّه ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتّى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”.

السبب الذي تعطيه هذه الآية لمحاربة أهل الكتاب هو أنّهم لا يؤمنون ولا يتبعون الدين. لكن الآية لا تقول بتاتا أن هدف محاربتهم هو إجبارهم على التوقف عن ذلك وتصحيحه. على العكس، هدف محاربتهم هو إجبارهم على دفع الجزية. إذاً، موضوع الحرب هنا هدفه مخالف للسبب.

كذلك الأمر إذا قرأنا الآيتين 5 و6 من سورة التوبة:

من الآية 5: “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتّموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إنّ اللّه غفور رحيم. وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتّى يسمع كلام اللّه ثمّ أبلغه مأمنه ذلك بأنّهم قوم لا يعلمون”.

الآية 5 (وهي شهيرة بآية السيف) تعلن أنّ على المسلمين واجب قتال المشركين حتّى يتوبوا ويعتنقوا الاسلام. لكن الآية 6 تقول عكسها: على المسلم حماية المشرك إذا طلب الأخير ذلك منه وعليه إطلاقه ليبقى على شركه. جلّ ما يمكن للمسلم أنّ يفعله هو قراءة كلام الله (القرآن) للمشرك.

ما سبب هذا التناقض في النص القرآني؟

برأيي، هو تناقض ناتج عن صراع بين مفهومي العقاب والرحمة. من جهة، يريد النصّ القرآني القول أنّ لمن يرفض عبادة الله عقاب صارم في هذه الدنيا وفي الآخرة، ويريد من جهة أخرى أن يقول أن الله يرحم من يطلب الرحمة. لذلك، هناك نقاش ديالكتيكي داخل القرآن بين هذين المفهومين، وسورة التوبة هي أهمّ مثال على هذا النقاش؛ (للتذكير سورة التوبة معروفة أيضاً بـ”سورة براءة”، أي أن الله أراد أن يبرّىء نفسه من المشركين، لكنّه لم يبرّىء نفسه فعلياً منهم، بل أعطاهم فرصة جديدة).

إقرأ على موقع 180  ما دخَلَ الدينُ السياسي بلداً إلا وكانت النتيجة حرباً أهلية!

أوجد بعض المفسرين حلولاً لهذه التناقضات، لكن لا اجماع حولها وفي كثير من الأحيان تبدو التفسيرات اعتباطية. مثلاً يقول بعض المفسرين أنّ الآية 5 من سورة التوبة نسخت الآية 6، وهو رأي ساذج إذا كيف لآية أن تنسخ ما يأتي بعدها؟

ويجب الإشارة هنا إلى الفرق بين سورة التوبة (أو أيّة سورة في القرآن) والعادة الشائعة في قراءة آياتها مجتزأةً، مثلاً بدل قراءة كامل الآية 5، يرددّ الكثيرون جزءاً صغيراً منها، هو أوّلها: “فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتّموهم”، وهذا ما يعطي فكرة مختلفة عن مضمونها ويؤسس لتنظيرات وأفكار ليست بالضرورة ما تقوله الآية كاملةً.

يقودنا ذلك للقول أن مفهوم الجهاد في الاسلام أصابه كثير من التغييرات وذلك نتيجة للجو السياسي العام في العالم الاسلامي. يطفو ويختفي عند الحاجة إليه، ويقوم الفقهاء بإعادة إحيائه أو بإهماله حسب الحاجة. في فترة الحروب الصليبية مثلاً، أعاد بعض العلماء صياغة مفهوم الجهاد من أجل حض المسلمين على محاربة الصليبيين، وكثُرت كتب الجهاد، خصوصاً تلك التي احتوت على أربعين حديثاً منسوباً للنبي (كتاب “الاربعون في الحث على الجهاد” لابن عساكر الدمشقي (ت. 1176) بطلب من السلطان نور الدين زنكي).

في معظم الحالات، رفض المسلمون التطوع للقتال، وهو ما أجبر الحكام على شراء أو استئجار مرتزقة (بعضهم من غير المسلمين) من أجل مساعدتهم في الحروب

حقيقة الأمر أنّ هذه الكتب هي أيضاً نتاج حالة من التناقض عند الحكام والعلماء والجمهور بين ضرورة الجهاد وضرورة السلم. من الواضح أن علماء مثل ابن عساكر كان لهم رأي واضح أنّ الجهاد هو الخيار الوحيد لمواجهة الصليبيين. لكن لم يكن هذا الخيار الوحيد للحكام ولكثير من العلماء ومعظم جمهور المسلمين، بمن فيهم أمثال نور الدين زنكي وصلاح الدين الأيوبي، إذ نجدهم يتأرجحون بين جهاد الصليبيين وبين مهادنتهم ومصادقتهم. مثلاً، كتب صلاح الدين إلى الملك بالدوين الرابع (حكم 1174-1185) معزياً له بوفاة والده الملك املريك واصفاً له:

“ما نالنا من الوحشة لفراق ذلك الصديق وخلوّ مكانه؛ وكيف لا يستوحش ربّ الدار لفرقة جيرانه. وقد استفتحنا الملك بكتابنا وارتيادنا، وودّنا الذي هو ميراثه عن والده من ودادنا.. وليعلم أنّا له كما كنا لأبيه: مودّة صافية، وعقيدة وافية، ومحبّة ثبت عقدها في الحياة والوفاة، وسريرة حكمت في الدنيا بالموافاة؛ مع ما في الدّين من المخالفات. فليسترسل إلينا استرسال الواثق الذي لا يخجل، وليعتمد علينا اعتماد الولد الذي لا يحمل عن والده ما تحمّل..”.

كذلك الأمر عندما نصح العلماء صلاح الدين أنّ الإسلام يدعو إلى السلم، وإستعانوا لأجل تأكيد مقولتهم بالآية 61 من سورة الأنفال: “وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكّل على اللّه إنّه هو السميع العليم”. وهذه الآية، كآيات الجهاد، تذكّرها علماء وجمهور من المسلمين عند الحاجة إليها ولكنهم أهملوها متى ناسبهم ذلك.

هناك صورة نمطية أنّ جمهور المسلمين هرول وإندفع في كل مرّة طلب منه الحكام والعلماء القيام بواجب الجهاد. هذه خرافة ليس لها علاقة بتاتاً بالواقع التاريخي. على العكس، في معظم الحالات، رفض المسلمون التطوع للقتال، وهو ما أجبر الحكام على شراء أو استئجار مرتزقة (بعضهم من غير المسلمين) من أجل مساعدتهم في الحروب. قام بذلك الأمويون، العباسيون، الفاطميون، الأيوبيون، المماليك، والعثمانيون الخ.. ويجب التذكير أن دولة المماليك هي مثال على تلك السياسة ودليل ساطع على رفض معظم المسلمين التطوع للحرب.

أحد الأمثلة على ذلك ما رواه سبط ابن الجوزي (ت. 1256) أنّ الملك المعظم كتب إليه بخطه يطلب منه أن يحرّض أهل دمشق على الجهاد من أجل نجدته والدفاع عن دمياط ومصر من هجوم الصليبيين في سنة 1218. فجلس سبط ابن الجوزي “بجامع دمشق، وقرأ كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة، وقالوا: نمتثل أمره بحسب الاستطاعة”. لكن عند وقت الخروج، لم يأت أحد منهم. فكتب الملك المعظّم لسبط ابن الجوزي: “إذا لم يخرجوا فسر أنت إلينا”.. بمعنى آخر، رفض أهل دمشق التطوع للجهاد.

في المحصلة، مفهوم الجهاد هو مفهوم معقد في الاسلام، والسبب الرئيسي لذلك أنّ النظريات الدينية والتجارب التاريخية تحتمل الكثير من التناقضات، وهي تأثّرت بالمصالح واستعداد العلماء لتبرير ما أراده الحكام منهم، إن لم نقل باشكالية الحرب ورغبة المسلمين أو تردّدهم عن ولوجها.

(*) في الحلقة المقبلة: الجهاد والحداثة

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  المحافظون الجدد الإسلاميون.. أو قضية من لا قضية لهم!