باكستان.. كادت تصبح عربية لولا حروب الهند 

في المقالين السابقين، تم التطرق إلى بنى السياسة الخارجية الباكستانية وخطوطها الحمراء المستمدة من ذاكرة مشتعلة مع الهند وروسيا والتنابذ مع اسرائيل بإستثناء مرحلة الجنرال برويز مشرف، وفي هذا المقال الثالث والأخير عن باكستان، سيجري تناول أكثر المنعطفات  خطورة التي مرت بها هذه الدولة في أوائل السبعينيات، حين انفصلت باكستان الشرقية عن شقيقتها الغربية بالحرب والدماء، وظهرت دولة بنغلادش إلى حيز الوجود.  

مع أن الشائع أن إسم باكستان يعني “الأرض المباركة”، إلا أن المؤرخ المصري محمد عنان (1896 ـ 1986) كتب مقالة في مجلة “الكاتب المصري” الذي كان يرأس تحريرها عميد الأدب العربي طه حسين، في الأول من شباط/فبراير 1947، قال فيها “إن الأحرف التي يتكون منها إسم باكستان ترمز إلى: ب ـ ولاية بنجاب، أ ـ أفغان، ك ـ كشمير، س ـ سند، تان ـ الأحرف الأخيرة من بلوشستان”.

ومنذ ظهور باكستان كدولة مستقلة في الخامس عشر من آب/أغسطس 1947، وإشكالية الوحدة اللغوية تلاحقها، وهذه العقدة في التكوين الوطني، دفعت قادة باكستان الأوائل إلى التداول بضرورة اعتماد اللغة العربية لغة وطنية باكستانية تجمع بين الناطقين بالأوردية والبنغالية والسندية والبلوشية والبنجابية وغيرها، ويذهب المفكر والأديب المصري إحسان حقي إلى القول في مقالة له في مجلة “العربي” الكويتية في شباط/فبراير 1985 إلى القول:

“كانت فكرة تعريب باكستان تراود زعماء هذه البلاد منذ فجراستقلالها، ولم يكونوا يريدون أن يجعلوا العربية لغة البلاد الثانية، بل لغة البلاد الأولى، وأن تكون باقي اللغات لغات محلية، لأن في تعريب البلاد حسم لكثير من المشاكل الإقليمية”، وتعطي الدوريات العربية، من مثل “الثقافة” و”الرسالة” المصريتان، الصادرتان في عقد الخمسينيات صورة واضحة عن الإتجاهات والنقاشات المرتبطة بالتعريب اللغوي في باكستان خلال مرحلة ما بعد الإنفصال عن الهند.

خطوة واحدة وكادت باكستان تتحول دولة عربية.

لم يحصل ذلك، ماذا حصل؟

حين نشأت باكستان، كان ثمة حاجز جغرافي بين شرقها وغربها، وهذا الحاجز يضاف إليه حاجز لغوي، فالبنغالية في الشرق كانت وصلت إلى كمالها مع الشاعر طاغور (1862ـ1941) كما يقول أبرز العاملين العرب في النطاق الفلسفي، عبد الرحمن بدوي في مقالة “رحلة إلى الهند” المنشورة في مجلة “الثقافة” المصرية (19 ـ 1 ـ 1965) وكذلك محمد إسماعيل الندوي في المجلة ذاتها في الثاني من آذار/مارس من العام نفسه.

هذان الحاجزان اللذان لا يمكن تقديم احدهما على الآخر، بل يمكن رفدهما بعاملين اثنين وهما، طموح الهند بإستعادة باكستان او إضعافها أو تقسيمها، وتحول شبه القارة الهندية برمتها إلى ميدان للصراع الدولي، وعلى هذا الأساس ظهر التحالف الهندي ـ الروسي، يقابله تقارب باكستاني ـ صيني يحظى بمظلة غربية مفترضة قبالة محور موسكو ـ نيودلهي، وهذا العناصر مجتمعة أسهمت في إبقاء العلاقات الهندية ـ الباكستانية فوق فوهات البراكين المشتعلة منذ الحرب الأولى عام 1947 وإلى أن انطلقت شرارة الحرب الثانية في نيسان/ابريل 1965، ولتتوسع ميادينها في الخريف، وبعض صورها نقلتها الصحافة اللبنانية كالآتي:

ـ صحيفة “الحياة” (9 ـ 9 ـ 1965) “الهند تفتح جبهتين جديدتين والجيش الهندي يزحف بإتجاه الشمال”.

ـ صحيفة “التلغراف” (10 ـ 9 ـ 1965) “الزحف الهندي يجتاح باكستان واحتلال عدد من المدن”.

وفي عددها الصادر بتاريخ الثاني عشر من أيلول/سبتمبر 1965، نشرت “الحياة” تحليلا ميدانيا موسعا لسير المواجهات العنيفة، وقالت ” إن القوات الباكستانية أوقفت زحف القوات الهندية وأعلنت انها استولت على مواقع في الهند نفسها، وأن معارك الدبابات ستقرر مصير الحرب، وفي الجبهة الوسطى ـ قطاع لاهور، القتال يدور بعنف يذكر بمعارك الحرب العالمية الثانية”.

في قراءة كامل مروة  صاحب “الحياة” لأسباب الحرب وأسماها غزوا، أوردها في افتتاحيته الشهيرة “قل كلمتك وامش” (8 ـ 9 ـ1965) أنها تعود لذهاب الهند إلى تعديل مادتين في دستورها “بحيث ينتهي وضع كشمير كولاية حرة وتصبح جزء من الأرض الهندية، وعزمها على دفن قرار مجلس الأمن في تقرير مصير كشمير”.

الأمر المفارق في الحرب الباكستانية ـ الهندية الثانية، أن الإتحاد السوفياتي كان حليفا فاعلا للهند، سياسيا وتسليحيا، فيما باكستان وجدت أن ظلها حليفها، صحيح ان الصين وقفت إلى جانب باكستان على المستوى السياسي، إلا أن هذا الموقف لا يرقى على الإطلاق إلى نظيره الروسي الذي أدرج هذه الحرب في سياق الصراع بين المحورين الشرقي والغربي، ومن مفارقات تلك الحرب أيضا، أن باكستان حين طلبت مساعدة حلف “السانتو” رفضت بريطانيا الإستجابة مثلما نقلت “الحياة” عن وكالتي “رويترز” و”الصحافة الفرنسية” (7ـ 9ـ 1965) ذلك أن “رئيس الوزراء هارولد ويلسون مصمم على ان لا تتحيز بريطانيا لأي من الجانبين في النزاع بين الدولتين العضوين في الكومنولث”.

انتهت الحرب الثانية بين نيودلهي وإسلام آباد في العشرين من ايلول/سبتمبر1965، ودُعي الجانبان إلى “مؤتمر طشقند”، وبعد يوم من انعقاده كتبت صحيفة “المنار” الفلسطينية (5 ـ 1ـ 1966) افتتاحية قالت فيها: “لا يسعنا، ونحن نطلب من كلا الطرفين أن يبذلا قصارى جهدهما لإنجاح مؤتمر طشقند، إلا ان نناشد زعماء الهند بالذات، أن ينظروا إلى منطق العدل في نظرتهم إلى قضية كشمير، فالكشميريون قد أدمجوا في الإتحاد الهندي بالقوة، وحُرموا حتى الآن من ممارسة الحق الذي أقرت لهم به الأمم المتحدة، وهو حق تقرير المصير”.

الأمر المفارق في الحرب الباكستانية ـ الهندية الثانية، أن الإتحاد السوفياتي كان حليفا فاعلا للهند، سياسيا وتسليحيا، فيما باكستان وجدت أن ظلها حليفها، صحيح ان الصين وقفت إلى جانب باكستان على المستوى السياسي، إلا أن هذا الموقف لا يرقى على الإطلاق إلى نظيره الروسي الذي أدرج هذه الحرب في سياق الصراع بين المحورين الشرقي والغربي

عن مآسي الحروب بين باكستان والهند، نظم الشاعر الباكستاني توفيق رأفت قصيدة عن لسان إمراة فقدت زوجها في الحرب، فقال/ت:

“حين وصلت البرقية 

كنت أسرح شعري تحت الشمس 

قالت البرقية إن الحكومة آسفة 

فزوجي قد مات 

ودُعيت إلى حفل قدّم لي فيه الجنرال وساما 

ماذا أفعل به؟ ليس للوسام يدان وشفتان

إنه بالضبط كما يبدو/ مجرد قطعة من النحاس”.

لا دماء القتلى ولا قصائد الشعراء ولا أنين الثكالى والأرامل يمكن ان توقف الحروب طالما أن دوافعها مرتبطة بالمنافسة وسوء الظن والبحث عن المجد كما يقول الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز(1588ـ 1679)، وهكذا ما أن حلّ الشهر الأخير من العام 1971، حتى كان الباكستانيون والهنود على موعد مع حرب ثالثة، هي الأكثر فظاعة وبشاعة مما سبقها، ومعروفة بـ”حرب الأسبوعين” أو “الحرب الثالثة” وامتدت من 3 كانون الأول/ديسمبر إلى السابع عشر منه، وأدت بالنتيجة إلى انفصال القسم الشرقي من باكستان ونشوء دولة جديدة هي بنغلادش، ولكن مقدمات الحرب كانت بدأت في الثالث والعشرين من آذار/مارس، حين أنزل متظاهرون بنغاليون علم باكستان الوطني عن مبان حكومية، وتطورت الأحداث إلى صدامات فمواجهات فإشتباكات فمعارك فحرب بين الجيش الباكستاني و”الإستقلاليين” المدعومين من نيودلهي وموسكو، ثم دخلت الهند بكل ما أوتيت من قوة في وطيس الحرب.

إقرأ على موقع 180  لبنان: تعويم الحريري بـ"فاول" عوني.. إلى الإنتخابات النيابية دُرْ!

قبل الإنخراط الهندي المباشر في الحرب الثالثة، كان الباكستانيون يعلقون آمال المؤازرة والمساعدة على الصين، ففي الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر1971، ذكرت صحيفة “الجزيرة” السعودية “أن السيد ذو الفقار علي بوتو الزعيم السياسي في باكستان الغربية كرر قوله بأن الصين ستهرع الى معونة باكستان إذا ما قامت الهند بأي اعتداء” وفي الرابع والعشرين من الشهر نفسه، كتبت صحيفة “الأنوار” البيروتية تحت عنوان “روسيا مع الهند والصين مع باكستان” فقالت “في شهر آب ـ أغسطس ـ الماضي، زار وزير الخارجية السوفياتية غروميكو نيودلهي ووقع معاهدة صداقة وتعاون مدتها عشرون سنة، وفي المقابل تطلعت باكستان إلى طلب المساعدة من الصين المجاورة، وفي مطلع شهر تشرين الثاني ـ نوفمبر ـ سافر ذو الفقار علي بوتو وزير خارجية باكستان السابق، إلى بكين”.

وأما الإدارة الأميركية فقد اتخذت قرارا بعدم تزويد الأطراف المتنازعة بالسلاح، وقالت صحيفة “الأهرام” المصرية (26 ـ11ـ1971) وكان محمد حسنين هيكل لا يزال رئيس تحريرها “إن وزير الخارجية الهندية سواران سينغ أكد أمام البرلمان أن الولايات المتحدة لا تمد باكستان بالأسلحة عن طريق دولة ثالثة”، وهذا القرار الأميركي، يعكس وجود فجوة في العلاقات الأميركية ـ  الباكستانية آنذاك، أعطته صحيفة “نيويورك تايمز” طابعا إنسانيا، ففي تقرير كتبه مالكوم براون وترجمته صحيفة “نداء الوطن” اللبنانية (26 ـ10 ـ1971) جاء فيه “هناك شي من الخلاف بين الموظفين الأجانب حول وسائل إعادة اللاجئين غير أنه ثمة إجماع على أن تتخلص البنغال الشرقية من سمعتها كموطن للهول والعذاب، وفي سبيل ذلك، قامت عدة حكومات بما فيها حكومة الولايات المتحدة بالضغط على حكومة باكستان لإجراء تغييرت أساسية في البنغال الشرقية، وثمة اتفاق على أنه لم يحصل تقدم فعلي في تلك المنطقة”.

ومرة أخرى، ستطلب باكستان النجدة من حلف “السانتو” وستُجبه بالرفض، وإزاء ذلك علًق صالح السالم مدير عام صحيفة “الجزيرة” السعودية في مقالة افتتاحية (14 ـ 12 ـ1971) فقال “إن الباكستان تواجه عدوان الهند وسلبية السانتو، وإذا كانت روسيا تناصر الهند بلا تحفظ، فما الذي يمنع الولايات المتحدة الأميركية من دعم الباكستان لكونها حليفة للغرب وشريكة في الحلف المركزي الذي حجبت عنه قطع الغيار وطائرات الفانتوم”؟

وتماما، مثل حرب 1965، تجنبت بريطانيا مساعدة باكستان، وكتبت صحيفة “النهار” الصادرة (24 ـ 11 ـ 1971) في بيروت “ان مصادر وزارة الخارجية البريطانية تقول إن رئيس الوزراء إدوارد هيث بعث برسالة الى يحي خان ـ الرئيس الباكستاني ـ يحثه فيها على الإعتدال والتروي”، في حين أن الإتحاد السوفياتي كان قفز قفزة كبرى بإتخاذ قرار الإعتراف بإنفصال بنغلادش فبعد زيارة رئيسة الوزراء الهندية انديرة غاندي إلى موسكو (“الحياة” ـ 30 ـ 9 ـ 1971) صدر بيان هندي ـ روسي مشترك دعا “إلى اتخاذ إجراءات عاجلة في سبيل إيجاد تسوية سلمية في باكستان الشرقية تحافظ على حقوق شعب البنغال”.

في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر1971، توقفت الحرب بعد مقتل مئات الآلاف، وتقسمت باكستان ، وأسرت الهند أكثرمن 90 ألف جندي باكستاني بعدما سدت روسيا المنافذ البحرية عنهم، وبعد انتهاء الحرب اصدرت وزارة الخارجية السوفياتية بيانا (ملحق “أنباء موسكو” ـ 25ـ 12 ـ 1971) قالت فيه “منذ بدأت المضاعفات في شبه جزيرة هندستان، وقف الإتحاد السوفياتي بإضطراد وحماس إلى جانب التسوية السياسية السلمية في باكستان الشرقية على أساس إرادة شعبها التي عبًر عنها في انتخابات ديسمبر1970”.

 والمعروف عن تلك الإنتخابات، أن “رابطة عوامي”، حظيت بأغلبية المقاعد البرلمانية في الإقليم الشرقي لباكستان، فاستثمر مجيب الرحمن هذا الأمر، وكان يرأس الرابطة، فرفع شعار الإستقلال عن باكستان الغربية، وفي البيان السوفياتي وضوح تام بالإعتراف بـ”شعب” البنغال وحقه في تقرير مصيره، وحيال ذلك، كتبت صحيفة “القبس” الكويتية (3 ـ 3 ـ 1972) فقالت “كان من الواضح أن اتفاق الإتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية على خلق دولة جديدة في شبه القارة الهندية إسمها بنغلادش، لا يمكن ان ينتهي إلا بإقامة تلك الدولة”.

قامت تلك الدولة، وكان لبعض شعراء بنغلادش قصائدهم الممزوجة بالألم والحب القائم بين جسدين مفصولين، وفي ذلك أنشد الشاعر البنغالي داوود حيدر فقال:

“كل شيء يمضي 

ويوما ما سيذهب كل شيء

ولن يعرف الواحد منا الآخر 

وسيبقى الحب الغائم مترددا 

وحتى عندما تلتقي عيوننا 

لن يعرف أحدنا الآخر 

وحتى عندما يمر واحدنا بالآخر 

لن نرى 

ويوماً ما سيكون جسدانا معا”.

الجزء الأول: أعراس روسيا في باكستان من علي بوتو إلى خان

الجزء الثاني: باكستان هل تبقى “دولة مواجهة” مع إسرائيل؟

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  خوان كارلوس "ملك الفساد" بأموال ملوك العرب!