“حرب العقوبات” ضد روسيا.. لماذا ستفشل؟

لا يتقدم سلاح لدى الإدارة الأميركية على سلاح العقوبات في مواجهة الغزو الروسي لأوكرانيا. السؤال الذي يتبادر للذهن: هل سترضخ روسيا للإدارة الأميركية وتنصاع لشروطها تحت ضغط عصا العقوبات الغليظة؟

لم نسمع كثيراً بالعقوبات الأميركية الأحادية التي تفرض على هذه الدولة او تلك في زمن الحرب الباردة، لكن ما أن إنهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 حتى كرّت سبحة العقوبات الأميركية الأحادية أو الأممية (نسبة لمجلس الأمن)، وشملت العشرات من دول العالم، أبرزها؛ إيران، العراق، ليبيا، يوغوسلافيا، فنزويلا، كوريا الشمالية، سوريا، رواندا، وروسيا حديثاً.

العقوبة في القانون الدولي تفرضها دولة على دولة أخرى، في كثير من الأحيان لمنعها من التصرف بعدوانية أو انتهاك القانون الدولي. وغالباً ما تُصمم العقوبات لإلحاق الضرر باقتصاد الدولة، أو بالنشاطات المالية لشخصيات فيها مثل كبار السياسيين ورجال الأعمال والمصرفيين. ويمكن أن تشمل ايضاً حظر السفر وحظر تصدير الأسلحة إليها.

لكن العقوبة ذات التأثير الدولي أو العالمي هي العقوبة التي تفرض من قبل الأمم المتحدة وتلزم كافة دول العالم فيها، حيث أن الأمم المتحدة تتمتع بالشرعية لفرض عقوبات اقتصادية وتدخلات عسكرية منذ عام 1945 طبقاً لما نصّ عليه الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، فقد كان بمثابة الإطار القانوني الذي يغطي إمكانيات التدخل في شؤون الدول، سواء فرض عقوبات أو حصار وحظر وقطع العلاقات الدبلوماسية أو التدخل العسكري (التدخل المباشر) لحفظ السلم والأمن الدوليين.

فإذا كانت الحرب استمراراً للدبلوماسية أو للسياسة بوسائل أخرى، فإن العقوبات أصبحت بالتأكيد السلاح المفضل للولايات المتحدة ضد من تعتبرهم منافسين أو أعداء لمصالحها في العالم. هذا لا يعني الاستغناء عن شن الحروب، لكن ثمة أربعة أمور رئيسية تحول دون شن حروب جديدة؛

1-    عدم المغامرة في حروب مع دول لا تقوى على الحسم معها دون تكبدها خسائر كبرى، كما في حالة روسيا وإيران مثلاً.

2-    فشل أهداف الحرب على كل من العراق وأفغانستان وخروج الولايات المتحدة المذلّ من الأخيرة في صيف العام 2021.

3-    تراجع دور الولايات المتحدة الريادي في العالم في ظل قوى عالمية صاعدة ومنافسة (الصين وروسيا) وإقليمية واعدة (إيران وتركيا).

4-    المجتمع الأميركي المنقسم على نفسه وتقدم نزعة أميركا أولاً على ما عداها، أي أن أميركا تعود إلى أميركا وتزداد عزلة.

لنأخذ مثل إيران التي جرّبت لأكثر من أربعة عقود حرب العقوبات الأميركية والغربية التي لم توفر قطاعاً إلا وطالته من اقتصادي ومالي وغذائي وحتى استشفائي (لم يوافق صندوق النقد على منح إيران قرضاً لمواجهة جائحة كوفيد 19 وإكتفى البنك الدولي بمساعدة بعشرات ملايين الدولارات).

من المكابرة القول إن العقوبات الأميركية لم توجع إيران وشعبها فالأرقام وحدها تتكلم في هذا السياق (معدلات الفقر والنمو والتضخم والبطالة إلخ..) لكن هذا وغيره لم يمنع إيران من تطبيق نظرية “الصبر الاستراتيجي”، والاستمرار في مشروعها الإقليمي وترسانتها الباليستية وفصلهما عن المفاوضات بشأن الملف النووي. مستندة بذلك إلى ثلاثة أمور؛

الأول، اطمئنان إيران لعدم شن حرب أميركية أو إسرائيلية عليها نظراً لما لديها من قدرات ردعية.

الثاني، لإيران علاقات وطيدة مع قوى عالمية (الصين وروسيا) توفر لها الدعم الدولي اللازم.

الثالث، برغم العقوبات ثمة قدرات إقتصادية من قوى عاملة ومواد أولية وصناعات عديدة ومنتجات زراعية متنوعة، مما يحقق لإيران شبه اكتفاء ذاتي.

لن تتراجع روسيا قبل تحقيق شروطها وأولها ضمانة عدم تمدد الناتو في الفضاء الروسي (السوفياتي سابقاً) أي صوب جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة وعدم إقامة قواعد صاروخية أو عسكرية، وربما تضيف شرطاً جديداً، ليس حياد أوكرانيا وحسب، بل فرض تركيبة حكم متصالحة مع روسيا على غرار بيلاروسيا

في الحالة الروسية، ثمة فرق كبير بالقدرات والإمكانيات العسكرية وغير العسكرية. روسيا دولة عالمية دون العظمى بقليل، ومساحتها هائلة وموقعها جيوسياسي (أوراسي) وذات تأثير مباشر على أوروبا بشرقها وغربها. فإذا كانت إيران (المرتكز الإقليمي) قد حققت نفوذاً في أربع عواصم عربية على مرأى وحضور الولايات المتحدة، فليس غريباً على روسيا أن تحاول فرض نفوذها في وسط آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا كما في أوروبا الشرقية المتاخمة لحدودها على الأقل.

ولا يجب إغفال العلاقة المعقدة بين روسيا والصين. صحيح أن مصالح الثانية أكبر مع أميركا لكن المنطق الجيوسياسي يجعل الصين محكومة بعدم السماح بإضعاف روسيا، لأن ما يصيب الأخيرة سيصيبها هي ويجعل إستهدافها أكثر سهولة مستقبلاً. لذلك نجد أن دعم الصين لروسيا يفوق بكثير الدعم الصيني لإيران، إذ تشكل بكين جداراً صلباً تستند إليه موسكو في منازلتها الجارية مع الغرب. وقد رفعت الصين مؤخراً، كلّ القيود على استيراد القمح والحبوب من جارتها الشمالية، وزادت من واردات النفط منها، لتحل مكان السعودية كمورد رئيسي للنفط. كما وقّعت شركة “غازبروم” الروسية وشركة البترول الوطنية الصينية، الشهر الماضي، اتفاقاً لمدّة 25 سنة، يتعلّق بإمدادات الغاز عبر خطّ أنابيب يجري العمل به عبر سيبيريا، فيما أعلنت موسكو عن صفقة لعدّة سنوات لبيع 100 مليون طن من الفحم إلى الصين، وهو عقد تزيد قيمته عن 20 مليار دولار.

إقرأ على موقع 180  هل يُفوّت الحراك اللبناني "اللحظة الحريرية"؟

وبالتالي، من المُتوقع أن توفّر الصين لروسيا هامشاً للمناورة وقدرة على الصمود ضدّ الحصار المالي والاقتصادي الأميركي من خلال البنوك الحكومية الصينية، وتجنّب التعامل بالدولار واليورو والين والاسترليني.

في الخلاصة، يمكن القول إن سياسة النفس الطويل التي اكتسبتها إيران من حياكة السجاد باتت قاب قوسين أو أدنى من تحقيق مُرادها وإحالتها إلى دولة نووية والحصول على صك رسمي من القوى العالمية بدورها كدولة إقليمية. الأمر نفسه ينسحب على روسيا التي لن تتراجع قبل تحقيق شروطها وأولها ضمانة عدم تمدد الناتو في الفضاء الروسي (السوفياتي سابقاً) أي صوب جمهوريات الإتحاد السوفياتي السابقة وعدم إقامة قواعد صاروخية أو عسكرية، وربما تضيف شرطاً جديداً، ليس حياد أوكرانيا وحسب، بل فرض تركيبة حكم متصالحة مع روسيا على غرار بيلاروسيا.

ما يجري في أوكرانيا يتعدى الحرب بين دولتين. ثمة متغيرات جوهرية في موازين القوى العالمية قد تقلب صفحة عالم القطب الواحد لتفتح صفحة العالم المتعدد الأقطاب، وسوف تكون الصين أول المستفيدين.

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

أستاذ جامعي، كاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  أوليفر ستون يحاور بوتين.. مرحلة الـ"كي جي بي" وذكريات لينينغراد