“الأستاذ عبد”.. وداعاً

الأستاذ هو أكثر من محطّة على الطريق. لا أعني كل من علّمني حرفاً. أعني تحديداً أولئك الذين يشعلون جذوة الفكر والتفكير. أعني الأستاذ ـ الشمعة بمعناها الرمزي، أي التضحية بنفسها حتى تنير لنا عالماً جديداً لم نره من قبل أو رأينا بعضه واستهولناه. أكثر من ذلك، الأستاذ هو من يُشعل شموعاً تضيء الطريق لأجيال تأتي من بعده. هذه عظمة الأستاذ.

في أوائل تسعينيات القرن المنصرم، بدأت دراسة التاريخ في الجامعة الأمريكيّة في بيروت. وقتذاك، كنّا مجموعة كبيرة من التلاميذ استهوانا علم التاريخ في بعده السياسي، خصوصاً تاريخ الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. لم تشهد دائرة التاريخ في الجامعة من قبل هذا الكمّ من التلاميذ. كانت دراسة التاريخ أشبه ما تكون بالملجأ في ظل حالة الضياع العقائدي (نتيجة إنتهاء الحرب الأهليّة، إنهيار الإتّحاد السوفياتي، مفاوضات أوسلو، إلخ.). ما لم نكن ندركه أنّ التاريخ محيط، قاعه عميق وشطآنه بلا حدود. سرّع في سقوطنا في سحر التاريخ أساتذةٌ من طراز نادر، أذكر منهم أربعة، لتأثيرهم الكبير علينا: كمال الصليبي، طريف الخالدي، سمير الصيقلي، وعبد الرحيم أبو حسين. ميزتهم أنّ لكلّ منهم شخصيّته كمؤرّخ ولكل مقاربته لدراسة التاريخ وولعه بنوع معيّن من البحث التاريخي، وهذا كان من أهمّ الدروس لنا، بمعنى أنّ علم التاريخ يجمع القراءة الدقيقة والتوثيق والتحليل والتمحيص والمقارنة و..، ويجتذب من يستهويه الأدب واللغة والشعر، الأرشيف والمخطوطات، الفكر الفلسفي والسياسي، التصوّف والدين، نشأة الحضارات وعلم القانون، الإقتصاد، إلخ.

كانت “صفوفنا” مع هؤلاء الأساتذة مسرحاً للحوار، في قاعات الدرس وخارجها. كنّا نجتمع بأساتذتنا في مكاتبهم أو في مكتبة فارس – وهي غرفة تابعة للدائرة جمعت كتب المرحوم الأستاذ نبيه أمين فارس (ت. 1968) وما أُضيف إليها من كتب بعد ذلك – أو في بيوتهم، أو في الـ Pub. أذكر مثلاً أنّ طريف الخالدي كان يجمعنا في منزله لنقرأ الشعر الجاهلي ونتناقش حول ما يمكن أن نعرفه عن عصر الجاهليّة من خلال الشعر، فزرع فينا حبّ الأدب الذي لولاه لكان علم التاريخ مثل بادية بلا ماء. وكان سمير الصيقلي يدعونا أيّام الجمعة إلى حانة الـ Duke of Wellington في فندق ماي فلاور، فأنار لنا بأحاديثه جوانب كثيرة ومشوّقة من تاريخ النهضة العربيّة ومشاكل الإستعمار ومأساة فلسطين. وكان بيت كمال الصليبي في رأس بيروت قرب الجامعة، ميداناً لنقاشات سياسيّة وتاريخيّة وفكريّة، حسب تركيبة الضيوف، وكان هو مثل قائد الأوركسترا: يسمع كثيراً ويتكّلم قليلاً. يتحرّى عن المواضيع التي كنّا نبحث فيها وهمّه تعلّم أشياء لم يعرفها من قبل.

أمّا “الأستاذ عبد” (كمّا كنّا نسمّيه)، فله سحره المختلف. الآخرون كنّا ننظر إليهم كآباء لنا. أمّا “الأستاذ عبد” فكان الأقرب إلينا عُمراً، لذلك نظرنا إليه كأخ أكبر. وقرّبنا منه أكثر حبّه للسفر والأكل، فكنّا نتردّد برفقته إلى أماكن كثيرة، بما في ذلك دمشق وعمّان واسطنبول، نمزج بين متعة الوليمة والجد الفكري. وكان للنقاش معه جاذبيّة فريدة بحكم أبحاثه واكتشافاته المثيرة في الأرشيف العثماني والتي قلبت رأساً على عقب الكثير من الخرافات التي كنّا تعلّمناها في المدرسة أو سمعنا عنها حول تاريخ جبل لبنان وبلاد الشام.

كانت أبحاث “الأستاذ عبد” نوعية لا سيما عندما أبحر في الأرشيف العثماني في اسطنبول وتركيزه على مصادر تاريخ جبل لبنان وبلاد الشام، حيث تمكّن من إكتشاف حقائق كثيرة وجديدة مختلفة عن الخرافات الشائعة

في أحد المشاوير، شدد على أهميّة الأرشيف العثماني وضرورة أن يقوم العرب بالبحث فيه بعمق ودراسته تفصيلاً لأنّ فيه الكثير من الحقائق التي تتعلّق بتاريخنا والتي تفضح أكاذيب الإيديولوجيّات الوطنيّة والحزبيّة. ثم اقترح علينا “الأستاذ عبد” أن يدرّسنا اللغة العثمانيّة حتّى يتسنى لنا أن نبحث في الأرشيف العثماني. فكان ذلك، ومع أنيّ لم أثابر على تعلّم العثمانيّة، لكنّها كانت المدخل للأبحاث التي أجريتها في اسطنبول عند دراستي شهادة الدكتوراه في أمريكا. والأهمّ من ذلك، أن زملاء لي وقعوا في شغف اللغة العثمانية وأصبحوا الآن بفضل “الأستاذ عبد” من الإختصاصيّين بالتاريخ والأرشيف العثماني.

كان “الأستاذ عبد” شغوفاً بالقراءة، وهذا ليس غريباً على شخص مثله تخصّص بالأدب الإنكليزي قبل أن ينتقل إلى كار التاريخ. وأذكر أنه كان أوّل من لقّبني بـ “Solomon” في الجامعة، وهو اللقب المفضّل لي عند كلّ الأساتذة. أذكر أنّه في أحد الأيّام عند وصولي إلى الدائرة في الجامعة، بادرني “الأستاذ عبد” بتحيّة جديدة: “أهلاً بالـ سير سولومون فيلبريك”. سررت بالترقية البرجوازيّة، لكن لم أفهم من هو هذا السولومون فيلبريك ولماذا قورنت به. فبادر المرحوم كمال الصليبي ليوضّح أنّ سولومون فيلبريك هو من شخصيّات كتاب “الضعف والسقوط”(Decline and Fall) للكاتب البريطاني إڨلين واه (Evelyn Waugh)، ومعروف عنه حربقته و”تعدّد مواهبه”. فتقبلت ذلك بسرور كبير: “صيت غنى ولا صيت فقر،” كما يقول المثل.

الأجمل من ذلك هو رصد علاقة “الأستاذ عبد” بأستاذه الكبير كمال الصليبي، خصوصاً عندما إنقلبت الأدوار وأصبح التلميذ أستاذاً. ليس في ذلك أي شيء غريب، لكنّه نادر في أعراف الحياة الأكاديميّة (مع أنّه نظريّاً يجب أن يكون القاعدة لا الإستثناء). كانت أبحاث “الأستاذ عبد” نوعية لا سيما عندما أبحر في الأرشيف العثماني في اسطنبول وتركيزه على مصادر تاريخ جبل لبنان وبلاد الشام، حيث تمكّن من إكتشاف حقائق كثيرة وجديدة مختلفة عن الخرافات الشائعة. هذه الإكتشافات أبرزت بعض الأخطاء في كتابات وآراء كمال الصليبي في ما يخصّ تاريخ جبل لبنان. وكان المدهش لنا مشاهدة حجم إعتزاز الصليبي بتلميذه، أو بالأحرى تلميذه الذي أصبح أستاذه. وكان “جدّو سابا” (وهو اللقب الذي أطلقه عليه أبناء الأستاذ عبد) يكرّر علينا بفخر كبير أنّ الإستاذ الناجح يجب أن ينتج تلاميذ أبرع منه.

إقرأ على موقع 180   بين لبناننا نحن ولبنانهم هم!

وكان “الأستاذ عبد” على قدر عالٍ من المسؤوليّة من جهة الإكتشافات التاريخيّة التي نجح في تحقيقها. لكن الأهمّ من ذلك أنّه كان يعتبر أن تكريم الأستاذ لا يكون بتحوّل التلميذ إلى ببّغاء يردّد نظريّات أستاذه أو يدافع عن ثغراته، بل بتجديد جذوة الشعلة لتكون إستمراريّة للأستاذ حُبّاً للعلم وتصحيحاً لما يجب تصحيحه، وتأكيداً لما يمكن تأكيده إلخ..

موت الأستاذ مؤلم. وتتضاعف الخسارة إذا كان الأستاذ زميلاً وصديقاً وأنيساً. عبد الرحيم أبو حسين كان لنا أستاذاً وصديقاً وزميلاً وأنيساً. درسنا على يديه، وتعلمنا من أبحاثه، واستلهمنا الكثير من مقاربته لدراسة التاريخ (العثماني تحديداً)، وتعلمنا منه كيف نكون تلاميذ وأساتذة في آن واحد.

ومهمّا بطّناه بكلام فصيح أو فلسفة وجوديّة، يبقى فقدان الأستاذ مؤلماً. ولفظة “غيّب الموت” التي نستخدمها عند وفاة شخص عزيز هي من العبارات الرواقيّة (Stoic) التي نهرب إليها حتى تواسينا، ولكنّها لا تشفي وجعنا.

رحلت باكراً يا أبا كمال. شمعتك التي انطفأت مؤخراً أوقدت شموعاً تنير إسمك. ليحيا عبد الرحيم أبو حسين.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "كارثة أنصارية".. مُسيّرات إسرائيل بزناد حزب الله (91)