المواطنة والحقوق من عصر إلى آخر

يستمرّ الجدل حول مرجعيّة المواطنة كجزءٍ أساسي من الحقوق الإنسانيّة، بخلفيّتها الفكريّة والفلسفيّة والحقوقيّة والقانونيّة والتربويّة بغضّ النظر عن الدِّين والقوميّة والجنس واللّون والرأي السياسي والأصل الاجتماعي.

اتّجاهان يتجاذبان هذا الموضوع، الأوّل حداثي يعتبر الحداثة الأساس في تبلور مفهوم المواطنة بشكله المعاصر القائم على أربعة عناصر هي: الحرّية، المساواة، العدالة، والشراكة والمشاركة؛ الثاني تقليدي يُرجع كلّ شيء إلى الماضي، وبعضه يعتبر الحداثة ليست سوى التعبير الأخير عن مفهوم المواطنة التاريخي، ويستند في ذلك إلى المقاصد الجوهريّة للأديان السماويّة والمُعتقدات القديمة التي تزخر بالكثير من الحقوق، وتؤكد الغايات نفسها وإن كانت بإرهاصاتها الأولى.

وبغضِّ النظر عن المفهومَين، فالمسألة تتمحور بعلاقة الحق بالتاريخ الإنساني في مقاربة تأخذ بالاعتبار تطوّر مفهوم المواطنة الراهن الحداثي عبر العصور وتدرّجه وصولاً إلى العصر الحديث، خصوصاً وأنَّ بعض هذه الحقوق ضاربة العمق في التاريخ البشري، وهي الرسالة الخاصة بالأديان ذاتها.

وحسب “التعاليم الإسلاميّة” فلا تستقيم الحياة دون حقوق تصون الكرامة وتوفّر الشروط الموضوعيّة لإدارة الأرض استخلافاً عليها لتدبير شؤونها وإعمارها “إن الأرض يرثها عبادي الصالحون” (سورة الأنبياء/الآية 21).

وتختلف الحقوق من عصر إلى آخر وبين دِينٍ ودِينٍ ودولة وأُخرى، فبعضها تعمّق في الحقوق وتوسّع فيها، وبعضها جاء عليها كإشارات محدودة أو وَرَدَت ضمن حقوق أخرى، ولعلّ جوهر هذه الحقوق يتعلّق بالعدل والمساواة والكرامة، حتى وإن اختلفت الممارسة في التطبيقات بما يجرّدها من محتواها، بل يعمل بالضدّ منها أحياناً.

إمتازت الحضارات الشرقية القديمة بفلسفات جاءت على ذكر الحقوق، فالحضارة الصينيّة عرفتها من خلال كونفوشيوس الذي اشتهر بحكمته، ولا سيّما بتمجيد قِيَم العدل والأخاء والأمن والسلام بين البشر وعبر المعمور من الأرض، ووقَفَ ضدّ التعالي والتعاظم بالدعوة للتماثل والتساوي بين الناس ليصبح العالَم كلّه ساحة واحدة يختار فيها ذوو المواهب والفضل والكفاءة الذين يعملون جميعاً على نشر السِّلم والوئام بينهم، بحيث يكون لكلّ إنسان حقّه على نحو موفور وتُحترم شخصيّة المرأة، فلا يُعتدى عليها.

ولكي ينتج الناس الثروة، ربط كونفوشيوس بين التنمية والرفاهيّة والرخاء، إضافة إلى الوئام العالمي وإحقاق الحقوق الاجتماعيّة واختيار الحاكم عبر شروط الكفاءة والاستقامة والفضيلة، وهي مفاهيم تتعلّق برؤية ما نطلق عليه في العقود الثلاثة المنصرمة التنمية المستدامة، أي التنمية البشرية الشاملة بكلّ حقولها ومجالاتها.

وقد أشاع كونفوشيوس مفهوم “السيّد المحترم”، أي الإنسان المثالي ذو الخلق الرفيع والصادق والذي يحترم نفسه وغيره ويتقيّد بذلك في سلوكه وتعامله، وصاغ “القاعدة الذهبية” التي أجملها بما يأتي “لا تعامل الآخرين بما لا ترغب في التعامل به مع نفسك”، وهو الذي كان يعتقد أن سلوك الحاكم الفاضل هو أقوى من جدوى القوانين والعقوبات.

تختلف الحقوق من عصر إلى آخر وبين دِينٍ ودِينٍ ودولة وأُخرى، فبعضها تعمّق في الحقوق وتوسّع فيها، وبعضها جاء عليها كإشارات محدودة أو وَرَدَت ضمن حقوق أخرى، ولعلّ جوهر هذه الحقوق يتعلّق بالعدل والمساواة والكرامة، حتى وإن اختلفت الممارسة في التطبيقات

وعلى الرغم من أنَّ الهندوسيّة التي استمدّت قِيَمِها من الإله “براهما” إلّا أنَّها اصطُبغت بالطبقيّة والتمييز، بتأكيدها على حقوق كلّ طبقة، فلم تكن حقوقاً متساوية، فطبقة المنبوذين هي غيرها عن الطبقات الأخرى، لكن البوذيّة اختلفت عن الهندوسيّة بصفتها حركة إصلاحيّة كانت ضدّ نظام الطبقات وركّزت على العدل والمساواة ومما جاء فيها “لا فرق بين جسم الأمير وجسم المتسوّل الفقير ولا بين روحيهما”، فالناس خُلقوا من خلقٍ واحد وليس بينهم من يكون صالحاً وآخر شرّيراً، كما أنصفت البوذيّة المرأة، ولا سيّما في برنامج الوصايا العشر والتعاليم الخمسة بالامتناع عن إيذاء كلّ حيّ إنساناً أو حيواناً أو نباتاً، إضافة إلى قول الحقيقة.

أمّا الحكيم الفارسي زرادشت فقد أسّس نظريّته على ثنائيّة الخير والشرّ وصراعهما وعلى مكافحة الأخير، والاعتقاد أن الخير يتغلّب في نهاية الأمر. والشرّ حسب زرادشت يتمثّل في الجهل والفقر والظلم والكراهية، وحسب رأيه أنَّ العلم والتعليم جزء من الدِّين والمتعلم والعالِم هما في قمّة طبقات المجتمع، كما كان يدعو إلى العدل والإنصاف. ولعلّ ما ورد في القرآن الكريم “وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون” (سورة الزمر/الآية 9) خير دليل على أهمية العلم ومكانة المتعلّمين والعالِمِين.

أما شريعة حمورابي فهي أول مدوّنة للقانون الجنائي المناهض لشريعة الغاب والدعوة إلى العدل وإبعاد حكم الاستبداد والطغيان، كما أَنصفت المرأة، وهي بذلك كانت تشكّل لبنات أوّليّة للمواطنة التي نتحدّث عنها بمفهومها الحداثي.

لقد أسهمت الحضارات القديمة في تأصيل قيَم الأخلاق والخير التي قامت على احترام الحقوق الإنسانية، فالإله “رَعْ” إله الشمس في الحضارة الفرعونيّة المصريّة حكم مصر بقانون “جاء به من السماء” وأطلق عليه اسم “ماعت” وهو قائم على العدل وإحقاق الحقوق، ودعت أخناتون إلى السلام والتسامح والرحمة، وأن الإله لا يتمثّل بالحرب وانتصاراتها، بل بالزهور والأشجار ولا يحيا الإنسان إلّا في رحاب العدل.

إقرأ على موقع 180   تركيا أردوغان أقرب للنفس الأطلسي

لعلّ ذلك يشكّل الخلفيّة المرجعيّة لمفهوم المواطنة الذي انطلق ما بعد الثورة الفرنسيّة وتعاليم روسو ومونتسكيو وفولتير، ولا سيّما أهداف الحريّة، المساواة والإخاء.

Print Friendly, PDF & Email
عبد الحسين شعبان

أكاديمي، باحث ومفكر عراقي

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  السودان المأزوم.. والطريق إلى المصالحة