الإعلام الأوروبي واللجوء.. خطاب “التجانس الإثني”!

في أوكرانيا مأساة إنسانية لا جدال فيها. وبعيداً عن الدوافع السياسية الجيوسياسية لا يمكن أن نتجاهل معاناة ثلاثة ملايين أوكراني خرجوا من بلدهم في شتى الاتجاهات الأوروبية. 
البلدان الأوروبية التي رفضت قبول اللاجئين من دول «الجنوب» تفتح حدودها أمام الأوكرانيين. “اندفاعة” إنسانية تترافق مع ضخ إعلامي ومفردات جديدة كانت غائبة عندما انطلقت موجات التشرد من سوريا والعراق والسودان وأفغانستان ودول أفريقية عديدة: بات هناك إجماع على إستخدام مصطلح «لاجئين”، بينما كان السائد في الإعلام سابقاً مصطلح «أزمة الهجرة». يكفي العودة إلى تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كابول في الصيف الماضي حين تحدث عن ضرورة «الحيطة والحماية من تدفقات الهجرة غير النظامية».
صحيح أن ماكرون يخوض اليوم غمار معركة انتخابية في فرنسا الملونة سياسياً بيمين متطرف عنصري ولا يستطيع السباحة عكس تيار الرأي العام، لكن من شواهد هذا الانصياع للرأي العام تأمين مجانية تنقل اللاجئين في القطارات الأوروبية. ومن الغرابة أنه بات يمكن إيجاد أماكن للقادمين من أوكرانيا بسرعة مذهلة، بينما كانت ردات الفعل السابقة على مطالبات الجمعيات الإنسانية لإسكان المهاجرين من جنوب المتوسط بأنه «لا توجد أماكن لاستقبالهم».
ويلعب المسؤولون الأوكرانيون على وتر «التجانس الاثني» ولا يتردد أحدهم بالتصريح بأن العديد من القتلى هم من «الأوروبيين ذوي الشعر الأشقر والعيون الزرقاء» (مسؤول أوكراني عبر أثير “بي بي سي”). ويقول أحد المعلقين عن هؤلاء اللاجئين بأنهم يُمثلون «هجرة عالية الجودة ويمكننا الاستفادة منها» (رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الجمعية الوطنية الفرنسية).
ولكن لا يقتصر الأمر على «عاصمة الأنوار» باريس. ينطبق هذا التمييز العنصري على دول رفضت منذ فترة طويلة قبول اللاجئين المسلمين والعرب، بينما تقوم اليوم بفتح حدودها أمام الأوكرانيين. هاك أمثلة لبعض التصريحات العنصرية لبعض القادة السياسيين الأوربيين، مثل رئيس الوزراء البلغاري كيريل بيتكوف الذي صرح «هؤلاء ليسوا اللاجئين الذين اعتدنا عليهم. هؤلاء هم أوروبيون. إنهم أذكياء ومتعلمون».
لا يكفي أن يكون مذيع نشرة الأخبار داكن البشرة بل يجب الولوج إلى غرف التحرير ومطابخها. وهذا الواقع ملموس ليس فقط في الطواقم التحريرية ووسائل الإعلام ولكن أيضاً في كافة المرافق في ظل عجز فاضح للأنظمة الأوروبية ولا سيما الفرنسية عن معالجته برغم «المصعد الاجتماعي» الذي تدفعه «قوة التدرج العلمي»
لا يتوقف الأمر على ألسنة المسؤولين ذلك أن منظومة الإعلام الأوروبي باتت أسيرة «استشراقية فوقية» ولا يتردد بعض العاملين في المنظمات الإنسانية من وصف الخطاب الإعلامي الفرنسي (والأوروبي) بأنه “خطاب عنصري” يرافق الحراك الرسمي والإجراءات التي تتخذ بحق المهاجرين العرب والمسلمين.
يقول ناشطون في الجمعيات «لا يمكننا أن نقول إننا سنساعد الأوكرانيين في حين اننا في الوقت نفسه نهدم خيام مهاجري كاليه» (مرفأ في شمال غرب فرنسا يجتمع فيه مهاجرون من سوريا والسودان وافغانستان بانتظار فرصة لعبور “المانش” نحو بريطانيا، ومن حين لآخر يتم هدم خيام المهاجرين لتفريقهم على الشواطئ في البرد تحت الأمطار).
وتدور نقاشات «غير مفيدة» بين ناشطين ينتقدون المقارنة بين اللاجئين “الجيدين” و”الأشرار» وهو حديث نمطي على ألسنة السياسيين في اليمين الذين لا يترددون في تجريم المهاجرين الآتين من الجنوب وشيطنتهم.
ومنذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، فتحت الأبواب أمام مناقشة العديد من المقارنات السياسية أو الإعلامية بين مصير اللاجئين الأوكرانيين وأولئك القادمين من أجزاء أخرى من العالم، ولا سيما الشرق الأوسط. وتقود هذه المناقشات إلى آفاق أبعد بكثير من مسألة التمايز بين اللاجئين والمهاجرين، ويرى خبراء في التواصل والإعلام أن أساس هذا التعامل غير المتساوي يعود بشكل كبير إلى عدم وجود «تنوع اثني في الطواقم التحريرية في الإعلام» فيما يقول آخرون إنه لا يكفي أن يكون مذيع نشرة الأخبار داكن البشرة بل يجب الولوج إلى غرف التحرير ومطابخها. وهذا الواقع ملموس ليس فقط في الطواقم التحريرية ووسائل الإعلام ولكن أيضاً في كافة المرافق في ظل عجز فاضح للأنظمة الأوروبية ولا سيما الفرنسية عن معالجته برغم «المصعد الاجتماعي» الذي تدفعه «قوة التدرج العلمي».
جاءت جائحة كورونا لتبرز على شاشات وسائل الإعلام النسبة الكبيرة للأخصائيين في الطب من أصول مهاجرة. إلا أن تأثير الإعلام على الرأي العام هو الأبرز، إذ لا ينتبه المشاهدون للأسماء التي ترافق ظهور الأطباء والاختصاصيين في أسفل الشاشة، بل للكلمات الرنانة التي ترافق صور خراب أوكرانيا وجحافل اللاجئين التي هي أقوى وقعاً من التحليلات السوسيولوجية والديموغرافية. فالحديث في أفواه الإعلام هو عن الأوكرانيين «عن أوروبيين يقودون سيارات تشبه سياراتنا، ويحاولون فقط إنقاذ حياتهم»، حسب قول أحد المذيعين.
ولكن يجب الانتباه إلى أن الأنظمة الأوروبية (وفي فرنسا خاصة مع تصاعد موجة اليمين) مبنية على افتراض أن طالب اللجوء سيكون أسود اللون أو عربيًا أو أفريقيًا أو آسيويًا. ويدرك الأخصائيون بأن تطور الأنظمة – برغم موجة التعاطف الحالية مع أوكرانيا – وصول إلى تكيفها مع «إثنية القادمين الجدد» تحتاج إلى وقت طويل خصوصاً أن أي تطور في ظل الأنظمة الحالية يمكن أن يؤثر على أشخاص آخرين (من جنوب المتوسط مثلاً). وهو ما يمكن أن يواجه معارضة سببها نظام الاستهلاك الغربي «الأناني بالقوة»، كما كان الحال مع السوريين منذ منتصف ٢٠١١، في بلدان اللجوء، وبالتالي، يُمكن أن يتحول التضامن إلى إحباط ومن ثم إلى رفض وتهميش وعزل وإقصاء..
إذًا على الرغم من هذه الحماسة وحركة التضامن مع اللاجئين الأوكرانيين، لا بد من الحذر بشأن واقع سياسات الاستقبال التي ستتبع على المدى الطويل. فالوصول إلى بلد ما لا يعني الاندماج السهل.
والجدير بالذكر أن المهاجرين من أوروبا الشرقية، على سبيل المثال لا الحصر، كانوا يواجهون التمييز في سوق العمل في بعض البلدان الأوروبية ومن دوافع البركسيت وقف اليد العاملة الأوروبية الشرقية الساعية للوصول إلى بريطانيا.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  موظف عند الحريرية برتبة رئيس فرنسا
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  حلب.. عاصمة سوريا الاقتصادية تنتظر "الفرج"