اغتيال أيقونة فلسطين.. تنام الحقيقة ولا تموت!

غادرت شيرين أبو عاقلة الحياةَ شهيدةً في صباحٍ فلسطيني هادئ في مخيم جنين. وجّه الرصاصة نحوها جنديٌ من جيش الاحتلال الإسرائيلي بينما كانت ترتدي خوذة وسترة واقيتين من الرصاص. ومن ملابسات الحادثة، يبدو أنّ العمل الإجرامي كان مُدبّراً بواسطة عملية قنص، قيل إنّ الرصاصة أصابت الرأس مباشرةً.

كانت شيرين من الصحافيين/الصحافيات القلائل الذين نذروا حياتهم لقصة إنسانيّة واحدة. لم تكن شيرين مولعةً بالطواف على الأحداث في العالم وتوليّها بإبداء الرأي وبذل الموقف. كان حسّها الصحافي منصرفاً إلى رواية القصة بدلاً من التعليق عليها وإلى نقل التفاصيل ومطاردتها من دون التكهّن بتطوّراتها والبحث في آفاقها. كان همّها تقصّي السبب ومعاينة السياق وتأصيل الحدث أكثر من التعليق أو التحوير أو التدوير. هذه المعادلة من أصعب ما يمكن أن يحقّقه أيّ صحافي يرغب أن يكون همزة وصل بين المُشاهد/ المستمع/ القارئ والحدث/ الواقعة/ الخبر. فقط شيرين من تمكّنت تماماً من كل هذا، مستعينةً بمُسَلَمة يصعب دحضها: نقل المعاناة كما تعيشها الضحية أبلغ من التعليق على همجية الجلاد.
اجتماع الفصائل الفلسطينيّة على تشييع شيرين أبو عاقلة صباح اليوم الموافق لـ 11 أيّار/ مايو (2022)، إنطلاقاً من مخيم جنين، يؤكد أنّ هذه المرأة كانت مشغولة بالحدث أكثر من استغلاله. لذلك، فقدت فلسطين نافذتها على العالم، وفقد العالم نافذته على فلسطين. كأنّها كانت شبّاكاً شفيفاً يقف على أحد طرفيه: الحقيقة من جهة الضحية، ومن الجهة الأخرى: الشهود على بشاعة الجاني.
كانت شيرين أبو عاقلة من الرعيل الأوّل من المراسلين الميدانييّن لقناة الجزيرة. حيث التحقت بالقناة عام 1997، أيّ بعد عام واحد من انطلاقها. وقبل الالتحاق بالجزيرة عملت أبو عاقلة في إذاعة فلسطين وقناة عمان الفضائيّة. وطيلة ربع قرن من الزمان، كانت أبو عاقلة في قلب الخطر لتغطية حروب وهجمات واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.

ولدت شيرين أبو عاقلة عام 1971 في مدينة القدس المحتلة. وهي حاصلة على درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من جامعة اليرموك بالمملكة الأردنيّة الهاشميّة.

وفي حديث سابق للجزيرة تقول أبو عاقلة إنّ الاحتلال الإسرائيلي دائماً ما يتهمها بتصوير مناطق أمنية. وتوضح أنّها كانت دائماً تشعر بأنّها مستهدفة وأنّها في مواجهة كلٍ من جيش الاحتلال والمستوطنين المسلحين. وتروي أبوعاقلة أنّ من أكثر اللحظات التي أثّرت فيها هي زيارة سجن عسقلان والاطلاع على أوضاع أسرى فلسطينييّن بعضهم قضى أزيد من 20 عاماً خلف القضبان، حيث نقلت عبر الجزيرة معاناتهم لذويهم وللعالم أجمع.

وبالتالي كل الوقائع والملابسات بما فيها إفادة شيرين أبوعاقلة نفسها من قبل حادثة الاغتيال، تُشير إلى عملية مدبّرة سبقّ الاعداد لها وتمّ تنفيذها صباح اليوم، لا سيما أنّ وجود أبو عاقلة في مكان الواقعة كان مفتوحاً إلى الأمام مع جنود الاحتلال ومسدوداً من الخلف بالجدار! ناهيك عن وجود مرافقتها الزميلة شذا حنايشة بجانبها مرتديةً لسترة الصحافيين تعتمر الخوذة الواقية المُمهورة بمسمّى: صحافة. وأظهر الشريط الذي إلتقطه أحد الزملاء كيف إنطلقت زخات رصاص القنص عندما تقدم أحد الشبان لإنتشال شيرين؛ فضلاً عن هذا، قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمنع وصول سيارات الإسعاف إلى عين المكان!

إنّها جريمة موصوفة وكاملة الأركان ولا تقبل أي قرينة لإثبات عكسها، نفذتها قوى لها مشكلة حقيقيّة صارت مع الوقت تشكل أزمة مركبة مع نقل الحقيقة. ثمة أكثر من قولٍ لا يحتمل أيّ صرف من الجدوى، يقوم على أنّ الحقيقة “تؤلم من تعوّد على الأوهام” كما قال روستان، كما أنّها أيضاً تؤصّل للصراع الأبدي بين الباطل والحق.
ستضل المقدسيّة شيرين أبو عاقلة صوتاً لا يُنسى في ذاكرتنا كلنا.. منوّهةً بأنّ أعباء هذه المهنة صعبة للغاية ومكلّفة، تبدأ بخسارة الناس بسبب الرأي والموقف، وتنتهي بالموت تحت رصاص الهمج أو في معتقلات السفلة.

 

 

Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  الدول الصغرى والأحلاف الكبرى.. لا بد من طريق ثالث
ضيف حمزة ضيف

كاتب وصحافي جزائري

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
free online course
إقرأ على موقع 180  حماس ـ إيران ـ سوريا: براغماتية.. و"فرصة تاريخية"!