ساعة فيينا تدق على توقيت طهران.. وموسكو   

وصلت الجولة السابعة من مفاوضات فيينا النووية بين إيران والقوى العالمية إلى طريق مسدود. ماذا يُنتظر من الجولة الثامنة التي تبدأ غداً (الإثنين)؟

تستعد الأطراف المعنية بمفاوضات الملف النووي لإطلاق جولة جديدة غداً (الإثنين) على دوي المناورات الصاروخية الباليستية الإيرانية، وقرع طبول الحرب في إسرائيل وإعلان الجاهزية للهجوم على إيران غداً “إذا لزم الأمر”، بينما تُعطي إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن نفسها فرصة “أسابيع” وإلا وجب التفتيش عن “البدائل”، وبينها البحث عن إتفاق آخر غير خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015.

يعزو الخبير في شؤون إيران سعيد قاسمينجاد في مقال نشره في مجلة “ذا ناشيونال إنترست” الأميركية ما وصفه بـ”الثقة الإيرانية بالنفس”، إلى تحسن الوضع المالي لأن صادرات إيران غير النفطية زادت بنسبة 47 في المائة بين نيسان/أبريل 2021 وتشرين الثاني/نوفمبر 2021، وهذا ما قلّل من الرافعة التي تملكها واشنطن في مواجهة طهران. وفي السياق نفسه، يكتب سيث فرانتزمان في صحيفة “الجيروزاليم بوست” الإسرائيلية، أن إيران “تدرك أن خصومها يريدون نجاحاً في فيينا أكثر مما تريد. ولذا تتقدم بمطلب تلو مطالب”.

هل أن الولايات المتحدة تريد إحداث نوع من المقايضة بين فيينا وأوكرانيا، كي تحمل موسكو على ممارسة الضغط على طهران؟

ناحية جوهرية أخرى برزت مع معاودة الجولة السابعة قبل شهرين، وهي تزامن المفاوضات مع التصعيد الروسي – الغربي في أوكرانيا. وخلق هذا الأمر نوعاً من الإرتباط بين أزمتي أوكرانيا والمفاوضات النووية. أي أن المرجح أن روسيا تستخدم ورقة فيينا للضغط على الغرب، بما يُريح طهران ويجعلها في غير عجلة من أمرها للتوصل إلى إتفاق. ربما إذا ألقينا نظرة على تصريح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مقابلة مع قناة “روسيا اليوم” قبل ايام قليلة، نُعطي سنداً لهذا الإستنتاج. فقد وصف لافروف الإقتراحات التي قدمتها طهران في فيينا بأنها “تستحق التحليل”، على رغم الرفض الذي لاقته من قبل المفاوضين الغربيين. وأضاف: “إن الفريق الإيراني جديد، لكنه يتأقلم بسرعة وبمهنية”. وحظي الأداء الإيراني أيضاً بثناء المندوب الروسي لدى المنظمات الدولية ميخائيل أوليانوف، الذي على عكس الإننتقادات الغربية للجولة السابعة، رأى أن هذه الجولة “أرست أساساً صالحاً لمفاوضات أكثر عمقاً”. يكاد يكون الموقف الروسي في فيينا موجهاً على نحوٍ حصري إلى البيت الأبيض.

والسؤال هل مسارعة واشنطن إلى القبول بمناقشة الإقتراحات الأمنية الروسية في ما يتعلق بزحف حلف شمال الأطلسي شرقاً نحو الجمهوريات السوفياتية السابقة وخفض التصعيد في أوكرانيا، له علاقة بالجولة الثامنة من فيينا؟ أي هل أن الولايات المتحدة تريد إحداث نوع من المقايضة بين فيينا وأوكرانيا، كي تحمل موسكو على ممارسة الضغط على طهران؟

من المؤكد أن إيران إستفادت من لحظة التشابك بين فيينا والأزمة الأوكرانية فضلاً عن تعقيدات الداخل الأميركي المتزايدة، كي تُعزّز موقعها وموقفها في فيينا وتُدير لعبة الوقت الذي بات ضاغطاً على واشنطن التي تدرك أن الخيار العسكري قد يقود إلى تورط أميركي واسع النطاق في الشرق الأوسط ويفسد إستراتيجية بايدن في حشد الإمكانات العسكرية والإقتصادية في المحيطين الهادىء والهندي لمواجهة الصعود الصيني وحماية تايوان من غزوٍ صيني محتمل.

أبرز الإقتراحات الإيرانية تتعلق برفع العقوبات الغربية وبآلية للتحقق من رفعها.. وأخيراً تأتي المطالبة بضمانات أميركية بعدم الإنسحاب من الإتفاق النووي على غرار ما فعل دونالد ترامب عام 2018. ولا يتوقع أن توافق واشنطن على هذه المطالب كلها لا سيما مسألة الضمانات، ذلك أنه ليس خافياً أن بايدن يعاني الآن من متاعب داخلية تبدأ بحزبه الديموقراطي وخطته لـ”إعادة بناء أميركا”، ولا تنتهي في إرتفاع التضخم وإرتفاع أسعار الوقود وعودة جائحة كورونا إلى التفشي بسرعة قياسية مع متحوره الجديد “أوميكرون”. لذلك لا يبدو أن بايدن في موقع القادر على تقديم أكثر مما يتحمل من تنازلات، مع بدء العد التنازلي لإنتخابات منتصف الولاية في الخريف المقبل.

هل بالضرورة أن يكون بديل فيينا، نشوب حرب شاملة؟ ربما لا. فمسؤولون ومعلقون أميركيون يتحدثون منذ الآن عن إحتمال اللجوء إلى تفعيل حملة “الضغط الأقصى” التي أطلقها ترامب عام 2018. وسيلجأ بايدن عندها إلى تغليظ العقوبات، بينما تستمر إسرائيل في العمليات السرية التي تعتمدها منذ 2009

لم تعد فيينا حدثاً منفصلاً عن ما عداها دولياً، بل هي تتغذى من الأحداث الدائرة حولها. وقد يكون هذا سر تلويح المبعوث الأميركي الخاص بالملف الإيراني روبرت مالي بأنه إذا لم يتم إحياء إتفاق 2015 في غضون أسابيع، فإن البحث سينتقل إلى الحديث عن إتفاق آخر. هناك ورقة ضغط أخرى تستخدمها إدارة بايدن، وهي ما تحدث عنه مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان خلال زيارته إلى إسرائيل الأسبوع الماضي، في ما يتعلق بتنسيق أميركي – إسرائيلي مشترك لمواجهة “التهديدات الإيرانية”، مُوحياً ضمناً بأن الجانبين قد قطعا شوطاً في البحث عن “بدائل أخرى”، وبينها الخيارات العسكرية، في حال فشل مفاوضات فيينا في إحياء الإتفاق النووي.

إقرأ على موقع 180  السيناريو الأخطر لـ"حرب الشمال": تدهور أم حرب إستباقية؟

ما لم يقله سوليفان، قاله قائد سلاح الجو الإسرائيلي الجنرال تومار بار عن إستعداد المقاتلات الإسرائيلية “لضرب إيران إعتباراً من الغد إذا لزم الأمر”. ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت يُفاخر بأن كل أعضاء الكنيست بمن فيهم لائحة “القائمة العربية المشتركة” برئاسة منصور عباس، أقرت موازنة مالية طارئة مخصصة للهجوم العسكري المحتمل على المنشآت النووية الإيرانية. وقد سارعت إيران للرد بمناورات عسكرية من محافظات مُطلة على الخليج، إستخدمت فيها 16 صاروخاً باليستياً، في دلالة على جاهزيتها للرد على أي هجوم إسرائيلي.

لكن هل بالضرورة أن يكون بديل فيينا، نشوب حرب شاملة؟ ربما لا. فمسؤولون ومعلقون أميركيون يتحدثون منذ الآن عن إحتمال اللجوء إلى تفعيل حملة “الضغط الأقصى” التي أطلقها ترامب عام 2018. وسيلجأ بايدن عندها إلى تغليظ العقوبات، بينما تستمر إسرائيل في العمليات السرية التي تعتمدها منذ 2009، مع تأجيج التوترات الإقليمية.

وبرغم هذه الأجواء الملبدة، هل يحدث إختراق في ربع الساعة الأخير، يُنقذ الإتفاق النووي والشرق الأوسط من جحيم آخر؟ لا يمكن الجزم.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  داعش يهدد "القاعدة" والرعاة الاقليميين لـ "الاخوان" .. ولكن!