يهودٌ في قريتنا بجزين.. كيف نصنعُ هويّاتنا؟

في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، إلتقيت في معهد الدراسات المتقدّمة في مدينة نانت بمخرجة سينمائية كنت قد سمعت عنها من زميل هناك، قال لي حرفيّاً: "تعرّفت اليوم على زميلة جديدة. يهوديّة تقول إنّها لبنانيّة". كان في نبرته نوع من التحذير لي: "إنتبه منها، إنّها يهوديّة"!

عندما إلتقيتها، قبل سنتين ونيف، وعرّفت عن نفسي، سألتها: “سمعتُ أنّكِ من لبنان، من أي منطقة أنتِ”؟ أجابت بسرعة: “وُلدتُ في صيدا، لكنني هاجرت إلى إسرائيل قبل حرب العام 1967، وبعد ذلك إلى ألمانيا في أوائل السبعينيات، والآن أعيش في جنيف”. في لقاء آخر، سألتها عن ذكرياتها اللبنانية، فقالت في ما قالته: “عشنا في صيدا، لكن أبي ليس من صيدا، هو من قرية صغيرة قرب جزين، أكيد أنك لم تسمع بها”. سألتها: “وهل تعرفين إسم هذه القرية”، فأجابت: “بنواتا”. لم أصدّق أذنيّ، فقلت لها: “تقصدين قرية “بنواتي”. أنا من “بنواتي”، لكن لم أسمع من قبل بوجود يهود في قريتنا”!

أسرعت بالعودة إلى مكتبي لكي أتصلّ بعمّتي في لبنان وأتحرّى منها عن قصّة الزميلة الجديدة. وما أن ذكرت لها أنّني إلتقيت بسيّدة تقول إنّ جدّها ووالدها كانا من “بنواتي” وهم من الطائفة اليهودية، حتّى بادرت عمّتي إلى سرد أسماء هؤلاء وزوجاتهم وألقابهم، وقالت لي: “هيدي حفيدة “أبو بخور” (أي أبو بكر بالعربي)، كان صاحب جدّكَ، وكان ينام عندنا حين يأتي من صيدا هو وإبنه. كانوا بياعين بالشنطة”.

من الصعب الوصول إلى وثائق أو أشخاص يعرفون متى عاش “أبو بخور” في قريتنا، لكن ما تتذكّره عائلته أنّه إلتجأ إلى “بنواتي” في أواخر القرن التاسع عشر، ثمّ ألقى الأتراك القبض عليه أثناء الحرب العالميّة الأولى، وقرّروا نفيه إلى القوقاز عبر إسطنبول، لكنّ عند وصوله إلى إسطنبول إستطاع أحد وجهاء الجالية اليهوديّة هناك التوسّط له وإطلاق سراحه، فعاد بعد انتهاء الحرب إلى القرية، ثم انتقل مع عائلته إلى صيدا وأصبح إبنه وجيهاً من وجهاء اليهود فيها.

***

لم تكن هذه أوّل حادثة تجعلني أفكّر وأقرأ عن فكرة الهويّة. عندما بدأت بتعليم الفكر الإسلامي، سرعان ما أيقنت أنّ معظم الكتب والأبحاث التي نستخدمها لتعريف تلامذتنا على الإسلام إنما تُعرّفهم على هويّة إسلاميّة محدّدة، لا على كل الإسلام. هذه الهويّة المحدّدة نستخدمها كمعيار للتعريف بالهويّات الإسلاميّة الأخرى، من منطلق أنّ هذه الهويّات الأخرى هي غير تقليديّة (unorthodox)، ومن هنا تصنيف الشيعة والمتصوّفة والمعتزلة بوصفهم تيارات “خارجة” عن الإسلام (وهو رأي خاطئ وسخيف). النتيجة أن التلميذ يفهم أنّها جماعات غير إسلاميّة أو إسلامها غير صحيح ومشكوك فيه. لذلك نجد الكثير من الباحثين يتحرّون أصل الشيعة والمعتزلة والمتصوّفة و.. خارج الإطار الإسلامي (في الفكر اليوناني، الفارسي، البوذي، إلخ)، بينما لا يبحث أحد عن الإصل غير الإسلامي لأهل الحديث عند السنّة مثلاً.

للهويّة الكثير من الحسنات، لكن متاهاتها أفظع. ندخل في متاهاتها إذا أصرّينا على فهمها بصيغة المفرد، فتصبح مشروعاً لهدمنا من داخل أنفسنا؛ مشروعاً يعمي بصرنا وبصيرتنا

الأمر أكثر تعقيداً من ذلك. كيف يمكن تعريف هويّة مفكّر سنّي صوفي (مثل القشيري): هل هو سنّي أم متصوّف؟ أم فيلسوف مسلم أرسطوطاليسي وفقيه شرعي مالكي (مثل ابن رشد)؟ أو حتّى مفكّر يهودي معتزلي (مثل ابن ميمون Maimonidis)؟

***

الإصرار على تجاهل فسيفسائيّة الهويّة الإسلاميّة والفكر الإسلامي لا يقود بتاتاً إلى فهم صحيح للإسلام والمسلمين. الأنكى، أن يتحول ذلك إلى إعتداء على المسلمين أنفسهم وعلى تاريخهم. الهويّة الإسلاميّة كانت وما تزال خليطاً من الهويّات المختلفة، تتعايش مع بعضها البعض، حتّى إذا كانت متضادة أو خارج الإطار الإسلامي، كالمسيحي أو اليهودي العربي الذي يُشكّل الإسلام جزءاً لا يتجزّأ من تراثه الفكري واللغوي والديني. كيف لنا أن ننسى أن معظم المسلمين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (وحتّى الآن) قرأوا وفهموا الإسلام وتاريخه عبر مراجعتهم عشرات الروايات التي كتبها الكاتب العربي الكبير جرجي زيدان (إن لم نذكر مساهمته في إحياء اللغة العربية). ومثله الكثير الكثير من الأدباء والكتاب العرب.

للهويّة الكثير من الحسنات، لكن متاهاتها أفظع. ندخل في متاهاتها إذا أصرّينا على فهمها بصيغة المفرد، فتصبح مشروعاً لهدمنا من داخل أنفسنا؛ مشروعاً يعمي بصرنا وبصيرتنا. ذلك أنّ الهوية كلمة لا يمكن أن تكون إلّا بصيغة الجمع، مثل البحر الذي يعجّ بالماء والكائنات ولا يمكن إختزاله بوصف بسيط (فأصبحت كلمة بحر إشارة إلى الشيء الهائل، كمّاً ومحتوى).

الهويّة الجميلة هي خليط من هويّات مختلفة، وعندما نهمل تلك الحقيقة، يتحوّل حسنها الفسيفسائي إلى قباحة مذمومة. في كلّ شخص منّا هويّات؛ هناك هويّات بيولوجيّة، أنثروبولوجيّة، تراثيّة، سياسيّة، دينيّة، وطنيّة، قومية، عائلية، أممية، عرقيّة، مناطقيّة، رياضيّة، فكريّة، نظريّة، عمليّة (هذه ليست بالضرورة أضداد)، لدرجة أنّ كلّ واحد منا يُشكّل حالة فريدة في ما يتعلّق بهذا المزيج الهويّاتي. الأروع في مفهوم الهويّة هو قدرتنا على جمع هويّات لا تتّفق مع بعضها البعض.

إقرأ على موقع 180  حاكم مصرف لبنان.. إنْ عُزلَ!

أمّا الهويّة بصيغة المفرد فهي كالرسن، تخنقنا، وتُفْقِدنا حريتنا، وتشدّنا (طواعيةً أم كراهيةً) إلى ما تريده هي لنا. تُعمينا، فنُصبح كالبهائم في صحراء لا منفذ لها إلا الكره والحقد والقتل والثأر إلخ..

كان هناك دائماً في تاريخ البشريّة علاقة بين الإنسان ووطنه (قريته، مدينته، ناحيته، إلخ.). وكانت هذه العلاقة أساساً لهويّة مناطقيّة تآخت مع هويّات أخرى (إجتماعيّة، دينيّة، فكريّة، عقائديّة..) لتتشكّل في كل شخص في صيغة مختلفة. لكن عندما نختزل الهويّة بالقوميّة (وهو الدارج في يومنا هذا) ونجعلها تتسلطّ وتهيمن على هويّاتنا الأخرى بدل أن تتعايش معها، يصبح الإنسان عند ذلك هويته: لبناني، سوري، فرنسي، أميركي، صيني، فتنتفي هويّاته الأخرى أو تصبح غير منظورة، وتنتفي إنسانيّته.

استخدمت الرأسماليّة والإستعمار الهويّات القوميّة من أجل تفتيت العالم إلى دويلات يسهل السيطرة عليها وتدجينها أو عزلها. لذلك نجد التشرذم في العالمين العربي والإسلامي (وكذلك في أميركا اللاتينيّة، جنوب أسيا، إفريقيا الغربية..)، لدرجة أنّ الهويّة العربيّة مثلاً أصبحت عاجزة عن مجاراة الهويّة الوطنيّة عند معظم العرب، وهو ما تجلّى في القرن العشرين مع مشكلة فلسطين، حيث نأى كثيرون بأنفسهم عن قضيّتها بالتمترس بهوياتهم: عراقي، سوري، مصري، أردني.. فكان التشرذم وكانت الخيبات وما تزال حتى يومنا هذا حيث نسمع لبنان أولاً وغزة أولاً ومصر أولاً وسوريا أولاً والعراق أولاً إلخ..

طالما نفكّر بالمفرد، سنكون على موعد مع إنقسام تلو إنقسام: نذهب من عربي إلى لبناني أو سوري أو..، ومن ثمّ إلى لبناني مسيحي أو مسلم، ومن ثمّ إلى لبناني سنّي أو شيعي، ومن ثمّ إلى سنّي بيروتي أو صيداوي، ومن ثمّ إلى الأحياء، وننتهي بالأفخاذ وو..

صحيح أن للإستعمار دوراً في نشر وتوعيّة الشعوب المستعمَرة على أهميّة الوعي القومي وتشجيع كلّ منها على اختراع سرديّة لقوميّته. لكن نحن (معظمنا على الأقل) كنّا “موضوعاً قابلاً”، فالتهمنا هذه السرديّات، ورفعناها كمتاريس داخل ذواتنا أو ضد بعضنا البعض.. وها هو مسلسل التفتيت يستمر لأنّ متاهات الهويّة لا نهاية لها. فطالما نفكّر بالمفرد، سنكون على موعد مع إنقسام تلو إنقسام: نذهب من عربي إلى لبناني أو سوري أو..، ومن ثمّ إلى لبناني مسيحي أو مسلم، ومن ثمّ إلى لبناني سنّي أو شيعي، ومن ثمّ إلى سنّي بيروتي أو صيداوي، ومن ثمّ إلى الأحياء، وننتهي بالأفخاذ وو..

***

أريد أن أعود إلى القصّة التي ذكرتها في مطلع هذه المقالة. ينظّم معهد العالم العربي في باريس معرضاً عن يهود الشرق. ومن أجل ذلك، قرّر المعهد التعاون مع هيئات إسرائيليّة من أجل إستعارة وعرض أمثلة عن تراث اليهود العرب. بغضّ النظر عن السجال حول مقاطعته والإنبطاح الفرنسي الرسمي الكامل أمام الصهيونيّة والجهد الحثيث من أجل غسل جرائمها في فلسطين، السؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: لماذا ليس لدينا كعرب تراثٌ يهوديٌ نحتفلُ به، ونُعيره لمعهد العالم العربي ومعاهد ومتاحف من أجل عرضه؟ لماذا تركنا اليهود العرب ليصبحوا علفاً للصهيونيّة وأن يصبحوا أداة تسخّرها إسرائيل لدعايتها ضدنا كعرب؟ لماذا محيناهم من ذاكرتنا وتناسينا حبّهم لأوطانهم “لتلّم شملهم” إسرائيل؟ لماذا لم نقاتل من أجل هويتنا المشتركة؟ هل أعمانا عددنا وعديدنا فأقنعنا أنفسنا أنّنا لسنا بحاجة لهذه الحفنة من “العملاء” من أجل نهضة العرب؟ هل نحن الآن أقوى ممّا كنّا عليه قبل تهجير اليهود من أرضنا؟

***

في العقود الأخيرة، ولا سيما غداة الغزو الأميركي للعراق، إرتفعت أصوات عربية متباكية إزاء ما يصيب المسيحيين في بلاد ما بين النهرين كما في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر. جرائم وتهجير وضمور ديموغرافي وحرمان من الحقوق والخدمات وو.. سيأتي يوم قريبٌ نندب حظنا ونقول لات ساعة مندم، لأننا لم نفعل ما ينبغي فعله من أجل حماية المسيحيين في منطقتنا. وكيف ستكون عندئذ هويتنا من دونهم وأي هوية ستكون لنا في لبنان تحديداً إذا إختفى المسيحيون منه؟

***

رحم الله من كتب قصّة الأسد مع الثيران الأسود والأحمر والأبيض. كانت للثيران الثلاثة مجتمعين قوة لا يجرؤ معها اي حيون مفترس أن يهاجمها. أقنع الأسد الثورين الأسود والأحمر أنّه لأجل سلامتهما، عليهما قتل الثور الأبيض، فقتلاه، وأكله الأسد، ومن ثمّ أقنع الثور الأسود بقتل الأحمر، فكان ذلك، وأكله الأسد. بقي الثور الأسود وحيداً، فأدرك ضعفه ومكيدة الأسد له وأنّه الوليمة المقبلة، فقال: “أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثورُ الأبيض”.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  "إنقاذ" لبنان من اللبنانيين.. مهمة "الأعداء"!