عن رئيس أميركا.. وفستان رانيا يوسف!

ماذا ترى أعين مواطن عربي حينما يوجه عدساتها السياسية غير المدربة صوب أميركا؟ يرى موسماً انتخابياً، وتقع أمام ناظريه لقطات من مناظرات بين مرشحين يتراشقون أفكاراً متضاربة، طمعاً بأصوات ناخبين لا يراهم العربي أو لا يعرف وزن خردلة عنهم، وهل هذا ديموقراطي أم جمهوري؟ ثُمّ يفاجأ بعد مضي أسابيع أن عدد المتنافسين قد انخفض فجأة إلى شخصين، يعرف أن أحدهما يطلق عليه المرشح الديموقراطي، فهل يا ترى يسمى الآخر جمهورياً لأنه غير "ديموقراطي”!

لا يلبث واحدنا أن يرى رئيساً يسكن البيت الأبيض من أحد الحزبين، ويسمع أحدهم يقول “هذا الشخص يحتل أقوى منصب في العالم” فيظن به سلطة لا يملكها حقاً. فجأة، يرى قياداته العربية تتقاطر إلى واشنطن لتلتقي “رئيس العالم” وتقديم أوراق الإعتماد والإرضاء والتطوع لأدوار.

يسمع الإنسان العربي تحليلات يدلي بها “خبراء” يزعجونه كلما أطلوا عليه أو أطل عليهم، لا سيما عندما يغوصون في تفاصيل أحداث لا يفهمون كواليسها. يختار أن يلتهي قبل أن تلتهب عيناه بما يعتقد أنه لم يقدم ولن يؤخر. ثم يجد من حوله يصبون جام شتائمهم صوب هذا القاطن بالبيت الأبيض وبلده، فيختار أقذعها ليكرره بصحبتهم، وكان الله بالسر عليماً.

هذا ملخص لمدى رؤية مواطن عربي، ربما يظن من يقرأه أنه غير منصف أو اتهام بقصر النظر أو السذاجة. وربما يراه البعض الآخر حقيقياً.

كل ما نحتاج معرفته عن هذا الكيان المسمى بالولايات المتحدة الأميركية متاح للعامة على مستوى الكوكب بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. أميركا، كما ندعوها اختصاراً، هي الكيان الأكثر علانية و”تسويقاً” في تاريخ دول العالم منذ أن نشأت فكرة القومية – حتى البدائية منها – ذات الحدود الجغرافية أو السياسية، حتى المائعة منها.

ولكننا لا نريد أن نتعمق لنفهم. نحن شعوب الملخصات، أو كما نسميها نحن المصريون “البرشامة”. ورقة صغيرة مطوية حتى حجم الحبة مكتوب عليها ملحوظات، تمثل إجابات للأسئلة المتوقع ورودها في الإمتحان.

أنا مواطن عربي، أرجوك لا تزعجني بالتفاصيل. لنشتم أميركا دون أن نعرفها. هذه النزعة لا تقتصر على السياسة، بل إنك تريد لفريقك أو منتخبك الكروي العربي أن يفوز دون أن تغوص في التفاصيل. تريد لصناعة السينما العربية أن تنتج أروع أفلام دون الخوض في التفاصيل، تريد أن تحقق دخلاً أعلى دون الحاجة إلى العمل، تريد أن تحب وتتزوج وتنجب دون الخوض في التفاصيل، وهلم جراً، وربنا يتمم بخير إن شاء الله.

هذه النزعة المعطِلة هي بالفعل من أخطر عيوبنا. فنحن “نحب أن نكره” الأشياء والأشخاص بسيطرة من مشاعرنا القهرية علينا دون أن نفهم أو نتعمق، لذا نجد أنفسنا إما نرفع بالتبجيل والتقديس حتى قمم الجبال، أو نسحق بالتنكيل والتقليل حتى قيعان المستنقعات. أما كل ما يقترب من الحقيقة، فهو في منتصف عصا القياس، ليس على طرفيها. ثم يبلغ بنا الإدعاء والعمى الفكري أن نقنع أنفسنا أننا بحق، أمة وسط.. وعجباه!

تريد لفريقك أو منتخبك الكروي العربي أن يفوز دون أن تغوص في التفاصيل. تريد لصناعة السينما العربية أن تنتج أروع أفلام دون الخوض في التفاصيل، تريد أن تحقق دخلاً أعلى دون الحاجة إلى العمل، تريد أن تحب وتتزوج وتنجب دون الخوض في التفاصيل، وهلم جراً، وربنا يتمم بخير إن شاء الله

يأتي بعد ذلك دور المتابعين المدققين، الذين تخذلهم هذه النزعة العربية الأصل. جُلّ ما يتمحصونه ويتفحصونه من تفاصيل، ويقدحون أذهانهم لقوله وكتابته من تحليلات يذهب سدى. لو حاولوا أن يبدأوا مثلاً بشرح موضوعات مثل المجمع الإنتخابي الأميركي Electoral College، أو ماهية لجان العمل السياسي Political Action Committees، أو أهمية اللوبيات في K Street، على الأرجح سينتهي بهم الأمر وكأنهم يخاطبون أنفسهم، بينما المشاهد قد استخدم الريموت كنترول لينتقل إلى قناة أخرى ليسمع عن فستان رانيا يوسف (الصورة أدناه) أو انتقال لاعب ناديه إلى النادي المنافس ليصب كبته في صورة غضب مفتعل نحو موضوعات لا تمثل أي أهمية في حياته.

لو قام أحد الخبراء المتابعين بتأليف كتاب من 300 صفحة، يشرح فيه نظام الحكم الأميركي وتوازن القوى بداخله، وحدود دور الرئيس المنتخب فيه كمستخدم لمنبر التنمر Bully Pulpit أو الموقِّع على قرارات تنفيذية في حدوده المقلمة بنص الدستور الأميركي، سيُفاجأ هذا المؤلف أنه يقطن في وطن عربي يتمتع بنسب قراءة محبطة للغاية. وصل الأمر إلى خلاف إحصائي دار بالفعل منذ عدة سنوات، حول ما إذا كان العرب يقرأون لمدد مجموعها 6 دقائق أم 35 دقيقة.. في السنة!

وإذا ما قال أحد المتابعين بأنه لم يكن ليحصل فارق كبير إذا تم انتخاب جون ماكين بدلاً من باراك أوباما في الإنتخابات الرئاسية الأميركية عام 2009، بدليل أن خطة التنقيب عن الموارد الأحفورية تحت سطح الماء ستتم في كلتا الحالتين. ذلك أن خطة الاكتفاء الذاتي من الوقود الأحفوري واستغناء أميركا عن استيراده من دول أخرى، هي خطة معدة مسبقاً وتم التوصل إلى قرار بتنفيذها حتى قبل بدء موسم الإنتخابات الرئاسية الأولية أو العامة. ومن سيأتي إلى البيت الأبيض سواء تخفّظ على الخطة مثلما فعل أوباما، أو أيّدها بحماسة كما أعلن السناتور الراحل ماكين في وقتها، فأياً منهما كان سيمضي قدماً فيها على حد سواء. سينظر الكثيرون لصاحب هذا الرأي على أنه يتفلسف أو يدعي علمه ببواطن أمور قد تحيّرهم أكثر مما يحيرهم ظاهرها الذي يتابعونه بالكاد، هذا إذا تابعوه.

إقرأ على موقع 180  أميركا تشبهنا.. من ينقذها؟

الوضع يصبح أكثر مدعاة للاستغراب، حينما يتعلق بالتحيز لموقف سياسي بعينه. فإذا قال أحد المتابعين من بعيد: لو كنت مواطناً أميركياً في العام 2009، لكنت قد انتخبت عضو مجلس النواب رون بول في الإنتخابات الأولية للحزب الجمهوري، لأن توجهه السياسي “الليبرتاري” هو ما “نحتاجه” في الأربع سنوات المقبلة، خاصة فيما يتعلق بتوجهاته الاقتصادية ونظرته لسياسات البنك الفيدرالي الأميركي. ربما يجد هذا الشخص نفسه أمام من يقول له: بالمناسبة لا أعرف عما أو عمن تتحدث، ولكن ألم تخطىء في الكلمة، أعتقد أنك بقولك “ليبرتاري” كنت تقصد “ليبرالي”، لقد سمعتها تقال هكذا من قبل.

سيُفاجأ المؤلف أنه يقطن في وطن عربي يتمتع بنسب قراءة محبطة للغاية. وصل الأمر إلى خلاف إحصائي دار بالفعل منذ عدة سنوات، حول ما إذا كان العرب يقرأون لمدد مجموعها 6 دقائق أم 35 دقيقة.. في السنة!

قد يزداد الوضع سوءاً إذا انتقل المتابع ذاته إلى الإنتخابات الرئاسية الأولية للحزب الديموقراطي عامي 2016 و2020، اللتين انتهتا بفوز هيلاري كلينتون في الأولى – لتخسر لاحقاً أمام دونالد ترمب في الإنتخابات العامة – وفوز الرئيس الحالي جو بايدن في الثانية. فماذا إذا أعلن أحد المتابعين غير الأميركيين تحيزه السياسي لصالح المرشح المستقل المتنافس على بطاقة الترشيح الديموقراطية بيرني ساندرز في كلتا المناسبتين؟

ربما سيتهمه أحد بإدعاء الفهم أو “التحفلط”. أما إذا عرف أن ساندرز هو أميركي يهودي الديانة، ستتحول دفة الاتهامات على الأرجح إلى ما هو أبشع، وكأن المتابع صاحب الرأي قد انضم لتوه إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك”، التي لا يعرف من يهاجمه ما هي أصلاً وفصلاً.

ما بالك أن يقترح أحد هؤلاء الأشخاص من “مهاويس” المتابعة ممن يطلق عليهم ظلماً وعمداً في بعض الأحيان Hyper Intellectuals، أن يقوم العرب من ذوي الجنسيات المزدوجة، الاستثمارات العالمية أو العلاقات المتشعبة داخل العاصمة السياسية واشنطن دي سي – أو العاصمة المالية نيويورك – بإنشاء جمعية عمل سياسي قانونية، تكون بمثابة اللوبي العربي داخل أميركا، لتقوم بتكريس كل أدوات الضغط السياسي المتاحة بهدف التأثير على صناع القرار الأميركيين، بدءاً من أعضاء المجالس المحلية ومجالس الولايات، مروراً بالمؤتمرات الحزبية لكلا الحزبين، وصولاً إلى أعضاء غرفتي الكونجرس ورئيس الجمهورية. هنا قطعاً سيُتهم صاحب هذا الإقتراح بالجنون.

أميركا دولة مثلت لعقود، وما زالت تمثل القطب “شبه الأوحد” الذي يفرض سيطرته وإرادته على باقي دول العالم. ويُبَدّي مصالحه ومصالح الحلفاء من “ذوي القربى” على مصالح، ليس أعدائه فقط، بل على مصالح بقية حلفائه “المطيعين” أيضاً. فماذا إذا قال أحد المهتمين بمتابعة شأن هذا القطب، أنه في بعض الأحيان يجلس ليشاهد أجزاء من جلسات الكونجرس بغرفتيه على قناة C-SPAN. أو أنه ذات مرة جلس ليشاهد مناظرة بين مرشحين يتنافسان على مقعد بمجلس الشيوخ عن ولاية نيوجيرسي في انتخابات خاصة أجريت عام 2013، هما الديموقراطي كوري بوكر والجمهوري ستيف لونجان. لا ريب أن أول ردة فعل ستحدث ممن يستمع لهذا المتابع، هو إتهامه بامتلاك الكثير من أوقات الفراغ، أو أنه من مواليد ولاية نيوجيرسي ولم يخبرنا حتى الآن.

ولكن ربما سيلتفت المستمع إذا ما قال له هذا المهتم المتابع المأفون، بأن الفائز في هذه الانتخابات ـ وهو كوري بوكر ـ قام في الليلة السابقة لإعلان فوزه، بزيارة “ضريح” الحاخام الحسيدي مناحم شنيرسون. حينها ربما يتحمس المستمع مطلقاً عبارات من عينة “أرأيت، قلت لك أن اليهود يتحكمون في كل شيء!”، دون أن يفكر ملياً ولو للحظة، ليتعمق في فهم الأمر، ناهيك عن اقتراح أي شيء يمت للواقع العملي بصلة، يمكن للعرب الأميركيين أو غير الأميركيين القيام به ليكون لهم في يوم ما التأثير ذاته.

وإذا بدت لك هذه الملحوظات والأقاصيص عشوائية ومتشابكة، وجب التوضيح أن رؤيتنا لهذه الأمور على أنها متشابكة هي نصف المشكلة، بينما اعتقادنا أنها عشوائية، هو نصفها الآخر.

Print Friendly, PDF & Email
تامر منصور

مصمم وكاتب مصري

Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  ياماجوشي قصة تتجدد من هيروشيما إلى أوكرانيا!